أنفاسعصفوران عاشقان
مازالا يبحثان عن عش
لم يجداه…
طارا في السماء بعيدا بعيدا
وجدا يد الله ممدودة…

  للشعر دور كبير في تشكيل الهوية الحضارية لأمتنا العربية على مر العصور، القديمة والحديثة، وليس أدل على أهمية الشِعر في تاريخنا العربي من وصف أمتنا بأنها أمة شعر. وما ظهر من تصنيفات عدة حسب الغرض الشعرى أمدنا بتسمية أعتقد أنها ملازمة لشعرنا العربى قديما وحديثا ، وليست مستحدثة ، وهو ما يصنف على أنه شعر المقاومة ، وليس شعر الانتفاضة ، فشعر المقاومة أكثر شمولية من شعر الانتفاضة كون الأخير أحد المفردات الهامة للمقاومة ، فكيف لا يكون الشاعر مقاوما ، وقد نذر حياته للشعر وللوطن ، ومن هنا يستطيع الباحث أن يدخل إلى شعر منير مزيد من تلك الأيديولوجية الفكرية ، فهو العاشق للمكان / الوطن ، والوطن عاشق له ، كلاهما يبحثان عن بعضهما ، وكأن كلا منهما وطن للآخر ، ولأن المسافة بعيدة بينهما ، طارا فى السماء ، لتتعانق روحيهما ، متعلقتان بالأمل ، لأن يد الله ممدودة ،هى إذن قضية الوطن المستلب ، قضية القضايا ، ينزف خلالها الشاعر همومه وهموم وطنه ، ولأن دارس الأدب قارئ في المقام الأول ! والقراءة تحتم عليه إقامة الفهم، وضبط نتائجه. وقد تقاس القراءة الحقة بهذه السعة، لا فيما تحشد من معلومات في حصادها،...

أنفاسجرت العادة أن يأتي المبدع شاعرا يركب صهوة الشعر، كتعبير فني، يتغنى فيه بأناه وأحلامها فمغامراتها وفورانها وتطلعاتها. مادامت أولى الكلمات التي نطقها الإنسان شعرا وسجعا؛ على اعتبار أن الشعر مرتبط، دوما بالحب الأول وبالعاطفة الصادقة وبالأحاسيس المتدفقة من قلب مشبع بالشباب ومترع  بالحياة ومستعد ليحلق في عوالم ملؤها النقاء والبراءة، على أن يعرج الشاعر على أشكال تعبيرية أخرى، بعدما يكون قد تزود من الحياة وعبر التجربة بألوان مختلفة من التجارب، تكون الأيام قد عركته وسقته من قسوتها، فيختار إذاك مجال الحكي، كلون يمكن صاحبه من الشرح والزيادة.. والنماذج على ذلك كثيرة:نجيب محفوظ كتب الشعر قبل أن يلج عالم الرواية، وكذا الأمر مع كل من: "جبرا إبراهيم جبرا"، "غبريال غارسيا ماركوز"، "ميلان كونديرا"...
إلا أن الأستاذ أحمد زيادي شد عن هذه القاعدة، وإن كنت أخمن أنه كتب الشعر في مرحلة متقدمة من مساره الأدبي على غرار من سلف، ولكن أن يعود للشعر بعدما أرسى قدميه في دنيا القصة، بنصوص بديعة  حوت مجامعه: "وجه في المرايا" "خرائط بلا بحر" "ولائم البحر" "الكلمات" "شاهد من حرب البسوس" "شظايا" هذا ما يدعو للسؤال : أهو الحنين للبراءة والحب الأول أم هي حنكة القصاص ودربة الأيام أراد أن يعيد إخراجها في قالب جديد، قالب شعري، ولكن...

أنفاسما أن لاحت سنوات السبعينات في تونس حتى شهد المجتمع تحولات جذرية هي نتيجة مباشرة للإجراءات الجديدة من سنوات الاِستقلال الأولى تلك التي شملت المرأة والعائلة والتعليم و الاقتصاد والمنظمات والجمعيات وغيرها فظهر أثرها في مجالات عديدة من بينها مجال الحياة الثقافية وذلك عندما بدأت تظهر بوادر حركة شاملة ذات مراجع معرفية مختلفة فالجيل الجديد الذي دخل إلي المدارس في النصف الثاني من القرن العشرين أي مع بداية الاِستقلال بدأ يتخرج من المعاهد و الكليات التونسية أو من بعض العواصم العربية والغربية حاملا في ذهنيته نظريات جديدة عن الأدب و المجتمع و عن العالم في خضم أحداث كبرى هزّت الوجدان وخلخلت الثوابت فتفتحت عيون ذلك الجيل على التساؤل والحيرة و نقد الذات !
فما كادت سنوات الستينات تأفل حتى بدأت تلوح على منابر الجرائد و المجلات أصوات جديدة معظمها كان من الطلبة القادمين من الأرياف و المدن التونسية الداخلية و إذا بالساحة الأدبية تشهد حركة على قدم و ساق حول قضايا نالت من النقاش المجال الواسع و أهم تلك القضايا دارت حول مسائل ثقافية و شاركت فيها كثير من الأقلام المتنوعة المشارب فراحت تطرح وتخوض غمار مواضيع ثقافية وأدبية تدور حول المواضيع التالية :
1- التعريب
2- التفعيلة
3- الالتزام
4- الطليعة
5-...

أنفاسالنقد يشبه الابداع ويحركه ليس فقط  رد الفعل السلبي أو الايجابي من قراءة النص ، انما الرؤية الثقافية الشاملة والمتكاملة التي تتفجر تلقائيا دون قرار مسبق من العقل ، وما عدا ذلك كل ما يكتب يقع في باب الإنشاء البسيط.
تبعا لتقسيمات الماوردي ( أبو الحسن البصري – فقيه وأديب شافعي ) فإن مفهوم العقل والفطنة والذكاء يختلفوا على النحو التالي :
العقل : أدا ة الإدراك الأولية.
الفطنة : للتصور ، وهي مرحلة ثانية للإدراك.
الذكاء : وهو الحافظة وأداة التصرف في المعلومات.
وقعت على هذا النص وأنا أحاول ان أفهم ، عبر قراءاتي لبعض موروثاتنا الثقافية ، ما آلت اليه حالتنا الثقافية في العقدين الأخيرين . حقا التشابه مستحيل نتيجة اختلافات جوهرية في تركيبة المجتمع  واللغة والقضايا المطروحة ، ومسائل الفكر ، واتساع دائرة التأثيرات الثقافية المتبادلة ، واتساع امكانيات النشر ، وغياب مقاييس النشر  ، وتفاهة معظم المراجعات النقدية ، وتحول النقد الى اتجاه واحد مدحي ، لدرجة صرت على ثقة نسبية ان النقد يكتب قبل صدور العمل الأدبي .. ومقرر سلفا اتجاهة ودرجة مدائحه ، التي صارت تقاس على سلم شبيه بسلم ريختر... ولدي عشرات النماذج التي تثبت ما أذهب اليه . واحداها حدثت معي شخصيا بنقد لا علاقة له بمضمون كتاباتي .. كما يبدو في محاولة لكسب ودي. فاذا ذهب العقل ، هل تبقى الفطنة ؟ وهل ينفعنا عندها الذكاء ؟!

أنفاسهدف واحد :
    مما لا شك فيه أن البحث عن الجمال من أهداف كل من أهل الفكر والبلغاء أي علماء البلاغة ، فلا يمكن لأحد أن ينكر أن فلاسفة اليونان القدماء ومفكريهم قد عنوا بالجمال عناية فائقة ، في نفس الوقت الذي اهتموا بمعرفته اهتماماً عظيماً تجلى فيما كتبوه ووصل إلينا .
    لقد كان الجمال بجانب  الخير والحق من أهم ما يشغل فلاسفة ومفكري اليونان  ، وإنهم وصلوا إلى درجة عالية من الدرس والبحث في هذا المجال المهم من مجالات الفكر الإنساني التي ثبت لهم فيها السبق والتقدم ، وكان التفوق فيه ميزة من ميزاتهم ، ومنحة منحها الله سبحانه وتعالى إياهم ، كما منح غيرهم من الأمم ميزات أو مواهب أخرى .
    ولا ضرر ولا ضرار في ذلك فهذه سنة اله عز وجل في خلقه ، فهو له في خلقه شئون ، وقد جعل في العرب البلاغة والفصاحة ، وفي أهل الصين الفنون الجميلة ، كما كان من فضله وعدله أن قسم نعمه التي لا تعد ولا تحصى على خلقه . (1)
    وفي هذا السياق يقول أستاذنا / مصطفى صادق الرافعي (رحمه الله) في كتابه (تاريخ آداب العرب ) : وكانت البلاغة من أشهر ما عرف به العرب في العلوم والفنون حتى صارت من أرقى مدنياتهم ، وأوسع معارفهم ، فالحكمة الإلهية التي جعلت من قديم مدنية الفنون في أيدي الصينين ، ومدنية العلوم في رؤوس اليونانيين هي التي خصصت مدنية اللغات في ألسنة العرب . (2)
...

أنفاس1- الحداثة في النقد الغربي:
لقد أثارت الحداثة كاتجاه - أو اتجـاهات- فكـري فلـسفي ثقـافي– اجتماعـي-  سياسي- اقتصادي تباينات في المواقف، واختلافات في الآراء، وتضاربات في الرؤى ولازالت، وذلك نتيجة وضعها الذي يكاد يكون إشكاليا – أو هو كذلك بالفعل- سواء في الآداب الغربية، أو في آدابنا العربية.
ويبدو أن هذا التباين في مواقف وآراء نقادنا العرب حول تيار الحداثة في الأدب العربي له ما يماثله في النقد الغربي. فإذا أردنا تحديد ما يسميه (برادبوري) بجغرافية الحداثة ومدنها(1) نلاحظ أنها مترامية الأطراف وتمتد من روسيا إلى الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وغيرها من بقاع العالم. وتضم مدنا عرفت بكونها مراكز حداثة: كباريس ولندن وبرلين وموسكو وميلانو ونيويورك..، شاركت كلها مشاركة فعالة في مسار الحداثة، واسبغت عليها ملامح مستمدة من ظروفها وخلفياتها، أي أن الحداثة ليست أحادية اللغة وليست أحادية الأصل، وليست مرتبطة بمرحلة  زمنية بعينها، بل هي متعددة اللغات ومتنوعة الأصول ونتاج مراحل زمنية متفاوتة ومتداخلة.
ومن هنا تبرز وضعيتها الإشكالية وتركيبها المعقد واستيعابها لملامح وعناصر غير متآلفة. ولهذا فليس من الغريب أن يختلف النقاد في استعمال هذا المصطلح. إذ نجد بينهم من:
يتحدث عن حداثات، كما فعل براد بوري في دراسته الحديثة.
يشك في قيمة...

أنفاسحين يكون السرابُ صيادَ الرؤيا فللزرقة معنى...
أما حين يكون للشاعر نولٌ يحيك به الريحَ من الريح ِكي يداوي المسافة بالهبوب...
أو حينَ شاعرٌ يعلق النجمةَ زراً على قميصه .. يلمسُ الهدوءَ.. يتحسس نبضَه ويرفعه إلى أعلى الضوء.. سماؤُه مسقوفةٌ بالساعات وصرخته نيزكٌ يلهو بقبرٍ..
فحينها...حينها حتماً ستشغف الروح بالشعر، كما يشغف تائهٌ في الصحراء بلمع سراب...
( لمعُ سراب ) المجموعة الشعرية الخامسة للشاعر السوري عابد إسماعيل. مونولوجٌ وجداني يتوزع على 82 صوت هي قصائد قصيرة تتأمل عميقاً جداً في الذات الإنسانية، تحاور  وتحتفي بكل ما حولها من عناصر الكون والحياة.
يقدم الشاعر لديوانه بعبارات مختارة تذهب في جوهر دلالاتها إلى توصيف السراب الذي يلمع أمامه. فهي تشير إلى ( لاشيء يُسمى ) لدى أدونيس.. إلى ( التيه ) لدى أبو تمام الطائي وإلى ( الجمال البعيد ) لدى وديع سعادة.
الشاعر عابد إسماعيل الذي قال مرةً: ( الشعر جائزة الخاسر. سلوى النائم بلا حلم..) ، يرى هنا في السراب جمالاً..كمالاً في التيه و تحرراً من قيود الاسم والحقيقة، طالما أن الشعر هو العين التي يتوهج فيها لمعُ  هذا السراب.

لي صوتٌ يشقُ الماءَ بعصا الغفلةِ
و موعدٌ يوقظُ النهارَ على كفّ غريقٍ
لا مرئيٌ أنا مثل ريحٍ تهبّ
أو سماءٍ تسقطُ في الكأسِ
صداي يدلّ عليّ

أنفاسلقطات من السيرة الذاتية لسيغريد أوندست (1882_1949)
سيغريد أوندست، كاتبة نرويجية حصلت على جائزة نوبل في الآداب عام 1928 ، واشتهرت بكتاباتها حول نمط الحياة في الدول الإسكندنافية خلال العصور الوسطى. كانت بداية انطلاقتها في كتابة الرواية  تتركز حول الموضوعات المعاصرة وبالتحديد حول مشاكل النساء اللواتي  يعشن في المدن. أغلب بطلات رواياتها يواجهن عواقب مأساوية حين يكن غير مخلصات لحقيقة ذاتهن الداخلية أو التحدي المثالي للأدوار التقليدية لكلا الجنسين.
روايات سيغريد التاريخية كانت ترتكز على محور أساسي وهو الحياة الجنسية والمشاكل النفسية المشتركة لكلا الجنسين، وبطبيعة الحال تتبادر اعتراضات إلى الأذهان في هذا الصدد  عن هذه الكاتبة التي كانت كتاباتها أكبر من كلامها وتكره تحديدا أن تتحدث عن نفسها.
ولدت (سيغريد أوندست ) في مدينة ( كالوندبورغ ) في الدانمارك، وهي ابنة (انجفالد) عالم الآثار،و أمها (أنا شارلوط) ابنة محامي دانماركي. تأثرت (أوندست) بوالدها فأصبحت لديها نظرة ثاقبة فيما يتعلق بالقصائد القصصية و المثيولوجيا وأساطير تاريخ العصر الوسيط في الدول الإسكندنافية. وأخذت من أمها نظرة واقعية للحياة بصفة عامة، لكنها لم تشارك قط أمها في مواقفها الإنتقادية تجاه الدين. انتقل والداها إلى (كريستيانيا) التي سميت فيما بعد أوسلو وأصبحت العاصمة النرويجية ، وكانت أنذاك تبلغ سنتين من...

أنفاسماذا تريد من قصتك القصيرة أيها القاص المغربي ؟
سؤال سعينا من خلال طرحه على أقلية هائلة من القصاصين المغاربة ، إلى القبض على الهدف من كتابة هذه الكبسولة القصصية ، وتقريب القارئ من مائها
محمد منير
المساهمة في بناء العالم من حولنا...:
لماذا نكتب أصلا ؟
هذا السّؤال المطبّ يكشف عن أغوار من يعاني حالة الكتابة و يكابد معاناتها و عذاباتها كي يعانق الانعتاق و لا يسقط في العتمة و التهميش ، بذلك تصبح الكتابة فعلا مؤسسا / فاعلا في النهوض بنا و إخراجنا من التخبط في اللاشيء و المساهمة في بناء العالم من حولنا...
كيف نكتب ؟
هو السّؤال الحارق الثّاني ؟
شعر ؟ نثرا ؟ أم الاثنان ّ؟
نأتي للسؤال الذي انبثق عنه هذا الحوار: لماذا أكتب القصّة ؟
و لمَ لا أكتبها ؟ ربّما هي مرحلة ما قبل الرّواية...
لا تنس أنني أرسم بالرّيشة و بالكلمة، تنبثق كتاباتي من رحم الألوان.
لعلّ القصّة القصيرة ، تحضير للمرحلة الحاسمة ، الرواية و بذلك تكون المساحة أكبر للتعامل مع
قضايا الإنسان و متحدّياته ، لعله الشعر ضاق بي أو ضقت به ، فخرجنا معا للبحث على مجال أرحب ، يستوعب لحظة نهوضنا معا ، نحضن اللغة و نصنع الحلم......

أنفاسحيدر حيدر،‏ أديب من فصيلة النسور.‏
ميزته ميزتان: حياته، وأدبه.‏

كلاهما كتابٌ يقرأ المرء في ضفتيه حياة رجل، وحياة أدب. حياة رجل أحبّ الصعب فتبعه، فكان مثالاً لكائن دمه رحيل وانتظار ومعنى، وروحه توقٌ للنائيات العواصي. وهجسه إدارة الظهر لنداءات الحياة الرخية. آخى الليل لقناعته أن الضوء خدين المساهرة، وعايش المنكوبين الحزانى الباحثين عن (إثياكاهم) فمشى في دوربهم الوعرة، وقاسمهم الغربة والمنفى والهجر لإيمانه الجوهري بعدالة قضيتهم، لم يكن شبيهاً بـ همنغواي أو لوركا، أو رامبو.. كان شبيهاً بـ حيدر حيدر تفرداً، وامتيازاً، وعزلة. رضي بالقليل من أجل المبادئ الكبيرة، وجار على نفسه ورغائبه وهو شاب في أول شروقه استجابةً لنفس جبارة رأت في ترف الحياة ورغدها زبداً أو دبقاً ليس إلا! وهو الذي عايش كبار أدباء سورية وهو منهم، فإن بحثت عن الريادة ستجده في مربعها الذهبي، وإن بحثت عن الأصالة ستجده أحد صانعيها، وإن دخلت مدونة الثقافة ستجده أحد شيوخها.. فُتحت أمامه أبوابٌ وساحات، وفُرغت لـه المطارحُ، والأمكنة الوسيعة المريحة، فنحاها.. لكي يذهب إلى الخنادق، والقواعد الفدائية.. ترك الموائد كي يقاسم الحزانى المنكوبين طعامهم في علب السردين والتون، والتي حالما تفرغ (كم كانت تفرغ سريعاً!).. تصير أكواباً للشاي الساخن الذي تعلوه طيوف الزيت، كما قاسمهم لباس (الفوتيك) الأخضر معنىً في...

أنفاس لقد اقترن الشعر الحديث بضياع الإنسان في عصر الآلة، ومن ثم سعى الشعراء الحداثيين إلى خلق حساسية جديدة، وتصور جديد للواقع الذي أصبحوا محكومين به. ومن هذا المنطلق دعوا إلى النقمة على العصر الذي يسير نحو تدمير كينونة الإنسان ووجوده، والتصدي لكل ما من شأنه أن يهدد طمأنينة النفس والوجدان. ولهذا طغى الحس النقدي الساخر من العالم، والدعوة إلى انتهاك أعراف الإذعان المألوفة.
وقد شكلت المدينة باعتبارها ثمرة التطور الذي قاد إليه النظام الرأسمالي بقيادة البورجوازية الوطنية في أوربا إلى ظهور حساسية جديدة لدى الشعراء الطليعيين الذين وجدوا أنفسهم سجناء فضاءاتها الواسعة، وغير طلقاء بين واجهاتها الخادعة؛ ولذلك راحوا يبحثون عن مظاهر الزيف فيها حتى وصلوا إلى تبني مواقف معادية لها باعتبارها سالبة للحرية المطلقة التي كان ينشدها الشاعر.
أما على المستوى العربي، فقد اتخذ موضوع المدينة في المتن الشعري لشعراء الحداثة اتجاهين اثنين:
الأول: كان أصحابه قد وقعوا تحت تأثير شعراء أوربا، وأعادوا نفس تصورهم لمدنهم، مع فارق جوهري لم يدخلوه في حسبانهم، وهو الفرق الشاسع بين المدينة كإنجاز حضاري صناعي تجاري مالي واجتماعي في أوربا، وبين وضع المدينة كحشد سكاني ممسوخ ليس إلا في الواقع العربي.
الثاني: كان أصحابه منساقين لإيديولوجيا رافضة لفضاء المدينة كسالب للحرية، وكعائق...

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية