مزاج الإنسان العربي بعد ثورات الربيع ـ د.محمد بنلحسن
بعد ثورات الربيع العربي الذي اندلعت شرارتها الأولى بتونس الخضراء ، وانتشرت لتعم أرجاء عالمنا العربي من محيطه إلى خليجه، طرأت على مزاج الإنسان العربي وسلوكه، تغيرات عميقة، بحيث لم يعد المواطنون والمواطنات، على تباين أجناسهم، وأعمارهم، وانتماءاتهم ، قادرين على مواصلة الصبر والانتظار؛ من أجل تحصيل الحقوق المشروعة؛ مهما كانت درجتها، أو قيمتها، ومهما كانت الجهة الساهرة على تمتيعهم بتلك الحقوق، سواء كانت سامية في سلم الدولة والإدارة، أم بسيطة...مركزية كانت أو جهوية أو محلية...
لقد ترسخت لدى الجميع، لاسيما بعدما أحرق البوعزيزي جسده في سيدي بوزيد، احتجاجا على الظلم والاستبداد والعنف، أن لاشيء يمكن أن يمنع الإنسان من الإصرار على المطالبة بحقوقه التي يعتبرها أساسية ومشروعة، حقوق أصبح الفرد على أتم الاستعداد لتقديم أغلى ما يملك؛ أي روحه، فداء وقربانا من أجلها؛ لئلا يستمر الظلم والقهر والجبروت...من لدن الطغاة المستبدين المتحكمين في رقاب الناس دون حق......
تعتبر اللغة،إلى جانب عوامل أخرى كالدين والثقافة والتاريخ ...، من بين العوامل التي تميز مجتمعا عرقيا عن المجتمعات الأخرى. قد تكون اللغة وحدها هي ما يميز عرقا عن غيره، كما يمكن أن تنضاف إليها عوامل أخرى مجتمعة. لكنها ليست دائما عاملا مميزا لعرق ما عن غيره. وما يجعل منها، ومن غيرها من العوامل، عاملا مميزا لعرق ما هو الظروف التاريخية لذلك العرق. فإذا ما نظرنا إلى وضعية المغرب الآن سنجد أن اللغة الأمازيغية (على اختلاف 'لهجاتها') تعتبر عاملا مميزا للأمازيغ، إذ تميزهم عن غيرهم من المجموعات العرقية المغربية الأخرى. وبالنظر إلى الظروف التاريخية الراهنة نجد أن المغرب عرف ولا زال يعرف حراكا من قبل النشطاء الأمازيغيين الذين لا ينفكون يطالبون بكامل حقوقهم اللغوية والثقافية.
" في هذا العالم ؛أحيانا لاتدخل على الحياة ، إلا بالخروج عليها .. ولن تصلي حتى تترك الجماعة .. ولاتؤمن بالله حتى تكفر بالمعبد .. و لن تعانق الحكمة حتى تتخلى عن كتب فلاسفتها "(انقلاب المعبد ، عبد الرزاق الجبران).
كَثِيـرٌ فِي الفَجِيعَةِ مَـــا نَرَاهُ
كل الدول وكل الأمم تتقدم بثقافتها وفكرها، تساهم في العالمية بما جاد به فلاسفتها وعلماؤها ومفكروها، قبل سياسييها ورجال دبلوماسيتها، لهذا فإن كل أمر للنجاح مشروط سلفا بالانطلاق من الثقافة ليس كترف غالبا ما يتذيَّلُ قائمة رغباتنا، وإنما كسلاح للوقوف عند نقط ضعفنا، عند حاجياتنا، وعند أسباب جمودنا، الثقافة ثقافتان، ثقافة تضرب في جذور الماضي من خلال مجموع الأنشطة المعتمدة من طرف الأفراد، والمتعلقة بنمط عيشهم من مأكل وملبس وأعراف ومعمار وهي التي يمكن أن نطلق عليها اسم: الثقافة الاعتباطية، أما على جانب آخر فيمكننا الحديث على الثقافة الثانية وهي الموسومة بالثقافة العالِمة أو الثقافة المعرفية، والمحددة بالتدقيق في مظاهر جمة من قبيل البحث العلمي، والتربية والتكوين، إضافة إلى الصناعة الفنية والإبداعية بشتى أنواعها، لهذا فكل خلط بين الثقافتين هو بمثابة تغريد خارج السرب.
لقد شكل 20 فبراير استثناء في تاريخ المغرب الحديث ، فبعد المخاض الذي عاشه المغرب وأزمة التحديث السياسي التي ظل المغرب يتخبط فيها مند الاستقلال الشكلي في 1956 مع خروج فرنسا بعدما تم تفويت السلطة من يد فرنسا إلى القصر ، طرحت مسألة التحديث على كافة الأصعدة غير أن المحافظة على الإرث السلطوي السلطاني في المغرب دفع بالمسؤولين إلى كبح جماح المواطن المغربي الطامح إلى معانقة الحرية و الإنعتاق من ظلال الاستعمار و تنفس روح الحرية مع مغرب جديد في منظومة عالمية جديدة ، لكن المحافظة على الإرث القديم و الخوف من الانفتاح على المنظومة السياسية العالمية ،دفعت بالمسؤولين _ أصحاب القرار و النفوذ _ إلى كبح جماح المواطن و سد تطلعاته نحو الحرية فخرج من نير الاستعمار المباشر إلى ضلال أعيد معها القمع و القهر و الاستعباد المكرس سابقا من طرف سلطات الحماية ، حتى تم إعادة تكريس جميع أشكال القمع في حق الحركات الاحتجاجية الاجتماعية ، السياسية ... الداعية إلى التحديث على كافة المستويات ، فوجهت بالقمع أو النفي أو السجن أو الاغتيال ، لتتم إعادة بنية المجتمع المغربي إلى ما كان عليه في السابق ، بل وأكثر من ذلك الشيء الذي أثر بشكل مباشر على سؤال الهوية للمغربي في ظل منظومة عالمية حداثوية فأصبح من الصعب جدا تصنيف المجتمع المغربي في سلم الحداثة ؟...
الانتخابات في المجتمعات المتشبعة بالديمقراطية هي مجرد عمليات اجرائية لإشراك المواطنين عبر ممثليهم في رسم السياسات العمومية سواء المركزية او المحلية . فالديمقراطية مفهوم اوسع واعقد من مجرد اغلبية عددية انطلاقا من صندوق انتخابي ، فهي ثقافة وسلوك وقيم ، نواتها الاساسية هي " حق الفرد المواطن في امتلاك مصيره واختيار حاكميه وواجبه في قبول الآخر المختلف "، مما يتطلب وجود بنيات تحتية ثقافية وسياسية لبروز الفرد المواطن المتمتع بحرياته الفردية وحقوقه الكفيلة بجعل اختياره حرا دون وصاية او قهر .والاختيار بدون تقييمه يصبح بلا معنى ، فالاختيار يرتبط ارتباطا وجوديا بالمحاسبة والمسؤولية والتي يحددها عقد الاتفاق الذي على اساسه تم هذا الاختيار. كما أن الديمقراطية بدون ثقافة الاختلاف و قبول ال"آخر" المختلف تتحول إلى أداة لقهر الاقليات وعدم إعطائهم فرصة لتحويلهم إلى اغلبية.
"أفضل من لا شيء" جملة نرددها في كل المناسبات آنيا مادام الأفضل لم يأت بعد و ربما لن يأتي. لذلك، فلا خيار أمامنا سوى التحاف ما يقدم لنا بوصفه كساء عزاء يعانق الموت الحريري في زمن يخونه اللازمن، و يستلب فيه صمت البيئة المحرومة دهشة اختراق الفرح لحظة الٳعلان عن ضرورة الأفضل. ٳننا نعيش حلقات أعظم درامية ممسرحة تعتذر عن جحيمها الآني بوعود البحث عن حلم الأفضل و عن القوى الخفية القابضة عليه. فنحن في سنوات المرحلة الانتقالية؛ مرحلة التكاذب التي تستلهم من زلزلة روح الأفضل سحر الٳحساس بأننا نعيش حياة طبيعية٬ و بتعبير أدق٬ نتخيل حياتنا - حياة طبيعية – تخيلا حسيا فيحضر الأمر و نقيضه بشكل يختلط فيه الحلم و الخيالي و المستحيل بالواقعي. هذه الحالة تجعلنا نتخيل أن لدينا تعليما يعلم٬ ومنظومة صحة تعالج٬ و جهاز عدالة ينصف... بينما الأسوء هو رضانا بمؤسسة التعليم التي لا تعلم٬ و بمؤسسة الصحة التي لا تداوي٬ و بمؤسسة العدالة التي تظلم... بل الأبشع من هذا و ذاك هو عدم القدرة على استشعار الأفضل و العجز عن تشخيصه و كأننا حرمنا من الشروط الضرورية التي تسمح لنا بتفعيل قدراتنا الفطرية.
تلعب الصحافة دورا مهما في أي تجربة ديمقراطية ، فهي تساهم في تشكيل الوعي الجمعي وخلق الرأي عام . ولدورها الهام هذا كانت تتعرض لمختلف التجاذبات للسيطرة عليها و إستغلالها لخدمة فئات معينة ضد أخرى . كل سلطة إستبدادية هي بالضرورة عدوة لكل صحافة حرة مستقلة ، فهذه الاخيرة ،أرادت او لم ترد، هي سلطة مضادة تعريفا .مادة الصحافة الحرة هي الثقافة اليومية للمواطنين وجرعتهم ضد الآثار الجانبية للسلطة، فهي تقتات على مشاكلهم اليومية و تتبع أخبارهم ،و تفضح لصوصهم وفساد سياسييهم،وتعطيهم "كبسولات" ثقافية تسنفز إستبداد بداهاتهم...
" أحكام الإنسان المتخلف على الظواهر والأشخاص يشوبها الكثير من التحيز والقطيعة، إنها أحكام متسرعة ونهائية تصنف الظواهر والناس في فئات جامدة."
عرف المغرب مجموعة من الاحداث مؤخرا ، تعتبر تهديدا حقيقيا للحقوق والحريات الفردية، حيث توالت لوحات المحافظة والفصام و التي تتمثل في طرح مسودة للقانوني الجنائي ، و منع فيلم نبيل عيوش و محاكمته مع احدى بطلات افلامه ،و محاكمة فتاتين بادعاء ان لباسهما يخدش الحياء ، وانتشار فيديوهات في الانترنيت لسلفيين يلعبون دور شرطة النهي عن المنكر و الحث عن المعروف ، وسيادة خطاب محافظ في اللغة الثقافية والسياسية. يحدث هذا ، في ظل حكومة حزب اغلبي اصولي، والذي جعل من الخطاب الاخلاقوي السطحي المشوه راسمالا رمزيا يبيعه في سوق الانتخابات الشكلية، ويعتمد في ايديولوجيته على تأويل متخلف للدين مستند على مرجعية اخوانية وهابية . كما ان هذه الاحداث تاتي في سياق صعود تيارات داعشية فقدت كل عقلانية في ممارستها و فكرها ، و اصبحت متخصصة في ابداع ابشع صور التوحش والتخلف و البربرية . مما يجعل احتمال تطور الامور الى منحى اكثر محافظة وتطرفا ، خاصة في ظل هيمنة ثقافة اصولية في المجتمع ، و غياب مشاريع ديمقراطية حداثية حقيقية بديلة ، و توظيف الدولة للشرعية الدينية والذي يجعلها اكثر ارتباكا في مواجهة هذه الاحداث ، و استعدادها للتنافس مع الاصوليين في هذا الحقل عبر استغلال الدين للحفاظ على مصالح الفئات الحاكمة ....