الضحية ـ قصة : أيت حسو مبارك السعداني
صكت خالتي وجهها بحدة ،وصاحت بصوت جاف خرج من بين أسنانها:
ـ بنت الحرام!!
خالتي وأمي منزويتان في غرفة "بالدويرية" بعيدا عن أنظار المدعوات،الأولى مطرقة ودموعها على خديها بينما رفعت الثانية من صوت جهاز التلفازمخافة أن يسمع كلامهما.ظهر على الشاشة مذيع نشرة منتصف الليل وقد ارتسمت على وجهه المستطيل ابتسامة لامعنى لها:
ـ مازالت قوة التحالف تدك بغداد بأنواع مختلفة من القنابل والصواريخ تأتيها من كل الجهات...
رفعت العريفة العجوزصوتها الأجش ،وعيناها الضيقتان على الباب محاذرة أن يتسرب شيء من كلامها إلى الخارج:
ـ الرجل حاول كثيرا... لكنه لم يجد شيئا!!
تعودت كلما سنحت الفرصة لزيارة تاونات احتساء قهوتي الصباحية بإحدى المقاهي المعروفة وسط المدينة الصغيرة , والسفر بمخيلتي نحو الكائنات البشرية والأشياء الأخرى التي تؤثث المكان المحيط لعلي أجد ما يلفت الانتباه , ويكسر بالتالي الخط المستقيم لنمط عيش معتاد . ظننت أن هذا الصباح لن يكون سوى كغيره مما ألفت وتعودت, لكن ظني وتوقعي لم يصب , فما استرعى انتباهي وجعل هذا المقطع من اليوم استثنائيا بعض الشيء هي تلك الموسيقى المنبعثة من مكبرات صوت منظمة في الساحة العمومية أمام مقر البلدية . رحت أتساءل مع نفسي عن سبب القذف بكل هذه الأناشيد الوطنية على مسامع المارة والجالسين , وبما أنني أنتمي إلى تلك الفئة التي تحسن القراءة, فلم أجهد نفسي بالتفكير كثيرا, جل ما فعلته أني رفعت عيني وقرأت على اللافتة المعلقة هناك أن الحزب المغربي الليبرالي سينظم مهرجانا خطابيا تحت شعار *عيوننا على التغيير * .
ينزل الدرجات ببطء. باليد اليمنى الحذاء الذي اشتراه للتو و باليسرى يتحسس الجدار البارد للممر الضيق المؤدي مباشرة إلى القبو الذي يكتريه منذ أسابيع بمونتمارت. باريس مدينة الفن و الإلهام. يشعر ببرودة الأرض تحت قدميه الحافيتين. يبتسم و هو يتذكر النظرة في عيني جارته ترقبه باستغراب يقطع المسافة التي تفصل باب البيت الآيل للسقوط عن الجحر الذي يسكنه.
في غمرة الغضب رمى سلة الأسماك بعيدا، تمازجت السمكات الصغيرة برمل الشاطئ، اتسعت حدقات عينيه و تحولت إلى جمرات متقدة، نظرات أشبه ما تكون بقذائف من اللهب، تسارعت دقات القلب و اتسعت فتحات الأنف المفلطح ، امتد البحر أمامه جحيما أزرقا ، بحرا من الدم و المخاط، لم يعد يسمع سوى هدير الموج الصاخب يدندن في أذنيه الحمراوتين...
على سطح المقهى تطفو الكثير من التضاربات، الشعور بالأسر رغم الحرية، وبالنقص رغم الامتلاك، وبالضيق رغم السماء..
...التقت عينانا، فلم أقو على رفع عيني الى عينيها ثانية، فجعلت أتسلى بمداعبة ولاعتي حينا، و برشف القهوة حينا آخر، و لم أسطع البقاء على تلك الحال طويلا....ضايقني المر كثيرا حتى خلت نفسي في زنزانة انفرادية...كانت هي الأخرى لمحة من حين لآخر كما كانت تخشى أن تتعانق عينانا، وتتسلى بمداعبة زجاجة المشروب الغازي....
تراوح الأزمان في مكانها كل حين... فجر!.. غروب!.. شرق!.. غرب!.. عوالم.. أكوان.. ونحن مَنْ نُغادر الأمكنة دائماً، ربما سأغادر زماناً ليس بزماني!.. او ربما سأغادر مكاناً ليس بمكاني!.. فأكتشف إشراقاً يُزيدني حضوراً وسحراً كي أزرع عطراً يجعلني سراً!.. يلوّن زهراً!.. يُشعل جمراً!.. ونرفع تلك الأكف التي نفتحها ونتأمل سيرة حياتنا فيها، لنزداد طُهراً وإيماناً وخيالاً، فما نحياه!.. إنما حلم استفاق وماجت به خيالاتنا، نداعبه ويداعبنا!.. نلامس فيه جزءًا من حقيقة حبّ نحياه بتفاصيل طفولية لا زالت فينا، وقصائدنا التي ستحيا دهراً!.. وربما دهوراً!.. ما هي إلاّ قرابين روحية نقدّمها لأنفسنا، لنكمل طريق الحياة بصفاء وإشراق وتأملات نرى بعضنا فيها عبر المسافات أطيافاً، والضوء يلملمنا بغنى روحي يجعلنا مُتصلين من خلال صميم حرف نجعله مضيئاً!.. نكتبه كمرآة عين مصقولة نرى فيها ذواتنا بقوة الايمان، إيمان حُبّ موجود فينا، فلا نكتفي بزمان ولا نتقيّد بمكان، فكيف نصغي يا حبيبي لأنفسنا؟.. ما لم نُمسك بحقيقة كونية مُركبة فينا؟.. وكيف لا نسمع لأصواتنا التي تنادينا رغماً عنا؟.. فجوهر كلمة أحبّك هي أنا!.. هي أنت!.. هي هؤلاء!.. هي نحن!.. هي كل نفس قرأت واستمعت، وشعرت بنبضها وبوجودها فينا.....
جائـزة
كنت أظن أن الأمر يتطلب قليلا من الصبر لكنني كنت مخطئا بشأن ذلك فانفجرت غضبا وشتمت( ال...) كيف لا أنفجر و أنا أرى الشرطي يتواطأ مع اللص لسرقة ما بحافظتي و عندما لم يجدا شيئا أشبعاني ضربا مبرحا و اتهماني بالخداع ، كيف لا أنفجر غضبا و أنا أرى معلم التلاميذ الصغار يسرق حقائبهم و يبيعها في سوق ( مريدي) و رصيف الحرامية، كيف لا أنفجر و أنا أرى أن القطط و الكلاب قد قاومت تغيير طباعها كل هذه العصور و لم ينجح كثير من الناس بالإحتفاظ بطبائعهم الآدمية ، أكان علي أن أتحلى بالصبر و أنا أرى البقال يضع أزبالا في كيسي بدلا من الفاكهة التي أشرت اليها و دفعت مالا لشرائها ، كيف لا أنفجر،و كلما مُدت يد لأشعال شمعة تضرب بعصىً غليضة تكسر عظم اليد و تطيح بالشمعة ، ماذا يجري ، كيف لا يغزوك الخوف و الغضب و أنت ترى وطنك مثل رجل فارع يمشي مترنحا وهو يغرزخناجره بجسده دون وجل مخلفا وراءه خيطا من الدم الأحمر القاني .

تابطت كتبي وانا اهم بالخروج من البيت للذهاب الى مكتبة المدينة العامة ، التي تم هدمها وتحويلها الى حديقة هادئة ، بعد الخمول الذي اصاب الكتاب اثر انتعاش الانترنيت الجميل والذي لايظاهي جمال الكتاب باي شكل من الاشكال ، الحديقة التي تقع في الجانب الاخر الشرقي من المدينة عندما قالت لي زوجتي ان اتريث قليلا وان لااتعجل الذهاب ، واصرت عليّ على عدم الذهاب لان هناك امرا عظيما سيحدث .