الدولة المدنيّة من منظور توماس هوبز و جون لوك ـ فتحي الحبّوبي
«إن السلطة المدنيّة لا ينبغي لها أن تفرض عقائد الإيمان بواسطة القانون المرعي، سواء تعلّق الأمر بالعقائد أو بأشكال عبادة الله». جون لوك : من كتاب رسالة التسامح
عاشت مختلف القوى والتيّارات الفاعلة في المشهد السياسيّ ونشطاء باقي مكوّنات المجتمع المدني في تونس ودول الربيع العربي، ردها من الزمن، على وقع تجاذبات أفضت إلى صراعات كانت تخبو حينا وتشتعل أحيانا، وأدّت إلى مزايدات دينيّة وسجالات حماسيّة، ساخنة وصاخبة حول مسالة التنصيص في الدستور الجديد من عدمه على إعتماد الشريعة الإسلاميّة كمصدر أساسيّ أو لعلّه وحيد للتشريع. ولئن كانت هذه السجالات المحتدمة عنوانا بارزا للمناخ الديمقراطي الذي أصبحت تتّسم به الحياة السياسيّة في تونس، فإنّ ما يلاحظ في شأنها أنّها مثّلت حالة انقسام حاد في المجتمع واستقطابا ثنائيّا ما بين حركة "النهضة وما يدور في فلكها من أحزاب وجمعيّات ذات بعد ديني تتبنّى رؤى تراوح بين الوسطيّة والتطرّف، وتنشغل بالماضي أكثر من اهتمامها بالحاضر أو المستقبل، وبين بقيّة الأحزاب وخاصة منها الأحزاب الوطنيّة التقدّمية والحداثيّة والتحديثيّة، ذات البعد اليساري وحتّى الوسطي والليبرالي، التي ترنو إلى المستقبل أكثر ممّا تلتفت إلى الماضي السحيق، بغثّه وسمينه، وانتصاراته وانكساراته، ونجاحاته وإخفاقاته، وحقيقته وأساطيره.
اللّافت في هذا السياقّ...
1ــ من هو المثقف ؟؟؟
يعد ماكيافيللي من أبرز الفلاسفة والمنظرين الواقعيين للدولة الحديثة، هذا الأخير استفاد من المنهج التاريخي في عملية استقراء تاريخ الأمم وتجاربهم في الحكم، لمعرفة أسباب سقوط دولهم وانتهاء حكمهم وزوال حضارتهم، محكوما بهاجس السؤال التالي: لماذا تعمر دولة ما طويلا وتسقط وتزول الأخرى سريعا؟ الجواب على هذا السؤال هو ما دفع ماكيافيللي إلى التأليف في السياسة، ورصدها وتتبع خيطها الناظم منذ القديم إلى عهده. ومن أهم ما ألفه في السياسة نجد كتاب "مطارحات" و"فن الحرب" و"تاريخ فلورنسا" و الكتاب الأكثر شهرة هو "الأمير". وهو كتاب يوجه مجموعة من النصائح للسلطان في كيفية تدبير شؤون إمارته والحفاظ على سلطانه وبقاء دولته، وهو في ذلك يشبه كتاب "الآداب السلطانية" للماوردي الذي يقوم بتقديم النصح للسلطان في كيفية الإحكام برقبة الأمة وآليات قهرها وإخضاعها واستدراجها للانقياد وراءه. والهدف من كتاب "الأمير" هو البحث عن القوانين المتحكمة في السلوك السياسي والتي تقود إلى النجاح في العمل السياسي وتدبير الحكم، بعيدا عن دائرة الأخلاق والفضيلة، واضعا بذلك أسس علم السياسة الحديث، أو فن إدارة الدولة، جاعلا من السياسة حرفة وليس مجرد تنظير أخلاقي وفلسفي كما كان سائدا من قبل....
" المثقف المغربي فقد كل شيء ماعدا جيبه "
بعد اندلاع ثورة 17 ديسمبر 2010 و طوال هذه السنوات الخمس أصبح مشكل التسمية ذا راهن خاصة أمام ما تشهده البلاد الآن من احتجاجات بدأت في القصرين منذ يوم 16 جانفي 2016.إن هذه الاحتجاجات الشبابية للمعطلين عن العمل خاصة بولايات مهمشة و مقصية كالقصرين و سيدي بوزيد و الكاف و غيرها بحاجة لأن نفكر فيها محاولين فهم أسبابها و ضمنياتها مفكرين في مسألة التسمية هذه التي أصبحت موضوعا علينا الخوض فيه.تعالت الأصوات طوال هذه السنوات الخمس حول توصيف ما حدث في تونس منذ 17 ديسمبر فهل هي ثورة؟ هل هي انتفاضة؟ هل هو مسار و حراك ثوري؟ هل هو انقلاب؟ أم مؤامرة خارجية؟ و انطلاقا من كون جميع هذه التوصيفات نابعة عن تصور ما أو أجندا سياسية فإنّ بعض المثقفين اختاروا عدم التوصيف بحجة أنّ ما حدث و ما يحدث الآن لا يمكن توصيفه أو تسميته في اللحظة الراهنة.قبل أن نتوسع أكثر في مشكل التسمية و التوصيف علينا ان نطرح سؤال أساسي لماذا يشكل اليوم مأزق التسمية مشكلا و عائقا أمام ما يحدث؟
"المبدع في الشرق عامة ، قط جائع في حانوت للمعلبات ." ( محمد الماغوط)
خلال الحراك الشعبي العارم الذي عرفه عالمنا العربي مشرقه ومغربه، كانت طموحات الجماهير، وعموم الموطنين والمواطنات، كبيرة وهائلة، كما أن سقوف المطالب كانت تطاول عنان السماء، وكان الكل يراهن على الخيار الديموقراطي الحداثي من أجل تحقيق الطفرة الكبرى التي بمكنتها إلحاق أمتنا وشعوبنا بمصاف الدول الرائدة في الاقتصاد، والاجتماع، والسياسية، ناهيك عن الثقافة والحضارة، غير أن انتقال سِيَاسِيِينا، وأحزابنا، وائتلافاتها وتحالفاتها، من حيز الوجود بالقوة إلى مجال الوجود بالفعل، أظهر بالملموس بعد سنوات غير يسيرة من ممارسة تدبير الشأن العام، أن الهوة لاتزال عميقة وسحيقة، بين المأمول والمتحقق على أرض الواقع؛ بين المشروع المجتمعي الكبير والواعد، والمنجز فعليا على أرض الميدان؛ بين الشعارات الرنانة والهائلة، وإكراهات مواجهة المطالب اليومية؛ مما أصبح يدفع المتابعين والملاحظين، والرأي العام، إلى التساؤل الجدي والجذري، حول جدوى إرساء الديموقراطية في بلداننا العربية بعد عملية التغيير، وعن فوائدها المادية الملموس على أرض الواقع .
"ليس المهم ما نؤمن به ، وانما هو الكيفية التي نؤمن بها " (كيركجارد)
لقد أصبحت مسألة حقوق الإنسان في واقعنا المعاصر ، تلقى اهتماما متزيدا وذلك نظرا لحيوية الموضوع و لعلاقته بكيان الدولة ككل من جهة ، ومن جهة أخرى أضحى مطلبا وطنيا ودوليا، إذ يعتبر التنصيص على حقوق الإنسان في مختلف التشريعات الوطنية وتنزيلها واحترامها دليلا على رقي المجتمعات حضاريا وسياسيا.
في فرنسا اليوم دعوات إلى "الهوية " و إلى "الوحدة الوطنية " في الإعلام و في الخطاب الرسمي..هو أمر مقبول فالبلد في حالة حرب، و في حالة الحرب لابد من "دعوة "إلى رص الصفوف و الانضباط و "الوحدة الوطنية". و "الدعوة" هنا فعل واع يمارسه فاعل يعي ما يريده، و يعي استراتيجيات تحقيق المشروع، يستنفر من استطاع من الناس و الموارد، يستقطب الفاعلين القادرين على العطاء و الفعل دون تردد، من يثقون ب"الداعي إلى"الوحدة الوطنية"، مادام هو بالضرورة"حامي الوحدة الوطنية"، و لا يهم السؤال"يحمي ممن ؟ و مع من ؟ و لصالح من ؟"، و هل هنالك "وحدة " على الأرض أم فقط في الخطاب؟ و وحدة على أرضية ماذا ؟ فالداعي إلى الوحدة يمتلك الإجابات...و في حالة الحرب تكون الغايات البعيدة أهم من كل الصراعات ال"هامشية" ،و كل الأسئلة تكون هامشية، و تكون مجرد ركاكة......
أعلنت لجنة نوبل للسلام يوم 9 ـ 10 ـ2015 أنها قررت منح جائزتها الذائعة الصيت في العالم للرباعي التونسي المتكون من الاتحاد العام التونسي للشغل المركزية النقابية الأهم و الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان و هيئة المحامين التونسيين و أخيرا اتحاد الصناعة والتجارة و الصناعات التقليدية ممثل المستثمرين الخواص لمبادرته بإقامة حوار وطني جمع بين الأحزاب الحاكمة إثر انتخابات المجلس الـتأسيسي باستثناء حزب المؤتمر الذي رفض الدخول فيه بدعوى التمسك بالشرعية وبين المعارضة بمختلف مكوناتها السياسية . وقد انتهى الحوار, بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من الفشل بفعل تشبث الأحزاب الحاكمة بالسلطة, إلى التسريع في صياغة الدستور الذي تمت المصادقة عليه في آخر جانفي 2014 , بالإضافة إلى تسليم السلطة لحكومة تسيير أعمال مهمتها الرئيسية الإعداد لانتخابات برلمانية و رئاسية .الأمر الذي تم فعلا خلال خريف السنة المذكورة. يقدر أغلب الملاحظين أن الحوار الوطني جنب البلاد أزمة سياسية حادة كانت تنذر بانتشار العنف و انهيار مؤسسات الدولة.حيث يمكن القول :إنه وقع تجاوز فترة انتقالية طالت أكثر من المتوقع باتجاه إرساء مؤسسات قارة.