خطبة الموريسكي الأخيرة ـ قصة : عبد الباسط مرداس
"يُمنح الموريسكيون ثلاثة أعوام لتعلّم اللّغة القشتالية، ثم لا يسمح بعد ذلك لأحد أن يتكلّم أو يكتب أو يقرأ العربية أو يتخاطب بها، سواء بصفة عامة أو بصفة خاصة، وكلّ معاملات أو عقود تجري بالعربية تكون باطلة ولا يعتدّ بها لدى القضاء أو غيره."
من قانون الملك فيليب 2 ضدّ الموريسكيين.
في حيّ البائسين في غرناطة قرب ربوة المدينة، كانوا يحملون هويّتين.
كان الموريسكي في المظهر مسيحيّاً اسمه فرناندو، وفي السرّ مسلماً يدعى محمد. وشم اسمه السرّي على بطن ذراعه الأيمن ثم ذرّ عليه دخان الشحم كي لا ينسى هويّته الأولى. وكان قد استعدّ لهذا اليوم كما يستعدّ كلّ محارب. لبس بذلته الخضراء سوّى عمامته ووشّح عنقه بما تبقّى من القلادة الحمراء، وجمع كتبه وأدّى صلاة الخوف. أخفى الوشم بخرقة بالية، تحسّس مفتاحه في جيبه، وردّد القسم أنّه سيبقى وفيّاً لدينه ولغته، وسار وجهة حارة البائسين. وكانت القافلة قابعة في حارة البؤس والأنين في لقاء مع الوداع الحزين. وقف الموريسكي غير بعيد، نظر إليهم وقد غيّمت على وجهه آثار الذعر وأمارات القلق، كان يتنقّل في الطرقات وهو يرنو إلى هضبة الحمراء المنعزلة وأشجار الزيتون المنتشرة وإلى الجمع الغفير. هنا قعد بعض أهالي المدينة يستعدّون مغادرة المكان ووداع الزمان. انسلّ إلى درج غير بعيد ليعلو الجميع ناطقاً خطبته الأخيرة قبل الاختفاء، يلقيها على قلوبهم ترياقاً للهموم ورقية...
أخي مصطفى:
يلتحم الوهج بإشراقة الصباح الشبقي. .. تتسارع خفقات جنونها ،وأنفاس عبقها وهي واقفة أمام العتبة، تنتعش بألق اللقاء الذي تنتظره لسنوات...تشابك نظرات الأهل مع خيوط أشعة الشمس يحومها الاحتواء..أمام دهشة العيون الجاحظة في انتظار قدوم الزوج الغائب لعقد من الزمن...
ما زالت كلماتك و نحن نقف أمام مدرج الطائرة تتردد في مسامعي " الواقع هو ما عشناه، و الحلم ما لم نبلغه بعد".
عندما شرع الطرقُ؛، تقطع الصمتُ ..
'' لن تتحقّق السعادة إلاّ إذا حقّق الإنسان حريّته الباطنيّة''
لم تكن كعادتها تتصفح الكتب وتبحث عن ملخص لها أو ملاحظات حول أفكارها في أوراقي المبعثرة هنا وهناك. أحيانا كثيرة كانت تسألني بإلحاح عن كل أمر يثير فضولها أو تناقض بدا لها بين ثنايا الحروف أو فكرة قرأتها ولم تقتنع بها. تارة تجادلني في أمور الثقافة والفكر، وتارة أخرى تناقشني في الدين والسياسة وأشياء عديدة.
هكذا قُطِعَ حَبْلِي السُرِّي بعد أشهر احتجاجات قضيتها وأنا أرفس أحشاء والدتي كي تعجل بي لهذا الوجود ، وكي أُبرهن للجمع بأني ولدت على قيد الحياة كان لزاما علي أن أطلق صرختي الأولى معلنا البداية ، في دروب الدوار نهلت أولى دروس الحياة ، وهناك أسقطت أوَّلَ سِن الحمار ورميته اتجاه الشمس طالبا منها أن تبدلني إياه بسن الغزال ، فعلت ذاك دون توقف وفي النهاية حصلت على أسنان مبعثرة في كل الاتجاهات لأعلن كفري بتلك التعويذة بعد فوات الأوان ، في الدوار استنشقت أولى نسمات الكيف المدرَّح الذي كان ينفثه على وجهي شخص مْبْلي يقصدنه جل النساء حاملات أطفالهن في طابور طلبا للعلاج ، رغم كوني على علم بأن بخاخ الكيف قد قتل جل خلايا دماغي في سن الصبا إلا أني مدين له بتركي على قيد الحياة ، فليرقد جسدك يا حكيم القرية في أمان و ليرحمك الإله .
كان مسعود مولعا بالبحث في الاستعارات البعيدة المراوغة ،أو باالأحرى تحويل الحياة إلى استعارة لا ينضب لها معين. وهو يطوق قطعة اللحم المشوية بالشوكة والسكين ؛ألقى على وجهي إبنه وزوجته نظرة سريعة قبل الاستغراق في تأملاته ؛فوقع بصره على اللوحة المعلقة فوق الجدار المقابل له فوق مزهرية الخشب مباشرة.تنهد في دهشة قائلا: