معالجة ايريك فروم للنزعة التدميرية عند البشر ـ د.زهير الخويلدي
" إن الفرق بين الكينونة والتملك ليس بالضرورة الفرق القائم بين الشرق والغرب. بل إن الفرق يتعلق بمجتمع متمركز حول الأفراد، ومجتمع متمركز حول الأشياء"1[1].
لم يجد علماء الانسان تفسيرا لتحول بعض الكائنات الآدمية في حالة الوداعة والطيبة والنزعة السلمية الى حالة التوحش والعدوانية والنزعة الحربية . ولقد حاول البعض منهم تبرير ذلك بالفاقة والحرمان والظروف الصعبة التي يمر بها بعض المنبوذين ولكن المفارقة تكمن في تعطش بعض الحالات البشرية الى التدمير وإيذاء الغير وممارسة الارهاب بالرغم من انحدارها من شرائح اجتماعية ثرية و مرفهة وتمتعها برغد العيش وبحبوحة الحياة. فما السر الذي يكمن وراء انفلات النزعة التدميرية في الطبيعة البشرية حسب ايريك فروم؟ وهل الإنسان عدواني بطبعه كما يرى فرويد؟ هل العدوانية غريزة فطر عليها الإنسان أم هي رد فعل ثقافي مكتسب؟ هل الكائن البشري يخضع لحتمية بسيكولوجية أم يمكن أن يستعيد حريته؟ هل يهرب من الحرية أم يخاف من أن يصير حرا؟ ما معنى إعطاء الحرية للبشر في ظل تنامي النزعة التدميرية وتكاثر النظم الشمولية؟ وكيف ننقذ البشر من نزعة التملك ونسمح لهم بتحقيق الكينونة؟
قصدنا في هذا المقال أن نكشف عن الأصداء المتعددة والمتباينة التي خلفتها الطرق التدليلية الأرسطية عند مفكري الإسلام، فقد توزعت بين متبع لها كابن رشد الذي رفع من شأن البرهان حاذيا أرسطو حذو النعل بالنعل، وبين فلاسفة آخرين حافظوا على استقلاليتهم تجاهه، وكانوا أكثر أصالة واحتكاما إلى عقولهم، "فاعتمدوا طرقا تدليلية لا تنقطع عن خصوصياتهم ومرجعيتهم دون وصاية أرسطو"([1])(*).
لنتوقف في البداية عند هذا العنوان كي نتبين الأسباب التي تجعلنا لا نتكلم فيه عن الحداثة بدل التحديث. وتوضيحا لذلك لنميز بين مفهومين عن الحداثة، أو لنقل بين موقفين: موقف كرونولوجي ينظر إلى الحداثة كحقبة تاريخية تبلورت في نقطة بعينها ومكان بنفسه؛ ثم موقف آخر لا أقول بنيويا، وإنما أفضل أن أنعته بالموقف الاستراتيجي.
سيكون من الغريب إثارة أمر العقلانية المنفتحة الآن، في هذا الزمن وفي هاته الظرفية الفكرية، وقد أطلق الفيلسوف الألماني كانط أولى شرارتها خلال نهاية القرن الثامن عشر، ثم عرفت منعطفا جديدا مع باشلار إبان القرن العشرين حيث لبست معطفها الإبستيمولوجي الصِّرف، وبعده هابرماس الذي أعاد قراءة العقل من خلال الحداثة وكون أن هذا الأخيرة هي بمثابة ذلك المشروع الذي لم يكتمل بعد كي نحكم عليها وعلى عقلها، من ثمة وإذا استطاع فلاسفة الحقبة الحديثة أن يفكروا في كيفية اشتغال العقل بمنطق التفكير في التفكير، فإن هناك زاوية لازالت معتمة شيئا ما، ربما كان من الأجدر لفت الانتباه لها في هاته الظرفية الحالية وليس قبلها، ألا وهو منطق قراءة العقل فلسفيا لكن مع ضرورة النهل من معطيات التاريخ وخصوصيات الثقافة والمجتمع، بعبارة أخرى سنكون أمام دعوة مضمرة للإشتغال على العقل المحلي وليس الكوني، على العقل بصيغته العربية وليس بمنطقه العالمي.
يُعتبر المنطق في نظر ابن رشد أوّل مادة معرفية يجب أن تُلقَّن لحَاكِم المدينة؛ إنّ حاكم المدينة شخص مرَّ بمراحل تربوية مدروسة يأخذ فيها ما هو ضروري من مواد علميَّة ويتدرَّب فيها ويتأهل لقيادة دفّة المدينة نحو الفضائل العادلة[1]. بهذا يكون ابن رشد في منهجه التربوي، قد انتصر لأرسطو على خلاف أفلاطون؛ الذي يرى ضرورة البدء بعلم العدد. فجعل ابن رشد من المنطق، أول العلوم في سلم التعلم، مفسراً هذا الخلاف بينه ـ ابن رشد ـ وبين أفلاطون، بدليل أن صناعة المنطق لم تكن قد وجدت بعد في زمن أفلاطون[2]. ويضيف ابن رشد إنه وإن وجِدت صناعة المنطق في زمن أفلاطون، كان من الأصوب أن يبدأ التعليم بالمنطق، ثم بعدها العدد، ثم على الهندسة، فعلم الهيئة، فالموسيقى، ثم إلى علم المناظر، فعلم الأوزان، وبعدها إلى علم الطبيعة، ثم إلى علم ما بعد الطبيعة[3]. فأهمية المنطق بالنسبة لهذه العلوم في أنه يساعد على فهم العلوم التالية؛ كعلم الطبيعة وما بعد الطبيعة. أما علوم التعاليم (رياضيات، هندسة، فلك، موسيقى)، فلا يحتاج فيها إلى المنطق لسُهولتها وقلة ارتباطها بالمادة، لذا قالوا ـ القدماءـ فتعلمه، يكون بلا ريب، على جهة الأفضل.
" أن نقبل بمسلمة الموضوعية هو أن نعلن إذن القضية القاعدية لإيتيقا معينة هي إيتيقا المعرفة" [1]
– لعل الفلسفة كإبداع، و ليس كدرس فلسفي، يتنفس هواء المؤسسة، و يروم التنميط، تواجَه هنا مع "سياسة التجميع" . و بين التنميط و التجميع علاقة قرابة قوية . يجعلنا موقع الفلسفة المبدعة، في هذا السياق، نطرح السؤال التالي : هل لِ "التجميع" "سياسة" ؟ أو هل لِ "السياسة" أن تقرن ب "التجميع" ؟ و من يُمارس فعل "التّجميع" ؟ و لماذا يمارسه في أصل الأمور؟ أم فقط، يحتاج فعل "التجميع"، الذي نحن بصدده، إلى فاعل من نوع معين، ليحقق واقع "التجميع" المقصود، و ذلك طبعا على حساب تأسيس تنميط الغير المختلف، الخاضع، و المنشغل بتفاصيل حياة الواجب، و المهيمَن عليه، باسم النظام السائد، أي المنفعِل، المحكوم بأداة في غاية الأهمية . نعني بها، خبث التسييس، و سلطة "السياسة"، التي يقصد بها هنا وصفة ماكرة للتخدير و التدجين، و التعتيم، حتى يستمر نسقُ النظام المهيمِن، في رحلة البقاء اللاشرعي، مُقنّعا، و مُقْنِعا، كما لو كان شرعيا .
بالنظر للمرآة تتساءل الذات عن قبحها وجمالها.. "أنا قبيح أم جميل ؟" يتبادر السؤال إلى الذهن بالنظر لانعكاس الجسد وخصوصا الوجه بالمرآة؛ أحيانا ترجح كفة "أنك جميل" ومرة أخرى "أنك قبيح"، فقط الحب هو الذي يضع أمامك إجابة حاسمة : حيث تكون جميلا بما أنك محبوب، فالقبح بمفهومه هو ما يثير النفور. طبعا تعيدنا هذه الصيغة الأخيرة لسيكولوجيا التطور الإنساني، فبحسب التكيفات التطورية المنتقات، ولّد البشر حالة نفسية (ناشئة عن رد فعل فيزيولوجي) تُعرف بحالة التقزز أو النفور أو الاشمئزاز، الغرض منها هو الحفاظ على البقاء وحماية الذات من المهددات الغذائية، كيّف البشر نفورا من الروائح النتنة والمناظر القبيحة والغير متناسقة (الفاسدة) للمكونات الغذائية، فانتقل هذا النفور للأشكال الإنسانية عند الانتقاء الجنسي، كل جسد إنساني مشوه أو غير متناسق يثير الريبة، بما أنه مهدد للبقاء (قد يتضمن أمراضا وسموما حسب نفس الرؤية)، أو عدم المغامرة بضياع الجينات في ذرية قبيحة مشابهة تثير النفور ـ كان من ضمن دوافع الانتقاء الجنسي، صحة الجسد المتناسق كدليل على الخصوبة أو الصيد/الشجاعة كتوفير للموارد والحماية. النفور من القبيح : هروب من احتمالية التعرض لمرض يسكنه أو إنتاج مخلوقات مشوهة منه (شبيهة به)....
" إن تحديد ماهو فطري وماهو مكتسب في سلوك الإنسان قد يكون مجالا مثيرا للبحث إذا ما كان هذا التحديد ممكنا"1[1]
"إنّ إحدى مهام المثقف هي بذل الجهد لتهشيم الآراء المُقولَبة والمقولات التصغيريّة، التي تحدُّ كثيراً من الفكر الإنساني والإتّصال الفكري" إدوارد سعيد
أثارت علاقة مارتن هايدغر بالنازيّة جدلا مطوّلا بدأ في حياة الفيلسوف الشهير ولم ينته بمماته. غير أنّ الكتب والمقالات العديدة التي تناولت هذا الموضوع لا يمكنها أن تعوّض الوثائق. وتمثّل بداية نشر "الدفاتر السوداء"، في السنة الماضية، وهي اليوميات التي كان يكتبها فيلسوف الغابة السوداء، منعرجا جديدا لهذا النقاش. غير أنّ ذلك لا ينبغي أن ينسينا أهميّة وثائق أخرى مثل الرّسالة التي كتبها هايدغر إلى الفيلسوف الأمريكي هربرت ماركوزة، بتاريخ 20 يناير 1948، نظرا لخصوصيّة السياق. فهايدغر لم يتطرّق لعلاقته بالنازيّة طيلة حياته تقريبا. وحتّى الحوار المطوّل الذي أجراه مع مجلّة دير شبيغل الألمانية والذي تضمّن حديثا مستفيضا عن الفترة النازية وعن دوره فيها، لم ينشر إلاّ بعد وفاته، احتراما لوصيّته، وكان ذلك في 31 مايو 1976 رغم أنّه يعود إلى سنة 1966. ولكنّ الفرق واضح بين حديث صحفي موجّه للعموم ورسالة مكتوبة لا تخلو من بوح ومن حميمية.