لهذا المساء رائحة الأمس – نص : محمد بقوح
1- هذا الزمن المغربي الجريح ، كتاب مفتوح على المزيد ، من صرخات حجارة الصٌبار الجليل .ترى من يسقي شجرة الملح ، في أزقة مدن الضياع ، سوى أهازيج صقور ، هي الآن ماضية في وضع اللمسات الأخيرة ، لشكل اللعبة و لون الخريطة المصدرة ..؟
عنقود حروفها العقيمة هي .. يبست ، و كلماته الحمراء هو .. المسافرة ، على متن صهوة بحرنا الغاضب ، لن يرعبها رصاص المرايا ..
هو .. زمن حالم ، و يئن تحت أقدام الأمكنة ..، أمكنة باتت تخدم سلطان رياح شمال ، تتشكل فصوله القديمة ، و ما بين سطوره العميقة ، من حرارة الغموض البليغ ، و القادم من هندسة البارحة ، زمن عاد يصول خاطبا ، و نزيفُ عين الأسئلة الفياضة ، هو سيد المواقف الحالية .. فطوبى لزمن رديء ، تُرك وحيداً على جسر من قصب ..
لعلها تقلبات طقس السياسة الجوفاء ، و في ساحات الشوارع المعطلة ، عادت صقور الأمس ، تلعب معنا ، نحن الحجارة الحارقة ، لعبة محارات الغميضاء ، و بداخل الغرف المثقوبة ، و المعلقة من أنوفها العليلة ، علينا تطل أحزان أشباه الرجال ، في عالم صغير ليست له رائحة ..
على الهاتف، هذا الصباح، كنت كعادتك عابثا.. مم تهرب؟
نفض أيوب عن قميصه غبار طباشير من النوع الرديء ، لعن في صمت ذلك الشخص الذي نصحه ذات يوم بطرق أبواب هذه الوظيفة البئيسة
جلست أمام التلفاز ورحت أفتش في القنوات الفضائيّة عمّا يؤنس وحدتي ويُذهب عـني الضجر... كانت قناة الأفلام تعرض فيلما تافها لا يسرد قصّة واقعيّة ، ولا يقدم أي قيمة ، وإنما تدور أحداثه حول عـشيقين طائشين... وكذا قنوات الأغاني ، وما أدراك ما الأغاني ؟!! فها هي تقدم تارة أغنية عن المتحابين وطورا أغنية عن خيانة المتحابين ، فلا ترسي السامع على برّ بل تتركه في حيرة !!! أمّا قناة المنوعات فكانت تقدم ندوة بين مجموعة من رجال المجتمع لمناقشة " الحب "، وما ينتج عـنه من أنواع زواجات منتشرة بين الشباب "... فأقفلت عـندها التلفاز وقد ازداد ضجري لما رأيت . وفررت إلى الشرفة أرقب السماء ببدرها المشع ونجومها الثاقبة ...
جلس المعلم عبد الرحمن على الكرسي المقابل لمكتبه... وضع يده عليه ، بدأ ينقر بأصابعه حركات تتناوب فيها السبابة مع أخواتها بشكل أحدث إيقاعا نغميا... أثارت حركاته انتباه التلاميذ الصغار... لم يكن يهتم لرد فعل أحد خاصة هؤلاء الصغار... بعد أربعين سنة من العمل المضني... بعد الجهاد والكفاح... خلال أربعة عقود بالتمام والكمال كان فيها معلما ومربيا وأبا و... و... سندا لهؤلاء الصبية الأبرياء ، كم علـٌم ودرٌس وربـٌى... من أبناء هذا الوطن الحبيب . كان يحفظ أسماءهم واحدا بعد الواحد... ويحفظ عن ظهر قلب هذه المؤسسة العتيدة ، بقاعاتها وساحتها... بجدرانها وأبوابها... أما قاعته هو فكان يختزن في ذاكرته خريطتها ، كل صغيرة وكبيرة ، كل أداة ؛ واحدة واحدة ، يستطيع وهو مغمض العينين ، أن يسرد ما على كل طاولة من أشكال وحروف وألوان ورسوم... مما دبجه التلاميذ على مر السنين... في الصباح الباكر ، وقبل الموعد المحدد ، يدخل القاعة ، يبلل الممسحة الإسفنجية بماء معدني ، يمسح السبورة بشكل متقن ، يمرر ممسحته الأليفة على المكتب ، يلامس سطحه بأصابعه متأكدا من نظافته... يقف أمام النافذة ، يتأمل الفضاء المحيط بالمدرسة من الطابق العلوي ، يسقي الأزهار الصغيرة التي دأب على رعايتها منذ سنوات ، عادة استحالت إلى سنة... اعتبرها أمرا لا يقبل الجدال...
لعل الدروب ، التي لا تقود روادها الوافدين ، إلى معانقة موج البحر ، قسرا تطاردهم لامحالة رصاصاتها الظمأى ، حتى آخر زاوية مهملة ، في زنزانة الحرفِ ، حيث يعتقل الحلم ، و بمكعبات ثلج هذا السؤال ينمو الضجر الجميل .
آب السيد "سين" إلى قريته التي غادرها – قسرا – منذ ما يربو عن عقدين من الزمن، في الطريق أنشأ يستعرض ملامح معارفه الذين تركهم منذ ذلك التاريخ، ترى كيف سيكون عليه حالهم؟ هل ما زالت الابتسامة ترتسم على الوجوه؟ هل لا زالت قهقهات الأصحاب تتعالى، وهم يتجادلون بصخب؟ هل ما زالت عجائز القرية يغمرن بالحب والحنان كل مار بهن؟ وهل ما زلن يرشقن الصغار بدعوات الخير والبركة؟ … سيل من الأسئلة تدفق على السيد "سين" منهمرا، كالشلال وانبرى شريط الأحداث والوقائع : وقائع "ولدنات" الصبا يمر أمام عينيه، كمناظر الحقول التي يطل عليها من نافذة سيارته من نوع (فياط 127) … وهو في طريقه توقف مرات متكررة، في هذه المقهى وتلك، في هذه البلدة أو تلك، يقهي ويستريح لحظات، ليعود فيستأنف المسير، تهدهده مشاعر رقيقة، وتتراءى له أحلام جميلة، لا يكدر صفوها إلا يقينه من أنه لن يتملى برؤية وجه عزيز رحل من قبل تاركا في قلب "السيد سين" ندية لا تفتأ أن تنكأ …
يكفُ مبارك عن " فلي " ياقة قميصه ٬ يتفقَد مذياعه الذي يشتغل بدون مؤشر المحطات ٬ يجرب المذياع على محطات مختلفة ٬يلوك شتيمة ٬ قد يكون المشتوم مذيعة أو رئيس نشرة الأخبار أو مديرا أو وزيراً ٬ يضع المذياع جانباً حين ينال كل فرد حظَََََّّّه من الشًتائم٬ يرتب صفحات الجرائد والأوراق وبيانات الأدوية ويركنها في مكان من مخبئه الذي اتخذه في ركن من الحديقة العمومية المتهالكة ٬ يضع إطار نظَارة على عينيه وينحدر نحو مركز المدينة .
هذا الصمت المشروخ الوجه ، ليس كباقي عطور صمت الرجال النابتة ، في حقول خريطتنا العطشى ، و التي ما فتئت تنمو ألوانها الحالمة بنور حجارة حارقة ..، و كالأفكار البريئة هذه الأمواج البطيئة تخترق الكائن ، .. هي بلا شك ، في حاجة إلى دفعة أخرى ، من سحر عصا موسى ، حتى يزبد البحر ، و إلى مجراه الغريب يعود النهر غانما و طليقا .
حين أكّد لها الطبيب أنّهُ في النّزْع الأخير، طلبتْ تلقينَهُ الشهادة،لم تنسَ في عزّ الأزمة تنفيذ وصية أمّها، ستأتي عليه ساعة تفعلين به ما تشائين.
وجئت بعد انتظار لم يطل، فغنوا ورقصوا وزغردوا...