ورقة فلسفية عن الثورة العربية ـ زهير الخويلدي
" البناء الثوري هو من صنع حشد من الناس البسطاء. ومهمتنا هي أن نطور ما لدى كل واحد فيهم من خير ونبل، وأن نجعل من كل انسان ثوريا." - تشي غيفارا-
الكتابات النقدية المعاصرة تحاول أن تملأ الفراغ وتفهم لغة الشباب الثائر وتنصت الى الرأي العام وأن تتحدث على نوع من الثقافة الثورية وترى في المثقف العربي هو الضامن لحماية الثورة العربية من الدهاء السياسي وتعتقد أن العرب مازالوا يكررون ما قاله الغزالي و ابن رشد من جهة التراث وما قاله ماركس وسارتر من جهة الحداثة وبالتالي تقر بأننا في انتظار فلسفة عربية تواكب هذا الزمن الثورى العربي وتؤرخ له مفهوميا. لعل المرحلة الأخرى من العمل الفكري والتأصيلي للثورة تحتاج الى مقاربة لمسالة الهوية من منظور مركب وكوكبي وفيه ردّ على مسألة التحديات العولمية التي تعيشها المنطقة العربية زمن الربيع العربي وتثمين لمسألة السيادة الوطنية.
" الديمقراطية هي مرادفة للتنظيم الذاتي السياسي للمجتمع"[1]
في تسعينيات القرن الماضي، وفي غمرة الأجواء المشحونة بالتوتر السياسي، لما أحكم الطغيان حصاره على شعبَ تونس، تخلى شقٌّ واسع من المثقّفين عن أدوارهم وانخرطوا في آلة القمع الغاشمة: فكان أن كوفئ البعض منهم بمهام الوزارات والسفارات، وآخرون بالتصعيد إلى البرلمان، وغيرهم بتوكيلهم شأن المنابر العلمية والإعلامية والأكاديمية، على أن ينضم من قَبِل العطية إلى جوقة العمل من أجل اجتثاث كل نفس ديني وعروبي ووطني من التونسيين، بدعوى قطع دابر الإسلاميين؛ ولكن مقابل ما أُجزل للمثقفين العائمين من وافر العطاء، انتزع منهم وكيل نعمتهم مبادئَهم، وصادر فيهم ما تبقى من رجولتهم.
" ان التنمية هي أساسا مسار تفهمي...لتعزيز التبادلات المفيدة ...وتحسين أداء شبكات التأمين الاجتماعي أو بلورة الحريات السياسية."[1]
السياسة هي فن الممكن يوصل إلى هدف مشروع ضمن سياقات من القيم والأخلاق والمبادئ المتعارف عليها إنسانياً، بحكم ارتباط الإنسان بأخيه الإنسان داخل المجتمع الواحد، ولكون فن السياسة متمايز عن العديد من الفنون الأخرى، ويتصف بصفات معينة تكاد تختلف جوهرياً عن صفات الفنون والقيم الأخرى. ومن الأفضل، ألا نفكر في بحث حقيقة السياسة، إلا إذا بحثناها من الناحية الواقعية واقترانها بالحياة البشرية، لأنها تقدم المجتمع مقترناً بالتفاعلات والمظاهر التفاعلية والتواصلية والعلائقية بين أفراده المختلفين والمتنوعين فكرياً واجتماعياً وعقدياً .
يقول الأديب محمد شاكر في كتابه "سيادة الجهل": إن الحياة عبيد وسادة، عبيد دون ذنب، وسادة من غير حق، ومتسلطون دون مؤهل، يقربون ويحمون أمثالهم، ويسلطون أعوانهم على المجتمع وهم ليسوا بأكفاء ولا أهل، ويبعدون أهل الرأي والفكر، وأصحاب العلم، فينتشر الفساد، وتتحكم الفوضى، وتشرئب أعناق أراذل القوم للمباهاة، وتنخفض هامات الرجال، وتتراجع الأمة وتتأخر عوامل النهضة ومقومات الحياة.
ابان أزماتها، كانت الأمبراطورية الرومانية تسلم مقاليد الحكم الى "دكتاتور جبار"، يتمتع بحريات مطلقة لمدة سبع سنوات.. ترى انها كافية لاجتياز الأزمة. ربما استفادت بعض الأنظمة العربية مما يحكيه التاريخ، فترى أن بقاءها في السلطة كأنظمة ديكتاتورية جاهزة بخبرات طويلة، هو الأجدى لاجتياز أزماتها، أنما بفارق بسيط عما يحكيه التاريخ، وهو أن لا تتمتع بحريات مطلقة لبعض الوقت، أو حتى اجتياز الأزمة بسلام.
كثيرا ما اتسمت الثورات في العالم على مر العصور بوجه يُعتبر جديدا بالنسبة للمجتمع ويغلب بطابعه على المشهد السياسي. ينطبق هذا على الثورة المصرية، ومعها الثورات العربية، بعدما شهدت غلبة النفـَس الإسلامي على شوارعها وفي شعاراتها. أفضى هذا، وبحكم الجراح التي لملمها الجسم الإسلامي، إلى إعطاء الإسلام السياسي فرصته التاريخية لإظهار صورة مشروعه وتقريبه للرأي الداخلي قبل الخارجي. لكن هل من الممكن أن يقف هذا المشروع ؟ وإذا أمكن ذلك، هل لأنه يحمل في ذاته ما ينقضه أم انه يخلق نقيضه نتيجة عن تحركه ؟