بالشعرِ نبني جسورَ التواصلِ - حمد محمود الدُّوخي
يجب الانتباه والتدقيق في قراءة مثل هذا الجهد الفاعل في تدشين الأواصر الثقافية بين بيئتين ثقافيتين عرفتا بأصالة وعمق نتاجهما الفكري والثقافي، النابع من العمق الحضاري للثقافتين.فالكلُّ يعي ثقل وزن الأدب العربي والأدب الروماني، ففي الأدب الروماني بدأت أولى صرخات المسرح العالمي منذ حركات الأبطال والكهنة في صلاتهم المكتومة بحضن الآلهة، ومن ذلك إلى صور الفروسية والعشق المحموم في قصائد العشاق والفرسان العرب.
أقولُ يجب الانتباه لأنَّ المهمَّةَ القرائية هنا لا تقل أبداً عن عملية كتابة النصوص، لأنها _ أي عملية القراءة _ إعادة خلق وتخيُّلٍ مستمرٍ للنصوص ، إذ لا بدَّ من المحافظة على المسافة المهمة واللازمة التي تتمركز بين لغة الأدبين وأعني بهذه المسافة : الفجوة التي تنحدر منها حركة التأويل، أي لا بد من قراءة تضع مدى مفتوحاً أمام المقروء لكي تفترض له حركة في كل لغة على جهة ومن المسافة التي أَشَرْنا لها والتي تتمركز في هذا الـ(بين) تنحدر حركة المعنى والدلالة التي يدير دفتها التأويل.
وها هو الأديب والمترجم المبدع (منير مزيد) يضعنا أمام كوكبة مختارة بتدقيق القارئ / الشاعر ، الذي يجيد القراءة في المنطقتين الأدبيتين لذا فليس من المستغرب أن نجد شعراء جهده الأنطولوجي هذا كلهم من الصُنَّاع المهرة وذلك وفق ما يُجبرنا النص من خلال البيئة...
لم أقرأ رائعة الطيِّب صالح موسم الهجرة إلى الشمال إلاَّ مؤخَّرا قبلَ عدةِ شهور وكم عاتبتُ نفسي لذلكَ.. منذ سنينٍ وأنا أتلهَّفُ لقراءتها ولم أفعلْ رغم ما كنت أسمعُ عنها من أهميَّةٍ أدبيةٍ رفيعة منذ سنواتٍ عديدة وأنها تضيفُ لقارئها الكثير.. حتى أنها اختيرتْ عام 2002 ضمن أهمِّ مائة رواية عالمية وقد اشترك مئةُ ناقد وكاتب عالمي من أكثر من 50 دولة لتقييمِ الأعمال المختارة.
-I تمهيد:
ترتبط مشكلة الدلالة في النص الشعري بقضية الكشف عن طبيعة اللغة الشعرية التي تتجاوز الاستعمال النفعي للغة العادية، وتختلف عن قواعد توليد المعنى التي تخضع لها الأجناس الأدبية الأخرى؛ذلك أن لغة الشعر لا تلجأ إلى الخلط المباشر بين الإشارة والدلالة، بل تسعى لخلق توتر في علاقة الإشارة بما تعنيه من دلالات لغوية مألوفة.
إن اعتماد معيار الصورة في مقاربة هذه الرواية، أملته عوامل موضوعية، أهمها كون التفكير بالصورة متسم بالكلية والشمولية والامتداد.وهذا يتيح فرصا أرحب للتغلغل في خبايا النص ، ويجعل القراءة اختراقا فعليا لأغوار المتن الروائي مهما استعصت، لأنها قراءة تقوم على سؤالين دقيقين : سؤال الماهية وسؤال الوظيفة .على أن المسافة بين الماهية و الوظيفة جمالية بالضرورة، تنطلق من مساءلة مكونات النص ورصد خصائصها، وصولا إلى تحديد وظائفها ضمن نسيج السياق النصي، حيث تكتسب صورتها الجمالية.
لكلٍ منا حاسةٌ تقرأُ في ما وراء النص أو ترى المعنى في اللا معنى أو الحسيّ في المجرّد أوالعكس ! ربما نسميها الذوق أو مقياس الجمال . ولكنها نسبية على أية حال . ننفذ بواسطتها إلى الحس الخفي والى مواطن عميقة داخل الموروث الأدبي والفني . أو داخل الرؤيا الانسانية الداعية الى مثل عليا ، المتمثلة بجمالية لها علمها ولها مدارسها ونظرياتها التي تدرس في المعاهد والجامعات في الشرق والغرب نفهم من خلالها أعمال عظيمة ونستوعبها ونحلل في ضوئها الياذه هوميروس . وإنياذة فرجيل وفردوس ملتون ،وكوميديا دانتي ، وروائع شكسبير وكيشوت سرفانتس المدهش تحليلاً ذاتياً يدخل الروعة والإعجاب الى نفوسنا ويمدنا بشوق جارف الى المعرفة واكتشاف سر الحياة فينا .
النقد القائم على العلاقات الشخصية حك لي حتى احك لك, امدحني حتى أمدحك خيانة للنقد وتدمير لحياتنا الأدبية, ما من نص كامل وما من أديب كامل والمهمة الحقيقية للنقد هي كشف السلبيات والعيوب, بالإضافة إلى تمجيد الاصالة والإبداع.
"من فم الشاعر تولد اللغة
أيها الراكض خلف سرحان الذي أضاع فارسه يوم سيج الدخلاء الوطن المسبي، أيها المتوحد بالأرض المباركة عبر تماهيك في جذور أشجار التين والزيتون..
لفتت انتباهي جملة في مراجعة لديوان شاعر عربي من فلسطين 48 ، كتبها الدكتور بطرس دله في نقد نشر على موقع "صوت العروبة "، يقول فيها : " يدعي الكثيرون أنهم وحدهم يعرفون ما هو شعر الحداثة؛ وكنا أنا ومجموعة من أصدقاء مدرسة "يني" الثانوية قد عقدنا مهرجاناً كبيراً حول شعر الحداثة" ، وكان قد قال في جملة سابقة واصفا الديوان : " ففيه خروج عن المألوف وتطور للأفضل فيما يسمّى باسم شعر الحداثة modernism. ".
عن دار كنعان الدمشقية صدرت مؤخراً رواية "هوركي أرض آشور" للشاعر والروائي العراقي البصري صبري هاشم. وللكاتب صدرت مجموعة مؤلفات متميّزة في الشعر والقصة والرواية التي يصلح بعضها ومنها هذه الرواية لعمل سينمائي درامي إذا ما كان للمخرج فلسفة فنية قادرة على نقل المشهد السردي للأحداث بجزئياته في حاضر المكان الذي مازال قائماً، يتوهج في عمق الزمان ومفاصله. زمن شاءت الأيديولوجيا أن يكون مليئاً بأحداث ستبقى عالقة بالأذهان، ولا يزال يسجل من جديد ما لا يتقبله العقل وكأن الذاكرة أغفلت ما حدث بالأمس وإلى الأبد.