أنفاسكثر الجدل قديما وحديثا حول إشكالية الدين والدولة دون حسم أو قطع، خصوصا فى العالمين العربى والإسلامى. ويرجع ذلك فى المحل الأول - إلى أسباب سوسيو - سياسية، مفادها استمرار الخلل فى البنية الاجتماعية، الذى يرجع بدوره إلى عدم الحسم فى الأساس الاقتصادى بين أنماط الإنتاج، وما ترتب عليه من أبنية علوية عكست بدورها آفة التخليط الفكرى والثقافى، ومن ثم الاختلاف الايديولوجى.
ففى أوربا - على سبيل المثال - أفضى حسم الصراع بين البورجوازية والإقطاع إلى الفصل القاطع بين الدين والسياسة، فكان ظهور الدولة المدنية المؤسسة على قاعدة العقد الاجتماعى، فما لقيصر ليقصر وما لله لله.
أما العالم الإسلامى، فقد شهد - خلال مسيرته الطويلة تاريخيا - صراعا مائعا بين البورجوازية والإقطاع أفضى عدم حسمه إلى تخليط وتعايش بين أنماط إنتاج متناقضة وهزيلة، بما أسفر عن تكوين أنماط سياسية هشة ذات إيدلوجيات مضببة وهجينة.
بديهى - والأمر كذلك - أن يستمر الجدل حول مفهوم الدولة صاخبا وملتبسا. بديهى أيضا أن يعلو صوت الإيدولوجيا الدينية التى تروم إحياء الدولة الثيوقراطية دونما فهم أولى عقلانى عن العلاقة بين الدين والسياسة. ومن المعلوم المسلم به أن غلبة اللجاج اللاهوتى يعكس حقيقة التطور اللامتكافئ للواقع السوسيو - سياسى الذى لم يشهد - للآن - ثورة رأسمالية تنجز حركة إصلاح دينى تفصل بين الدين والدولة. ويرجع ذلك إلى عجز وشلل...

أنفاسليس الانتقال والتأرجح بين مربع الفكرة الدينية عن الدولة، ومربع الفكرة المدنية الحديثة عنها، خاصية وَسَمَتْ مقالة القرضاوي حصراً، من دون سائر المثقفين الإسلاميين المعاصرين، بل هي من ميراث حسن البنّا الذي أتقن ممارستها على نحوٍ من الكفاءة لم يضارِعهُ فيه أحد. والحق أن القارئ في نصوص مؤسس حركة (الإخوان المسلمين)، لا يجد صعوبة في الوقوف على مفارقة مثيرة تؤسس خطابه حول الدولة: الانفتاح الشديد والانغلاق الشديد! وهي مفارقة تذهب بخطابه إلى أبعد حدود التوتر نتيجة حركة الشد والجذب بين حدي الانفتاح والانغلاق! نعثر عل ذلك ـ بصورة بالغة الوضوح ـ في دفاعه عن الدستور والخيار التمثيلي النيابي، وفي هجومه الحاد على الحزبية والتعددية السياسية!
1ـ الدولة والدستور:
يعرف سائر الذين قرأوا نصوصه الفكرية، أو اطلعوا على مواقفه السياسية، أن حسن البنّا كان إيجابياً تجاه مسألة الدستور والخيار السياسي النيابي، وأنه دفع بحركة (الإخوان المسلمين) إلى المشاركة السياسية في الحياة العامة بعيداً عن أفكار وخيارات العنف، وخاصة قبل تأسيس (التنظيم الخاص)، الذي أصبح كتيبة صدام موازية للتنظيم الجماهيري الضخم والواسع. غير أن موقفه الإيجابي ذاك، كان في جملة ما يعتقد أنه من صميم الاسلام، أي أن الدستور والتمثيل النيابي ليسا أفكاراً برّانية عن...

أنفاسقراءة في كتاب "سراج الملوك"
إن كتاب "سراج الملوك" لأبي بكر الطرطوشي[1] لا يقل أهمية وقيمة عن المؤلفات السياسية التي اشتهرت في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي والتي توثق لمرحلة تاريخية حاسمة من مراحل تطور ذلك الفكر، ولأنها من ناحية أخرى تعكس وجها أساسيا وواضحا من أوجهه، ثم إنها تقدم أنموذجا فريدا من النماذج التي تكشف عن العلاقة الجدلية القائمة بين الوجود المجتمعي السياسي للمفكر أو الفقيه وبين التنظير السياسي لذلك الوجود.
وإذا كان الهدف من وراء هذه الكتابات هو معرفة الصلة الوطيدة بين الفكر والوجود المجتمعي الذي أفرز ذلك الفكر، فإن المنهج التبريري والدفاعي[2] الذي كتب به التاريخ الإسلامي، وعلى الأخص الجزء السياسي منه يظل، في الأغلب الأعم، عائقا حقيقيا يقف في وجه هذه المعرفة؛ إذ من الصعب الوقوف على المرامي البعيدة والدلالات المضمرة لمثل تلك الأدبيات دون استحضار للبعد التاريخي، وعلى وجه التحديد تاريخ المرحلة التي كانت تؤطر الوعي السياسي لرجل العلم، وتحدد سقف تفكيره وتنظيره.
وللوقوف على طبيعة الكتابة السياسية، وخاصة في القرنيين الرابع والخامس الهجريين، اللذين بلغ فيهما التأليف في السياسة الشرعية ذروته، ينبغي على الباحث أن يتجاوز جانب الاهتمام بتتبع الدقائق الفقهية والتفريعات الجزئية والاختلافات...

انفاسحول انتشار الحركات الأصولية في آسيا والشرق الأوسط والمغرب، تكثر القراءات التفسيرية وتتكامل أو تتنافى. ويسهم في هذه القراءات اختصاصيون، وحتى مؤلفون قليلو العلم والدراية في تاريخ الإسلام وثقافته؛ فعند عدد مهم منهم، وبينهم سياسيون، في بدء تلك الحركات كان التخلف الذي خلق دوامه المتواتر بؤر الفقر المتنامي، وبالتالي ركام الحزازات والتذمرات.
«إن البؤس واعظ سيئ»، كما قال فرانسوا ميتران عن المأساة الجزائرية، وهو الميسر لعودة العامل الديني القوية.. إن هذا العامل، في حالة الإسلام، لما يزل صالحا لشرائح المعوزين والمتروكين مصفاةً وصوتا للجهر بضيقهم والتعبير عن حاجياتهم ومطالبهم. وبعد تعيين مكمن الداء، سيتمثل الدواء في تزويد الحكم القائم بما يحتاجه من دعم اقتصادي ومالي لمغالبة المد الأصولي وتحجيمه. وهذا الاختيار، رغم بعض الصعوبات الظرفية، هو الذي ما زالت السلطات الفرنسية تراهن عليه في سياستها العربية، كما هو دأبها مع الجزائر وكذلك في لبنان حتى أثناء حرب اسرائيل عليه ومقاومة حزب الله لها.
تجاوزا للمنظور الاقتصادوي الضيق، هناك صنف آخر من التفسير يقدم ظاهرة الحركات الأصولية على أنها وليدة تلاشي العقيدة الشيوعية والأيديولوجيا المادية، كما دلل عليها بقوة سقوط جدار برلين وتصدع الاتحاد السوفياتي...

هناك استحقاقات تاريخية تفرض نفسها على البشر والمجتمعات. ومهما حاول المرء تجاهلها لابد أن تعود مرارا وتكرارا لتذكر بنفسها. ولا يمكن أن يؤدي تجاهلها إلا إلى المزيد من إلحاحها وتفاقم سوء العواقب التي يصعب في ما بعد التحكم بها أو مواجهتها.
والواقع أن النظم العقائدية التي كانت تعتمد على الحزب الواحد، وعلى التعبئة الحماسية، الحقيقية والمصطنعة معا، تفقد كل مقومات وجودها ومؤهلاتها الإنسانية منذ اللحظة التي تتفتت فيها عقيدتها أو تذبل وتموت. فهي تتحول عندئذ إلى نظم تسلطية من دون أي غلالة سحرية. ويتخذ الحكم فيها أكثر فأكثر طابع السطو المسلح على حياة الناس وأرزاقهم ومصائرهم. وكانت عقيدة النظام الشمولي الفعلية، في كل مكان وبصرف النظر عن اختلاف الثقافات والأديان، وجود الرئيس -الرب نفسه وتجليه في الحياة العمومية والخصوصية. فلم يكن هو مؤسس النظام ومحركه فحسب ولكنه كان روحه وإلهامه في الوقت ذاته. وفي جميع هذه النظم، العربية وغير العربية، كانت وفاة الزعيم الرب بمثابة خروج الروح من الجسد.
وليس المقصود بالنظام السلطة القائمة أو القائمين عليها، ولا تلك الذئاب الكاسرة التي تغرس أنيابها وكانت تغرسها من قبل في قلب الحي لتنتزع منه الحياة وتستملكها، ولكن جميع أولئك الذين كيفوا أنفسهم مع الموت وأتقنوا...

انفاسشهد العالم ، ومنذ أوائل القرن العشرين ، تطورات متسارعة في كافة مجالات الحياة العلمية والأدبية . وهكذا أصبحت النهايات مفتوحة لقنوات التطور العلمي تستوعب كل ما هو جديد ومبتكر ، بل وتتطلع نحو الأفضل باستمرار ، كما وتزداد شراهة  لجذب الكفاءات من العقول العلمية التي تتقدم بإمكانياتها الذهنية المتفردة على سلم التقدم المتوفر آنيا في شتى بلدان العالم . وبذلك أصبحت هجرة العقول ظاهرة عالمية ،  جلبت انتباه الساسة والحكام ، والباحثين وصناع القرار واستطاعت بعض الدول – خاصة الدول الأوروبية في بادئ الأمر  ومن ثم الولايات المتحدة الأميركية وكندا – توظيف هذه الهجرة بما يخدم أهدافها الآنية  والمستقبلية ، مستفيدة من النبوغ الذهبي المتطور لهؤلاء المهاجرين  بينما أغفلت العديد من الدول الأخرى –  لاسيما دول العالم  الثالث ، ومنها الدول العربية – هذه الظاهرة ، مما أدى الى خسارتها الجسيمة لهؤلاء العلماء لا كمواطنين فحسب ، بل الاستغناء عن خدماتهم وإمكانياتهم المتطورة ، التي باتت ضرورية ومؤكدة في ظل الحركة المتسارعة للتنمية والتي لا يمكن لآي بلد من بلدان العالم التغاضي عن أهميتها وبالذات في دول الوطن العربي .
 ومما زاد من خطورة هجرة العقول أو الأدمغة العربية ، كونها أصبحت من أهم العوامل المؤثرة على تطور الاقتصاد الوطني...

انفاسفي عالم تتسابق فيه معطيات ثورات المعلومات والاتصالات والانترنيت والبث الفضائي، يكون ذكر كلمة رقابة فيه أمرا مضحكا، حيث اصبح الحصول على "الممنوعات" أيسر مما يتصور المرء أو يصرف وقتا بالتفكير بها. ولكن السلطات العربية الحاكمة بتنوع جهاتها ووسائلها مازالت تؤمن بقدرتها على أو برغبتها في استمرار الرقابة والمنع والمصادرة، والرقابة المعنية التي تقوم بها هذه الجهات بلا شك وسائل تصب في تهميش المعرفة وتبهيت مكانة الوعي وغلق نوافذ الفرح المؤجل وإعداد ولائم لأعشاب استمرار التخلف والمحاكمات والتفتيش والسجون ووأد الرأي الحر الجريء والصوت الثائر الذي يحرض إلى تغيير كوارث الواقع ويدعو إلى مستقبل افضل باجتهاد فردي معبر عن انتماء وصدق وابداع، وتعكس أيضا صورا متعددة عن تخلف الوعي وسذاجة الصراع الفكري ومستوى أدراك المهمات والتحديات التاريخية المنوط بها القيام بأعبائها والتصدي لمخاطرها الفعلية.
ولعل في مرويات الرقابة التي حدثت إبان العهد العثماني ما يخجل من ذكره أو تكراره بعد هذه العقود الطويلة التي تغيرت فيها عوالم ودول. يروى انه جرت أيام الدولة العثمانية مصادرة كتب ومطبوعات ضمن سياسة القمع الفكري وتقييد حرية الرأي والتعبير، ولأسباب غير منطقية أحيانا كما حصل في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، عندما قرر الرقيب العثماني منع تداول كتاب...

انفاسلنكتف بالقول إذن، كان سقراط حسن النية بالإنسان، فلنقتد به، ولننشر ثقافة حقوق الإنسان ليس من أجل إقناع الناس باحترام هذه الحقوق وحسب بل أيضا، وهذا أهم، من أجل توعية أصحاب الحقوق الضائعة ليطالبوا بحقوقهم. وبالمطالبة المستمرة المتواصلة سيحصلون عليها. وحقا: "ما ضاع حق وراءه طالب".
1- الحق … والقانون
ظلت فكرة الحق الطبيعي الذي قال به فلاسفة اليونان وبعض مفكري الرومان غائبة، أو بالأحرى مغمورة في كتبهم طوال القرون الوسطى: لقد حل محلها قانون الإيمان الذي تحدده الكنيسة هو و"الحق الإلهي" للملوك الذي باسمه يحكمون ويشرعون ويضعون القوانين ويحددون الحقوق…
مع القرن السابع عشر أخذت الأمور تتغير: لقد قطع العلم الحديث وعلى رأسه علوم الطبيعة أشواطا جديدة تماما من التقدم والازدهار. وأصبح لفكرة "القانون الطبيعي" معنى آخر: لم تعد تعني، كما كان الشأن عند اليونان، مجرد النظام والترتيب الذين يسودان العالم، بل صار القانون الطبيعي وسيلة العقل البشري للسيطرة على الطبيعة: الإنسان هو الذي يكتشفه وهو الذي يستثمره لصالحه. العقل هو واضع القوانين، وقوانين العقل متطابقة مع قوانين الطبيعة، لأن الأمر يتعلق في الحقيقة بقانون واحد. لقد كانت الفكرة السائدة هي أن : "القانون كما هو في العقل الإلهي، يظهر في الطبيعة وفي العقل البشري معا، ولا تناقض بين الاثنين". العقل البشري هو واضع القوانين...

مفضلات الشهر من الترجمة

مفضلات الشهر من السياسة