صمت ولعنات ـ قصة : سليم بوعزاتي
لم يكن ذلك المنزل الذي استأجرته من العجوز الإسبانية يصل لسقف تطلعاتي، حيث إن ثمنه البخس فقط هو الذي حثني على استئجاره، فقد كان منزلا غريب الأطوار، يرتعش له جسمي لمجرد النظر إليه، فقد كانت جدرانه سميكة شنيعة، ونوافذه الأمامية كانت تبدو أنها لم تفتح منذ عقود، فقد كانت درفاتها متسخة مُغَبَّرة تتقاطع عليها قضبان حديدية زيادة في الحرص، وكانت أرضية المنزل خشبية داكنة تقرقع على وقع خطى واطئيها مصدرة صوتا رهيبا، وأثاث المنزل كان إسبانيا باليا يوحي بالشؤم، وكان يكتنف المنزل ضوء خافت شاذ نسماته خانقة، فقد ترك المنزل الغريب في نفسي انطباعا كئيبا من أول نظرة ألقيتها عليه، غير أن لم يكن لي من خيار آخر، فقد كنت أمر بضائقة مالية جعلتني أسكن ذلك المنزل رغما عني..
دخل حجرة الدرس بعد صف التلاميذ الأخير، وبعد أن ألقى بهمومه جاهدا في سلة نسيان مؤقت مع آخر زفرة دخان، ثم افتعل ابتسامته المعهودة، ينفد وصية أساتذته في مركز التكوين، حيث كانوا يعتبرونها خير وسيلة لإشاعة الطمأنينة في نفوس الصغار، وفتح شهيتهم للتحصيل بكل هدوء وإصرار. ارتدى وزرته البيضاء قبل أن يعلن بداية حصة الإعراب، وتُعربَ تقاسيمُ الوجوه عن النفور، فيلجأ إلى تلطيف الأجواء بسؤال بسيط عن أنواع الضمائر، ثم يُتبعه بتصريف فعل الحضور، إذ أثبت الجميع حضورهم عدا سعاد المريضة و أحمد المسافر لحضور حفل زفاف قريب...
جلس قبالتها مدحوراً، تملى وجهها المستدير، شيء ما صاعق ومستفز في ملامح هذا الوجه، تقاسيمه مألوفة لديه أكثر من بقية كل الوجوه التي صادفها، يعرفها وتعرفه، بل إذا قُدر لها وله أن ينسيا كل الأسماء، فاسم وهيبة ومختار، تحديداً، يحرنان كحمارين تركب الذاكرة ظهريْهما.. ولأنها تعرف أنه يشتهي فمها كما هو مسطور في كتاب حبهما "ألف قبلة وقبلة وواحدة أخرى"، كانت تزم شفتيها بشهوة، تحركهما، كاشفة عن شنب، تبسم بمقاس، وبدون صوت كانت تتملاه هي الأخرى، عيناها تثرثران، لكن لا يُسمع صوتهما، عيناه هو صامتتان.. في وادٍ سحيق كان يتداعى كصخرة امرئ القيس، تحطه الذكريات ليبكي بين يدي وهيبة التي أحبته وأخلصت له، ثم شاء-لا القدر- أن ينفصلا..
" العناصر الرياضية واقعية لكنها غير موجودة..."
لم يكن أحد ليحفل بنهاية حياة تلك النبتة التي كانت لحدود اليومين الماضيين تبدو بحالة لا بأس بها تقريبا و هي في ذلك الأصيص المهمش في ذلك الركن القصي من البيت و الذي لم يكن ينتبه غالبا لوجوده احد.
كان القطار يسير ببطء شديد: فهو مخصص لنقل جنود وجرحى الحرب، كان جاكسون هو المسافر الوحيد المتبقي على متن ذلك القطار، المحطة القادمة بقي لها عشرون مترا، وبعدها يكون التوقف في كينكاردين والبحيرة، وعدا عن ذلك فقد كان جاكسون محظوظا؛ إذ تم حجز تذكرة له للسفر في القطار دون أن يتحمل أية تكاليف مادية.
لما ذهب لم يشأ أن يودعه،وتركه في مأمن من ذكرى زمن قد ولى ، تأكد له جليا أن الذي حاول أن يجعل بين الحياة وبهجتها شرخا، كان قد كذب فيما مضى، واستجاب اليوم لنداءات ترمي به في فضاء بلا نور ولا هواء .
اللوحة الأولى
لم تسعفني الكلمات عندما بدأت أكتب أول سطر في الحب، لم تكن موزونة كأبيات الشعراء، ولم تكن منمقة وسلسة كجمل الأدباء، لم يكن السجع من بينها ولا المجاز ولا الاستعارة، كانت حروفا متناثرة هنا وهناك، تبحت لها عن خيط ناظم ومستقر تأوي إليه وهي تكتشف خبايا الحب الذي اخترق فؤادي مع سبق الإصرار والترصد. راسلتها في زمن لم يعد فيه للقلم شأن كبير، أملا أن تحدث عباراتي الصادقة أثرا في نفسها. كتبت تخبرني عن أحلامها وطموحها فتطابقت رؤانا وتوحدت عواملنا.
لا أعلم هل ضاقت مريم، أم ضاقت علي كلماتها، حتى أصرخ في وجهها بتلك الطريقة اللابأس في وقاحتها ككلب.. في داخلي حمم تستولي على الكلمات، لم أعد قادرا على وصف ما جرى ..في شفتي قبل تعوي حنينا إلى شفتيها .. فخذيها أي شيء فيها ..المسافة التي تفصلني الآن عن استعادتها مليئة بالأغصان المحروقة..تمر أوقات وأنا قلق لسبب أجهله. وحدتي هي حريتي الخام التي لا أستطيع أن أحميها من ذكريات كثيرة ..الآن وقد فَكت سراحها من صباحات عديدة كان الشجار معي عنوانها، شجارات كانت لتتجنبها لو لم تَنسحب في صمت كما فعلت ...شجارات كثيرة لا أنا عرفت كيف أتخلص منها، ولا هي كَفَّت عن مضايقتي، ..كم كانت تقتلني عندما تجعل من الصمت لواءها، وهي تشاهد ذئاب المسلسلات اليومية في لامبالاة ..حتى القبل التي تَعودنا على وضوح طرطقتها، قبل أن يضيع أثر الكلمات التي كنا بها نهتدي، سقطت بيننا كزر مهمل، لا أتأسف على ما فات، فأنا لم أضَيع مريم ما دُمت لم أحصل عليها..
كان يمشي حيناً على الرصيف وحيناً على الإسفلت بخطواته المعتادة المتأنّية، كان المساء خريفيا، بعد يوم عمل عامر لم يخل من همّ وكرب. أخرج من جيب معطفه الخارجي علبة السجائر، أشعل سيجارته المسائية وهو يمشي في الشارع، أعاد العلبة إلى مكانها. كان فكره شارداً، لا يدري طبيعة إحساس وقلق انتابه. فجأة تذكّر شيئاً، تحسّس جيوب معطفه الداخلية، وجد حافظته كعادتها في الجيب الأيسر وفي الجيب الأيمن لمست أنامله ورقة صغيرة. أخرجها نظر إليها برهة، فكّ ثناياها، فوقعت عيناه على جملة صغيرة كانت تركتها كاتبة الشركة هذا الصباح على مكتبه. وقتها وضع الورقة في جيبه الأيمن ولم يقرأها. فغالباً ما ينزعج من هذه الوريقات اليتيمات التي توضع على مكتبه. فالوقت لم يسعفه هذا الصباح، فقد كان اليوم متعباً ومليئاً بالشغل واللقاءات.