مَطَبُّ الفضيلة ! – نص : سامي العامري
ليس عندي ما أخفيهِما أنا إلاّ فضيحةٌ مُتوارثةٌ
ولن تنفع حوّاءَ أو آدم ورقةُ توتٍ
حتى ولا غابةُ توت !
---------
كان مستغرقاً في الإصغاء لموسيقىً شرقية تراثية يتصادح فيها العود والطبلة عندما دخل شقته المُطلِّةَ على نهر دجلة الذابل الآمل ! صديقُهُ القديم الذي يسكن معه منذ إسبوع بعد أن قام بزيارة لبغداد مدينتهِ لأول مرة منذ ما يقرب من ثلاثة عقودٍ قادماً من منفاه البارد , واليوم يدخل شقة صديقه راجعاً من زحام بغداد وحزن شوارعها وهو يتأفف ثم جلس قبالته وفيما كان صديقُهُ الموظف العاطل منذ شهور يسكب من زجاجة العَرَق القوي على مهلٍ في كأسه وكان الوقت مساءً , سمع صاحبَهُ النحَّاتَ يقول : حقيقة أعجبُ من لامبالاتك وقدرتك على الإحتمال فها أنت سادرٌ في نعناعياتك وتتفاوحُ كحديقة !
كان جالسا على أحد المقاعد الأماميّة للحافلة. لقد لاحظ وجودها على متنها.جلس قُبالتَها حتى لا يُفوّتَ على نفسه متعة النّظر لوجهها الصّبوح.كان يتأمّلها و يُفكّر. كانت تَنظرُ عبر النّافدة لكنّها لا ترى شيئا.كان يُفكّر في طريقة ما ليُكلّمها.
الصورة على حالها لم تتغير. الشارع مليء بالحركة و الحياة . يلف صياح الصبية المكان فرحا بالبرودة والندى بينما الشمس كانت حينها قد غرقت وراء العمارات المتراصة . كنت أرى خيوط الليل المتسلل تتدافع في كل الاتجاهات تبحث عن ركن تتربص منتظرة الهجمة الكبرى للسواد . كانت كل المساحة في حركة لذيذة .كان الناس يركضون إسفلت الطريق، كانوا يسرعون بعد تعب النهار إلى البيوت المعلقة . ضلت العمارات تبتلع سكانها كأنها لا تشبع أو عطشى لا يرويها البشر.
زعقوا والشمسُ تُفتتُ بقايا غيومٍ سابحة:يا أهالي بلوك (r) أسعد الله صباحَكم!
ارتمى على وجهه كأن عفريتا رفعه الى الأعلى ، ولوح به فوق الفراش .
تبدأ القصة و طائر ارجواني غريب يحلق على الساحل الصخري و تنفض الموجة زبدها على الصخور الاصطناعية التي تحمي الساحل من الالتهام و التبدد .تبدأ القصة و هو يقرران ينهي الحياة بصوت الارتطام الذي بلغ سمعه قبل أن يحدث.
يقذف قلبي أرقام المسائل، أحس بهدوء صوتي الذي يملأ غرفة الفصل، ويخاصم الانتباه عقلي، أتأمل وجوه الطالبات، تلمع عيونهن بالحيرة، وترسل براءة الوجوه أسئلة صامتة: لماذا تغيرتي يا أستاذة شمس؟ أين كلمات التودد؟ أين ابتسامتك الناصعة؟
المرأة التي كانت جالسة قبالتي...لم تكن أمي!! كانت أي امرأة أخرى إلا أمي. بل حتى لم تكن تشبهها في شيء. ترى ما الذي جعلني أتخيل, ولو لجزء من الثانية, أنها أمي؟ أكنت أبحث عن وجه أمي في أي شيء؟ في أي وجه؟!
في مدينة الخليل، ليس بعيدا عن الحرم الإبراهيمي.. بينما كان عبد الرحيم الفلاح الشاب البسيط واقفا
قرب نافذة غرفة المعيشة،المطلة على حديقة منزله الموروث عن أبيه.. يحاول بأنف متأهب استنشاق أكبر قدر ممكن من رائحة ورود القرنفل الفائحة بإغراء شهي، وقد كانت تتدفق بعذوبة باذخة عبر النافذة المفتوحة على آخرها كفم إنسان يتثاءب في كسل هادئ وديع.. مدّ عبد الرحيم رقبته كما الإوزة، وأخرج رأسه بكاملها ودلاها إلى أسفل تحت شمس ساخطة كانت تنظر إليه بغضب جامح، وتحط أشعتها بعصبية على شعر ناعم ناصع السواد وقصير،
وبقسوة أخذت تنقر أذنيه وصفعت قفاه الرفيع الخمري. ثم بدأ بشغف يقرب أرنبة أنفه العريض من ورود تحملها فروع تطاولت أغصانها بإسهاب، ليشم بنهم أكبر عبيرها الغزير المنساب في سطوع يدغدغ الخياشيم.. مستحوذا على معظم الرائحة، باذلا أقصى جهده لئلا يفلت شذاها ويبتعد عن طاقتي أنفه الواسعتين.. وترك جسده مقوسا في الداخل.
للماضي نفحات رخوة تتجمع في ليالي التأمل، فتبدو كجراح مستعذبة، أو
كسهام من ورود تدوس القلب فتنعش روحه إنعاش النسيم للزهور الأقحوانية البيضاء.