الدولة الدينية في الإسلام.. وهم أم حقيقة؟؟ - د. محمود إسماعيل
كثر الجدل قديما وحديثا حول إشكالية الدين والدولة دون حسم أو قطع، خصوصا فى العالمين العربى والإسلامى. ويرجع ذلك فى المحل الأول - إلى أسباب سوسيو - سياسية، مفادها استمرار الخلل فى البنية الاجتماعية، الذى يرجع بدوره إلى عدم الحسم فى الأساس الاقتصادى بين أنماط الإنتاج، وما ترتب عليه من أبنية علوية عكست بدورها آفة التخليط الفكرى والثقافى، ومن ثم الاختلاف الايديولوجى.
ففى أوربا - على سبيل المثال - أفضى حسم الصراع بين البورجوازية والإقطاع إلى الفصل القاطع بين الدين والسياسة، فكان ظهور الدولة المدنية المؤسسة على قاعدة العقد الاجتماعى، فما لقيصر ليقصر وما لله لله.
أما العالم الإسلامى، فقد شهد - خلال مسيرته الطويلة تاريخيا - صراعا مائعا بين البورجوازية والإقطاع أفضى عدم حسمه إلى تخليط وتعايش بين أنماط إنتاج متناقضة وهزيلة، بما أسفر عن تكوين أنماط سياسية هشة ذات إيدلوجيات مضببة وهجينة.
بديهى - والأمر كذلك - أن يستمر الجدل حول مفهوم الدولة صاخبا وملتبسا. بديهى أيضا أن يعلو صوت الإيدولوجيا الدينية التى تروم إحياء الدولة الثيوقراطية دونما فهم أولى عقلانى عن العلاقة بين الدين والسياسة. ومن المعلوم المسلم به أن غلبة اللجاج اللاهوتى يعكس حقيقة التطور اللامتكافئ للواقع السوسيو - سياسى الذى لم يشهد - للآن - ثورة رأسمالية تنجز حركة إصلاح دينى تفصل بين الدين والدولة. ويرجع ذلك إلى عجز وشلل...
ليس الانتقال والتأرجح بين مربع الفكرة الدينية عن الدولة، ومربع الفكرة المدنية الحديثة عنها، خاصية وَسَمَتْ مقالة القرضاوي حصراً، من دون سائر المثقفين الإسلاميين المعاصرين، بل هي من ميراث حسن البنّا الذي أتقن ممارستها على نحوٍ من الكفاءة لم يضارِعهُ فيه أحد. والحق أن القارئ في نصوص مؤسس حركة (الإخوان المسلمين)، لا يجد صعوبة في الوقوف على مفارقة مثيرة تؤسس خطابه حول الدولة: الانفتاح الشديد والانغلاق الشديد! وهي مفارقة تذهب بخطابه إلى أبعد حدود التوتر نتيجة حركة الشد والجذب بين حدي الانفتاح والانغلاق! نعثر عل ذلك ـ بصورة بالغة الوضوح ـ في دفاعه عن الدستور والخيار التمثيلي النيابي، وفي هجومه الحاد على الحزبية والتعددية السياسية!
قراءة في كتاب "سراج الملوك"
حول انتشار الحركات الأصولية في آسيا والشرق الأوسط والمغرب، تكثر القراءات التفسيرية وتتكامل أو تتنافى. ويسهم في هذه القراءات اختصاصيون، وحتى مؤلفون قليلو العلم والدراية في تاريخ الإسلام وثقافته؛ فعند عدد مهم منهم، وبينهم سياسيون، في بدء تلك الحركات كان التخلف الذي خلق دوامه المتواتر بؤر الفقر المتنامي، وبالتالي ركام الحزازات والتذمرات.
هناك استحقاقات تاريخية تفرض نفسها على البشر والمجتمعات. ومهما حاول المرء تجاهلها لابد أن تعود مرارا وتكرارا لتذكر بنفسها. ولا يمكن أن يؤدي تجاهلها إلا إلى المزيد من إلحاحها وتفاقم سوء العواقب التي يصعب في ما بعد التحكم بها أو مواجهتها.
شهد العالم ، ومنذ أوائل القرن العشرين ، تطورات متسارعة في كافة مجالات الحياة العلمية والأدبية . وهكذا أصبحت النهايات مفتوحة لقنوات التطور العلمي تستوعب كل ما هو جديد ومبتكر ، بل وتتطلع نحو الأفضل باستمرار ، كما وتزداد شراهة لجذب الكفاءات من العقول العلمية التي تتقدم بإمكانياتها الذهنية المتفردة على سلم التقدم المتوفر آنيا في شتى بلدان العالم . وبذلك أصبحت هجرة العقول ظاهرة عالمية ، جلبت انتباه الساسة والحكام ، والباحثين وصناع القرار واستطاعت بعض الدول – خاصة الدول الأوروبية في بادئ الأمر ومن ثم الولايات المتحدة الأميركية وكندا – توظيف هذه الهجرة بما يخدم أهدافها الآنية والمستقبلية ، مستفيدة من النبوغ الذهبي المتطور لهؤلاء المهاجرين بينما أغفلت العديد من الدول الأخرى – لاسيما دول العالم الثالث ، ومنها الدول العربية – هذه الظاهرة ، مما أدى الى خسارتها الجسيمة لهؤلاء العلماء لا كمواطنين فحسب ، بل الاستغناء عن خدماتهم وإمكانياتهم المتطورة ، التي باتت ضرورية ومؤكدة في ظل الحركة المتسارعة للتنمية والتي لا يمكن لآي بلد من بلدان العالم التغاضي عن أهميتها وبالذات في دول الوطن العربي .
في عالم تتسابق فيه معطيات ثورات المعلومات والاتصالات والانترنيت والبث الفضائي، يكون ذكر كلمة رقابة فيه أمرا مضحكا، حيث اصبح الحصول على "الممنوعات" أيسر مما يتصور المرء أو يصرف وقتا بالتفكير بها. ولكن السلطات العربية الحاكمة بتنوع جهاتها ووسائلها مازالت تؤمن بقدرتها على أو برغبتها في استمرار الرقابة والمنع والمصادرة، والرقابة المعنية التي تقوم بها هذه الجهات بلا شك وسائل تصب في تهميش المعرفة وتبهيت مكانة الوعي وغلق نوافذ الفرح المؤجل وإعداد ولائم لأعشاب استمرار التخلف والمحاكمات والتفتيش والسجون ووأد الرأي الحر الجريء والصوت الثائر الذي يحرض إلى تغيير كوارث الواقع ويدعو إلى مستقبل افضل باجتهاد فردي معبر عن انتماء وصدق وابداع، وتعكس أيضا صورا متعددة عن تخلف الوعي وسذاجة الصراع الفكري ومستوى أدراك المهمات والتحديات التاريخية المنوط بها القيام بأعبائها والتصدي لمخاطرها الفعلية.