لماذا يكذب السياسي ؟ ـ حميد بن خيبش
حين تبدي شريحة واسعة من المواطنين عزوفها عن المشاركة السياسية , فهي لا تكف عن ممارسة السياسة من خلال منافذ أخرى , لعل أهمها إبداع أشكال جديدة للسخرية من سلوك النخبة السياسية . سخرية تغذيها رحابة الأنترنيت في توفير برامج و أدوات لتصميم و إبداع ردود أفعال تمزج بين الطرافة و المرارة ! وضع كهذا يفرض طبعا بذل جهد كثيف لاستعادة ثقة المواطن , و التصدي لمجمل الاختلالات التي تعيق إشراكه في تحديث و تطوير الأداء السياسي .
يأتي الالتباس القيمي الذي يطبع مواقف النخبة السياسية و تصريحاتها في مقدمة هذه الاختلالات فالسماح للأكاذيب بالتسلل إلى ثنايا القول السياسي أنتج خطابا مشوشا و ساذجا , وحول المشهد السياسي إلى فضاء للغو و تبادل اتهامات سخيفة , و دعوات للإقصاء و التخوين و رمي الآخر في البحر !
لماذا يكذب السياسي ؟
إن الكذب في الحياة اليومية انحراف عن النسق الأخلاقي , لكنه في السياسة جريمة . هذا ما عبر عنه خبير الشفافية الدولي الأمريكي مايكل هيرشمان في معرض رده عن سؤال حول كيفية محاسبة المسؤول الفاسد . فالكذب من قبل السياسي أخطر من جريمة الفساد التي يحاسب عليها القانون , إذ أن السياسي عندما يكذب يحاول تحقيق مصالح خاصة بطرق غير مشروعة ....
مقدمــــــة
سفينة الربيع العربي التي أبحرت من تونس عادت إلى مرفإ الانطلاق خاسئة حسيرة. ومرساها في تونس ليس على الجوديّ، فهي تترنّح وقد اشتدت بها الريح في يوم عاصف. ذلك ما لاح لي خلال شهر أغسطس/أوت الذي قضيته في بلدي. فالتجربة تشهد امتحانا عسيرا، ومكابرٌ من يدعي ان الأوضاع مستتبة والعواصف سكنت. لقد تعثرت الأمور في جل الميادين، وطفح مقتٌ من قلوب الناس شاع على الألسن. وأرجّح أن الحالة عائدة بالأساس لعامل رئيس على صلة بمسلك حركة النهضة. أن النظر للواقع لدى قادتها، يختزل عقماً تاريخيا يعاني منه العقل الديني الإسلاموي، بموجب افتقاره إلى السداد والحصافة والفطنة. فهناك اعتماد على الولاء المستند إلى المعايير الحزبية البالية، دون إيلاء انتباه إلى شروط القوة والأمانة والعلم والكفاءة الواردة في قوله تعالى: "قالت إحداهما يا أبت استأجره إنَّ خير من استأجرت القوي الأمين" و"قال اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظٌ عليم".
درج الاعلاميون في معظم المنابر الاعلامية على القول بأن مهمتهم كإعلاميين تنحصر في نقل الخبر كما هو لا غير، و هي مقدمة تخفي نتيجة مضمونها حيادية الاعلام و نزاهته بل و أمانته في نقل الأحداث و الوقائع كما هي دون زيادة أو نقصان و دون أي إقحام للذات في الموضوع. و هذه النتيجة الأولى تقذف بنا في اتجاه نتيجة أكبر عنوانها موضوعية الإعلام و الاعلاميين، مع ما يعنيه هذا المفهوم (الموضوعية) في حقل العلوم الحقة كالرياضيات و الفيزياء و غيرها. من هذا المنطلق سنحاول ان نطرق بعض جوانب هذا الموضوع انطلاقا من جملة من التساؤلات نوردها على الشكل التالي:
" لا يمكن للسجل السياسي أن يظهر ويستمر الا داخل القوانين ولكن لا يتكون ولا ينمو هذا السجل الا عندما تتقابل شعوب مختلفة"[1][1]
إن الذي يجعل الجماهير في حالة من التيه المستديم أمام ما يحصل من تحولات وعدم استقرار لا يعالج إلا بأداء المفكر دوره في تخريج المغازي الثاوية وراء الجزئيات والتفاصيل اليومية للحظة الراهنة، وغياب هذه المغازي هو الذي يدفع الكثرة إلى فقدان الرؤية السليمة وسيادة التفسير العبثي للأحداث.
" يتعلق الأمر إذن بإيجاد شيء له هذه الكثافة والوضعية التاريخية وهو من نظام القوة وليس من نظام القانون، وهو من نظام التوازن وليس من نظام الكتابة"[1]
علا اليوم مطلب /شعار الديمقراطية في العالم بشكل لم يسبق له مثيل بل أصبح هو المؤطر الأساسي لكل الحركات السياسية خاصة في العالم العربي وما يسمى بدول "العالم الثالث"، بعد ما عرفته ولا زالت تعرفه من انتفاضات واحتجاجات تطالب بالديمقراطية كمطلب أساسي ورئيسي لحل أزمة الحكم وأزمة حقوق الإنسان والحريات وكرامة العيش، فجميع التيارات والأحزاب والحركات السياسية أصبحت ترفع "شعار الديمقراطية" رغم اختلاف توجهاتها وإيديولوجياتها، بل حتى بعض التيارات الدينية التي كانت إلى وقت قريب تنشد الحكم بإقامة "دولة الخلافة" أو "الدولة الدينية" أقحمت في مطالبها وشعاراتها "الديمقراطية" لتساير هذه (الموضة) وتكون طرفا في هذه الديمقراطية المنشودة. إن هذا التحول الكبير اليوم في المطالبة بالديمقراطية بهذه الحدة يطرح في نفس الوقت مجموعة من التساؤلات حول الديمقراطية نفسها؟ وماهية المضامين التي يحملها هذا المطلب أو هذا الشعار اليوم؟ ولماذا هذا النزوح الجماعي نحو الديمقراطية بهذا الشكل؟
" الديمقراطية بصفتها نظاما يتضمن التحكم بالمواطنين وفصل السلطات وتعددية الآراء وصراع الأفكار هي الدواء الشافي للسلطان المطلق لجهاز الدولة وجنون السلطة الشخصية."[1]
أنا يا صديقة