anfasseأحسستُ بالانقصاف وموتُ بسّام حجّار يَهْجُمُ عليّ كعصفِ ريح زَهَقَتْ من باب انخلع فجأة. ظَلَلْتُ مبهوتا والنعيُ على شاشة الحاسوب يتموّج كالسراب في عينيّ الآخذتين في الغيام. لم أمنع الدمعة.. تركتُها تحفُرُ مجراها نحو الخارج، انحدرت بامتهال حتى لسعتني برودتها عند العنق. فَعَلَها بنا شاعرُ العُزلة والموت والصّمت الجهير، وغافلنا بكل هذا الغياب المر،، الحارقِ في النفس كخيانة، كصدّ حبيب لا نتوقع منه أن يُدير لنا في يوم الظهر، ويسحب خطاه بعيدا إلى حيث لاشيء من بعد.
 
أحسستُ بدمعي يغلبني، وكابرتُ وأنا أُغالِبه،،، ليس أكثر من ثوان، ثم انْهارَت فيّ كلُّ مدافعة أو ردّ. خشيتُ في لحظة أن يَلْحظ الزملاء في الجريدة بكائي الصامت، لكن، وأنا أرفع عينيّ إلى الضوء، طالعني الوجه الأسيان قُدّامي على الشاشة، وديعا ينظر إلى تحت كأنه يداري دمعه. قلتُ : إنه بسّام حجّار، الشاعرُ الذي أحببت، لم يزل في أوائل خمسينه.. وبكيت في صمت...
 
غصّةٌ في القلب لا تنحل. وجرحُ موت قديم يصحو عميقا في الوجدان. مخلبُ الوحش يهصر مرة أخرى فراشة شَعْشَعَتْ فيّ بالضوء. لم أفتّش في الخبر عن تفاصيل. خاطرٌ يَصْدُقُني التوقّع. إنها فعلة المرض الخبيث. تيقّنتُ من بعد، السرطان، الذي لم يَفُتْ على اكتشافه سوى أشهر قلائل، هجم على الكبد دفعة واحدة وفتّته...
 
...

khelladi.jpgتمــهـــيــــد :
إذا كانت الدراسات المتعلقة برصد العلاقات بين النصوص قد نشطت بشكل كبير منذ سنوات الستين من القرن الماضي انطلاقا من التصورات التي أعلنت عنها الباحثة البلغارية "جوليا كرستيفا " تحت عنوان " التناص" والتي بنتها على ما قدمه الشكلانيون الروس حول مفهوم الحوارية الذي انبثق بقوة عند باختين في دراسته لدوستوفسكي....فإن النقد العربي لم يغفل هذا الموضوع بل كان سباقا إلى طرح العديد من مفاهيمه وحدوده وقضاياه بصيغ متعددة ، وتنبه منذ القديم إلى هذا التعالق بين النصوص والذي جعل رولان بارث – مثلا – في العصر الحديث يؤكد بأن (كل نص تناص). فقد أورد أبو علي الحاتمي هذا القول " كلام العرب ملتمس بعضه ببعض وآخذ أواخره من أوائله والمبتدع منه والمخترع قليل إذا تصفحته ، والمحترس المتحفظ بلاغة وشعرا من المتقدمين والمتأخرين لا يسلم أن يكون كلامه آخذا من كلام غيره ، وإن اجتهد في الاحتراس ، وتخلل في الكلام ، وباعد في المعنى ، وأقرب في اللفظ وأفلت من شباك التداخل (...) ومن ظن أن كلامه لا يلتبس بكلام غيره ، فقد كذب ظنه ، وفضحه امتحانه " (1)
 من هنا نطرح تساؤلات حول طبيعة معالجة النقد القديم لموضوع التناص، وحول مفاهيم السرقة والمعارضة ، وحول ما يتيحه التناص من قدرات هائلة لتنظيم هذه...

anfasseربما كان مصطلح "الإنشاء" أصوب اصطلاح يمكن استعماله للحديث عن "الكتابة"، لأن الكتابة إنما تفيد في معناها المباشر التسجيل والخط الذي من شأنه تدوين القول وحسب. ويذهب "الإنشاء" إلى معنى التكوين والخلق. فقد جاء الإنشاء مصدرا لأنشأ، وأنشأ مزيد نشأ بالتعدية، وفيه معنى التكوين والارتفاع والسمو. وكأن المنشئ يعمد إلى مواد يتخيرها ليصنع منها جديدا يبدعه على غير هيئة سابقة، وإنما يصنع ذلك استنادا إلى تصور خاص يختمر في ذاته فيكون له منه الصنيع الذي يجسد رغبته، والشكل الذي يناسب مقولته.
    وإذا كنا اليوم نغلّب اصطلاح الكتابة، فلأن الكتابة غدت تشمل الإنشاء بمعانيه السالفة و تضيف إليها جملة الإشارات والملاحظات التي يلقي بها الكتاب على مر العصور، فتشكل في نهاية المطاف ما يشبه القواعد التي يتأسس عليها "علم الكتابة" . كما تقف الكتابة من ناحية أخرى في مقابل "القراءة"، قيام تشاكل وتقابل في آن. أما التشاكل فلأن الكتابة في حقيقة أمرها نتاج قراءة قبلية شاءت لنفسها أن تتجسد في الحرف، وأن تجعل حصادها في الخط. والكتابة من هذه الوجهة تقييد لقراءة جمعت حصيلتها في المكتوب. إذا تأملنا هذه العلاقة بدت الكتابة وهي تتوسط قراءتين: قراءة قبلية تحدث على مستوى الخواطر والفكر، تتفحص الحياة وأحوال الناس ومعارفهم. وقراءة بعدية موكول إليها فك الحرف...

utopie.jpgتوطئة:
تفنن الخيال البشري في تمثّل شكل الفردوس الموعود وتقريبه إلى المخيلة الإنسانية التي تميل إلى الحسي والمباشر، ولم يكن الفردوس الموعود حكرا على الأنبياء ، والقصاص، والكهنة بل صار موضوعا دسما في نقاشات الفلاسفة وكتاباتهم وأضفوا عليها بصمة خاصة حين خلعوا عنه متعلقاته اللاهوتية، وجعلوه مشروعا إنسانيا قابلا للتحقق على أرض الواقع، أطلقوا عليه مصطلح المدينة الفاضلة تارة واليوتوبيا تارة أخرى، وهذا ما خلق إشكالا نقديا وقسم النقاد إلى فئتين؛ فئة توحّد بين اليوتوبيا وعدن، وفئة تجعلها تصورين مختلفين، وقبل أن أعرض حجج الطرفين سأعرّف من البداية بمصطلح اليوتوبيا، وألقي نظرة على نتائج هذا المفهوم.
          كلمة يوتوبيا "Utopie" هي كلمة لاتينية "تحيل على مجتمع سياسي ذي نظام مثالي، أو على أرض أو وطن خيالي، ويكون هذا التصور مثاليا ونهائيا، وأقدم النصوص اليوتوبية هي جمهورية أفلاطون، وكلمة يوتوبيا هي عنوان عمل لاتيني كتبه توماس مورT.More في القرن السادس عشر، حيث يصل رحالة إلى أرض مثالية، وفي هذا السياق أيضا يمكن أن نذكر أطلنطس الجديدة لفرانسيس بيكون، و"الآن من اللامكان""Now from Nowhere" لويليام موريس William Morris، والأفق المفقود Lost Horizon لجيمس هيلتونJ.Hilton"(1)تعبّر اليوتوبيا عن حماس الإنسان كي يصنع جنته بيده دون أية وصاية ماورائية أو إعانة من السماء.
 ...

najat.jpg يا إلهَ الوجودِ! هذي جراحٌ    في فؤادي، تشْكو إليْك الدّواهي
هذه زفرة ٌ يُصعِّدها الهمُّ    إلى مَسْمَعِ الفَضَاء السَّاهي     
أبو القاسم الشابي

قطرة من سحاب البداية:
شاعر يتناثر حزنا وترقبا قرب نافذة الكون العملاقة، يتقنع بالجراح التي تسكن أعضاء توتره، وينزل درج الأماني، قدماه بقايا تحن للمضي نحو الأفق..
هل تراها رعشة حطاب يكسو ذاكرته من ينابيع غابة تقرأ ذبذبات خطاه؟، أم هي لوعة شاعر يطارد لهاثه الخفي بين طبقات الهواء التي تحضن غربته؟.
وهل لنحول صوته الذي يتنقل درويشا أعمى بين أدغال الكلام، يعب من بئر التأمل قِرْبَتَهُ، ويلتطم بالغسق الراقص في حانات العالم، دور في افتراشه رداء الانجذابات نحو الطمأنينة التي لا يلمسها سوى في أجنحة تتوضأ بماء الغيب؟.

مطر منتصف الطريق:
ما هذه العصافير التي تقف فوق غصن الروح، تنقر سفينة الشاعر التي تبحر في حبر الاختلاف؟
وما لهذه البداية ترفع قبعتها تحية لصيحة الأحلام الكسيرة،وكأنها نهر تتدفق ضفتاه بعشبة سرية تنوء لغتها تحت ثقل السخرية، ويتفجر نداؤها لغوا حيث يقف الشاعر حائرا في رمداء العبث ؟

محود درويششكّل رحيل الشاعر محمود درويش دافعا إضافيا لقراءة تجربته الشعرية التي اكتملت وإن ظلّت وتظلُ مفتوحة على «اكتشافات» جديدة تطلع من غنى الشاعرية. ومن انطوائها على تعددية باذخة فيها الجمالي مثلما فيها الفني. دون أن نغفل بالطبع كل تلك الفضاءات الوجودية والفلسفية والتراثية وحتى الحسّية. والتي امتزجت جميعا لتضع القصيدة الدرويشية في حالة اشتباك دائم ومتجدد مع وعي القارئ وذائقته الجمالية.

في الحديث عن تجربة شعرية كبرى كتجربة محمود درويش نجد من الضرورة الإشارة إلى مراحلها المتعدّدة. والتي حملت كل واحدة منها سمات فنية و»قضايا» شعرية ميّزتها. وكان الطابع الأهم في كل تلك المراحل التطور العاصف الذي أخذته التجربة صعودا. وبالذات منذ خروجه من فلسطين. ووقوفه على أرض الشتات بكل ما عناه ذلك الوقوف من ارتطام بواقع الحياة العربية. وبالأخص إشكالية الوجود الفلسطيني في غابة متشابكة من القوانين و»العادات» العربية. وهو ارتطام قفز بقصيدة الشاعر من فردية عزفها على ناي القضية الواحدة وشبه الوحيدة. أي مواجهة الإحتلال المباشر. إلى جدلية التناقضات الحادّة والبالغة العصف لحياة عربية كانت ولا تزال فلسطين تشكل لها عنوانا يتجاوز الإحتلال إلى عناوين أخرى كثيرة هي في المآل النهائي قضايا الحرية والمساواة وحقوق الإنسان والتنمية. والتي تجعل من فلسطين أكبر من مساحتها الجغرافية....

edwardkhratn.jpgيختط المبدع المصري إدوار الخراط لكتابته الشعرية، مناحي احتمالية تستتيح لها آفاق حرية الاستخفاف بالتوسيم الجنسي القار، والانشراع على شتى الأجناس الأدبية والتآلف معها في منظومة تجانس متراكب، له من الطواعية ما يبديها جنس أجناس تتحاور ضمنها حول احتمال من احتمالاتها المتعددة.
هاته الكتابة التي ما فتئت بدفقها الحركي الطليق تستثير أسئلة النقاد، سنكاشفها بالوصف والتأويل من خلال ديوان: "صيحة وحيد القرن"(1) الذي أبرقه المبدع في غضون سنة 1998 بعد دواوين تواترت مباغثة القارئ، في سياق استرسال كتاباته الروائية .

تبعث حرية الكتابة سؤال الشعري على وضع الفيصل بين كتابتين متوازيتين:
أولاهما، مقيدة تهجس بهاجس " أسبقية الماهية على الوجود"، لذا ترتهن بالبعد المكاني في وجودها المنجز فعليا تبعا لتصور " ماهي " سابق عن وجودها النصي.
هاته الكتابة التي لا تلبث أن تتعلب في علبة الهوية الجنسية، تعتبر الأدب " شيئا في ذاته" أي شيئا معطى جاهزا ونهائيا، لذا فما يحدها هو "الهو الغائب" هذا "الهو" الذي يعقل حريتها في خطاب كينوني مغلق، تتطابق فيه مع ذاتها النصية تطابقا يعدم الاختلاف.
ثانيتهما، مطلقة تهجس بهاجس " أسبقية الوجود على الماهية "، لذا ترتهن بالبعد الزماني في وجودها المنجز افتراضيا، تبعا لتصور " وجودي" سابق عن ماهيتها المؤجلة دوما، في سيرورة تلقيات لا تشترط خلالها...

bach.jpgثراء عصر الباروك الموسيقي مازال أمرا مثيرا للدهشة ، في هذا العصر الذي يحدد المورخون بدايته  ببداية القرن السابع عشر (١٦٠٠)  و ينهونه تقريبيا بوفاة  "باخ " عام ١٧٥٠ بلغت الموسيقي أوج  بهائها و إزدهارها، ٌآزدهارا  لم تعرفه في عصور سابقه بل و ربما في كل  تبعه من عصور أو  يجدر بنا القول  أن ما عايشته الموسيقى في هذا العصر من تطور كبير في القواعد و الأساليب كان أضعاف ما عرفته  من تطور في تاريخها السابق كله و ما أرساه من تقاليد فنية  كان أساسا للتتطورات اللاحقه في القرنين الثامن و التاسع عشر.امتاز تيار موسيقى عصر الباروك باتساع و تنوع رقعته، فلم يقتصر الإنتاج الموسيقي علي قطر واحد بل اتسع ليشمل عددا من  المدارس المختلفة في العديد من البلدان الأوربية فبدأ بدايته الحقيقية في إيطاليا بظهور العبقري مونتيفردي Montiverdi(١٥٦٧-١٦٤٣) الذي أخرج أول أوبرا حقيقية و خلافاءه من أمثال "كوريللي Corelli ( ١٦٥٣-١٧١٣) و فيفالدي Vivaldi(١٦٧٠-١٧٤٣)  و "سكارلاتي "Scarlatti(١٦٨٥-١٧٥٧) و قد كان لمدرسة الباروك الإيطالية فضلا عظيما علي موسيقي ذلك العصر فقد أرسي أعلامها القواعد الخاصة بقوالب السوناتا و الفوجه  Fugeو الكونشرتو ، كما نشأ علي أيديهم فن الأوبرا و إلي جانب المدرسة الإيطاليه كان هناك الباروك الإنجليزي  الذي حمل لواءه "هنري بورسل " Purcell الذي ألف عددا...

cours-de-theatre-id68.jpgتعتبر مسرحية أشباح ثورة اجتماعية وأكثر قوة من مسرحياته السابقة في ذلك الوقت، حيث تمكن إبسن  أحد رواد المسرحية الحديثة  أن يعري الكذب والنفاق الاجتماعي  وانعدام أو تقلص الاحساس بالمسؤولية الذي يؤدي للعجز وتراجع مساحة الفرح الإنساني . الغرض من هذه المسرحية هو تسليط الضوء على العناصر الأكثر ضررا وتدميرا في الحياة. و قبل أن تصدر المسرحية ، أرسل ابسن رسالة إلى ناشره " فريدريك هيجل" حيث يحذره قائلا :"أشباح ستكون إلى أبعد حدّ في بعض الدوائر مثيرة للانزعاج ولكن يجب أن تكون هكذا. إن لم تثر ضجة لم يكن من الضرورة كتابتها ". لكن أشباح كانت قنبلة موقوتة أكثر مما كان يتوقع ابسن. شخصيات المسرحية قليلة: السيدة هيلين ألفينج، ابنها أوزفالد، القسيس ماندرز، النجار انجستراند، والخادمة ريجينا انجستراند، وكذلك الحاجب وهو المتوفي ألفينج، زوج هيلينا ووالد أوزفالد. رغم أنه توفي، إلا أنه يؤثر على كل ما يحدث في المسرحية، وتجري الأحداث في منزل فخم بروزنفولد وفي أقل من أربعة وعشرين ساعة.
تبدأ المسرحية لنعرف أن أوزفالد الذي يعمل فنانا في باريس رجع إلى أهله. في نهاية المسرحية نعرف أن رجينا وأوزفالد أخوة من الأب، كما نعرف أن أوزفالد ورث مرض الزهري المميت من والده. الخادمة رجينا التي وعدت بأن تذهب إلى باريس مع أوزفالد ستغادر أوزفالد عندما تعرف أنها...

pain.jpgهل يمكن أن تشكل القصة القصيرة وعاء ا مثاليا للحكي السير ذاتي ؟ وهل بإستطاعة هذا النمط السردي  منحنا متعة القصة المشوقة المستوفية الشروط والناضجة ’ أم أن الحكي السير ذاتي هو مجرد فضفضة للتفريغ.. لحظة اختناق كبير’ ومجرد محاولة لعتق الروح ’ بل عتق حكايات منسية وتسريحها للأبد .. مادام صاحبها قد اقتنع أنه لا شفاء من أثقالها  سوى حكيها ولو للمرة الأخيرة ليستريح ؟ ثم ما  الجديد الذي يمكن للقص السير ذاتي أن يمنح القصة وهي  محكومة بآليات كتابة دقيقة ؟ وهل يمكن اعتبار كل المحكيات السير ذاتية قصصا.. ما دامت تجتزئ من روح صاحبها  ’بل تقتطع  من كيانه و تاريخ نجاحه وفشله في الحياة ’ لحظات قد لا تثير أي رد فعل  لدى البعض ؟
 
عندما نتحدث عن السيرة الذاتية في القصة القصيرة ’ يبرز واضحا للعيان أننا أمام محكي متنوع.. راصد للحظات الأشد وقعا في حياة ينقلها كاتبها بصدق ممزوج بحرقة كبيرة تبرز جوانب خفية أو منسية  إبان حياته .. فالقص السير ذاتي هو التقاط لتفاصيل  صغيرة جدا من الواقع .. ومن منظور خاص يمكننا أحيانا من أخذ ولو صورة جزئية عن مرحلة في رقعة جغرافية جد  محدودة .. لكن أهميته الكبرى تنجلي بعد إسقاطه كعينة للمسح على مجال  أكبر وأوسع .. مما يعكس  حقيقة الواقع’ وبالتالي التعرف عن قرب عن جانب من "التاريخ" المحلي  ..خصوصا في جانبه الاجتماعي والنفسي...

mamdouh_adouane.jpgإن قراء ة أي نص أدبي تتضمن مواجهة بين صورة العالم لدى القارئ، وصورة العالم كما يصورها النص. والقارئ عادة ما يفترض أن النص يصور العالم كما يعرفه. لكن النص قد يؤكد له هذه الفرضية وقد يخالفها.
وإلى جانب الجدلية التي يثيرها التقابل بين صورة العالم لدى القارئ وصورة العالم كما يطرحها النص، هناك جدلية أخرى مهمة في تفسير النصوص الأدبية؛ وهي الجدلية القائمة بين الحقيقة التاريخية التي يفترض أن النص يصورها، وبين التقاليد اللغوية الأدبية المتوارثة التي تتدخل في طريقة صياغة هذه الحقيقة وتصويرها. ويتأثر تفسير المفسر للنص برؤيته لدور هذه التقاليد في تصوير الحقيقة في النص.
ويؤكد "كريستوفر بطلر" في كتابه: "التفسير والتفكيك والإديولوجية"(1) أن الأطر المعرفية والإيديولوجية تتدخل إلى حد كبير في اختيار الأبنية اللغوية وفي تفسير دلالاتها. وينتهي من ذلك إلى تعريف الأبنية اللغوية في النص الأدبي ـ التي يطلق عليها اسم: الأنظمة الشفرية ـ بأنها حقل دلالي يكتسب تفسيرا اجتماعيا أو عقائديا وفق النظم الحضارية السائدة في المجتمع، أو وفق رؤية المؤلف أو القارئ للعالم.
إن كل نص يركز على بعض الأنماط والنظم الحضارية دون غيرها، تلك النظم التي تمثل القيم المعيارية في هذه النصوص.
ومعنى هذا أن القارئ يفترض أن النص يحاكي العالم بصورة ما، ويختار أحد نواحي التجربة الإنسانية...

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية