تقييم أولي لستة أشهر فبرايرية - يوسف الفتوحي
في تشخيصنا لحالة ميزان القوى الاجتماعي ما قبل 20 فبراير، وبغض النظر عن المعطى الموضوعي الثابت لاستبداد المخزن وفساد نخبه الإدارية والاقتصادية والسياسية وطغيانها، كنا نركز نظرنا على تشتت الحركات الاحتجاجية الشعبية من حيث محليتها وفئويتها، ناهيك عن افتقادها للربط بين المطلب الاجتماعي الفئوي وتأطيره السياسي العام. هذا التشتت وهذا الطابع الخبزي هما بالدرجة الأولى مفعولان للممارسة الكابحة من طرف البيروقراطيات القائدة لإطارات النضال الجماهيري (عن وعي مصلحي أو بسبب انعدام الأفق السياسي)، ولتخلف الوعي السياسي للجماهير المحتجة، وآنية مطالبها، أكانت منظمة أو عفوية. الأمر يتعلق إذن بغياب سيرورات مجمعة وممركزة ومسيسة للنضالات، وغياب قوى سياسية قادرة على، وراغبة في الانغراس في هذه البؤر الاحتجاجية من أجل حفز تلك السيرورات وتأطيرها.
تناقلت وسائل الإعلام بشكل متسارع خبر إبعاد والي المدينة الاقتصادية للمغرب إلى مدينة زاكورة إحدى المدن الصحراوية، بعدما نزلت عليه صاعقة ما يعرف بالغضبة الملكية. السبب كما رجحت بعض المصادر إلى سوء التسيير الأمني الذي شهدته الشوارع البيضاوية في الأشهر الماضية وخصوصا ما تزامن مع الزيارة الملكية الأخيرة للمدينة. الغرض من ذكر هذا الحدث، ونحن في ضوء بعض المتغيرات وتحت ادعاءات الديمقراطية، ان نلامس صورا واقعية، في شكلها العمومي، لمسالة تحمل الأخطاء على حساب المسؤولية المركزية. اي كيف يتم عتاب الكبير بناء على أخطاء الصغير. ومثل هذه المناصب تعرف بحساسيتها الأمنية ووجوب التعامل يقتضي الصرامة واليقظة الأمنية في تحمل الخطوات السابقة لأجل الصالح العام.ما الذي يستفاد من هذه الواقعة..؟ ليس القصد هنا ان نقف وراء الأسباب الحقيقية لقرار الإبعاد بقدر ما هو تساءل نظري للعملية الاقصائية للمواقع ذات الحساسية والمسؤولية الأمنية، كمثال على مسالة الوهم الافتراضي لقضية المعرفة في مثل هذه المواقع، أي المسؤول الذي لا يعرف. كيف ذلك...؟؟
في سوسيولوجيا الإسلام ثمة ظاهرة لافتة، كلما أمعن رمز من رموز الطغيان في تلويث الدين ومسخه إلا وأسرع إلى تشييد أفخم الجوامع وأبهى الصوامع. وليْته قنع بذلك لأنه ليس ممن يعمرونها طويلا، فقصارى ما يبغيه من صنعه تخليد اسمه. لكن حاكم تونس الذي أطاحت به ثورة الشعب لم يقنعه تشييد الجوامع، فتفتقت عبقريته إلى اكتساح أسماء الساحات والشوارع، حتى كادت ألا تخلو بلدة أو مدينة في تونس من تسمية "شارع 7 نوفمبر". لكن لا الجوامع ولا الشوارع أطفأت مكنون الجوارح، فكان البحث عن دكتوراه فخرية من جامعة غربية يتقلدها "باكالوريا ناقص ثلاثة" كما يسميه التونسيون، أي "ختم الدروس الثانوية تنقصها ثلاث سنوات"، وهو المستوى التعليمي الحقيقي لبن علي.
بدخول الدستور الجديد حيز التنفيذ تكون اللغة الامازيغية على المستوى القانوني لغة رسمية للمغرب وفق ما جاء في مقتضيات المادة الخامسة من الدستور والتي اعتبرت اللغة الامازيغية أيضا لغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية التي تظل بدورها اللغة الرسمية للدولة.
لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع و السياسة كلها، و أن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له و استكانوا إليه، و أن يبنوا قواعد ملكهم و نظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية و أمتن ما دلت على أنه خير أصول الحكم" - علي عبد الرازق-
ألم تر كيف فعل الشباب المصري الواعد برئيسه المخلوع ؟ ألم يجعل كيده في تضليل و جعله ، أمام العالم بأسره ، كعصف مأكول ، رهينة قفص حديدي هو و ابناه و ثلة من أعوانه ؟ رئيس استحق كل هذا الذي جرى له ، لأنه باع البلد و خان الأمانة و تحالف مع العدو و حاصر غزة الأبية وأهلها الشرفاء الطيبين . نعم ، لقد شاهدنا ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر : رئيس دولة عربي من العيار الثقيل في قفص الاتهام إ و عشنا ، بالفعل ، مع الحدث غير المسبوق في تاريخنا السياسي العربي و الإسلامي ، عرسا حقيقيا .
"اثنان من الناس اذا صلحا صلح الناس واذا فسدا فسد الناس، العلماء والأمراء"[1]
من حظنا أن نعيش هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية. لا أحد من أهل العلم، من علماء المستقبليات، أو من أهل الكشف والعرفان تصور أو خطر بباله أنه سيحدث ما حصل وبالكيفية التي حصل بها، ولا تخيل البعض شكل السيناريو الذي اتخذه ما حدث. شبهه البعض بزلزال إحدى عشر شتنبر ورأى فيه البعض الاخرمثالا للثورة الفرنسية واعتبره آخرون وجها بديلا للثورة الإسلامية الموعودة... وما الى ذلك. تعددت النعوت وتلونت التصنيفات وتضاربت التفسيرات. لكن كيف حصل ما حصل؟ ومن يجرؤ على فهم وتفسير ما حدث؟ من يدعي أنه يمتلك مفاتيح سرية ذلك الحدث ؟ أمن قدر العربي الشريد أن ينتظر لحظة رؤية الجسد المحترق وتزكم أنفه رائحة اللحم الآدمي المشوي حتى تستيقظ أدميته ويستنفر هممه للصراخ في وجه جلاده؟ ومصير جلاده ومطارده أن لا يكتفي بمص دمه ويستميت في إهانته بل يكشر عن أنيابه ويستنفر عتاده ليطارد ظله في السراديب ويقتفي آثره في فيافي التيه. قدر الضحية وأقنعتها، الضحية الذي استطاب عبوديته الطوعية واستكان لخدمة المحراب يقدم طقوس الولاء والطاعة ولو سولت له نفسه يوما التمرد فإن سدنة المعبد يتربصون حركاته وسكناته ويتفننون في سياسة ترويضه ورده إلى موطنه الأصلي ترغيبا وترهيبا و تأديبا. فهل من سبيل لفك رباط هذا العقد الأزلي؟ وهل في إمكان ما حدث أن يخلخل بنية ذلك العقد؟ يحتاج المرء أمام حدث من هذا القبيل إتقان فن الإصغاء والتروي للظفر بوميض يسمح باقتحام عالمه المجهول و باكتشاف خصوصيته....
ان نجاح الثورة يعني أن النظام السياسي الذي كان موجودا فقد كل معقولية وأصبح أمرا لا يطاق بالنسبة الى الجيل الجديد وأن معقولية أخرى بصدد التشكل وأن الفئة الشابة هي وقودها المركزي ومنارتها البارزة"[1]
كثيرة هي التساؤلات حول الوضع الحالي في الوطن العربي، وكثيرة هي التداخلات والمتشابكات داخل حقل الخصوصيات الجغرافية والسياسية، وكذلك التاريخية في شكلها الخاص. لكن وبما أن الواقع يتكلم بلسان حاله، فلا يمكننا إلا أن نستمع ونصغي إلى كل كلمة تقولها أيامه. فما يحدث وما سيحدث يعد منعطفا تاريخيا في الجغرافيا السياسية، إن لم نقل الإنسانية... فالعالم العربي اليوم يعيد صياغة أنظمته من داخل نسقه الشمولي، ويصلح تركيبته انطلاقا من الامتداد الأفقي الجزئي لتشمل بناءه العمودي الشمولي. مما يساعده ذلك في انتشار عدوى التغيير وكذلك الرغبة في تبني الإصلاح.
يقول مشيل فوكو في كتابه المراقبة و المعاقبة : " الجنوح وسيلة للاشرعية تتطلبها ممارسة السلطة بالذات، فان الاستخدام السياسي للجانحين بشكل مخبرين و محرضين كان واقعا قائما حتى قبل القرن 19، ولكن بعد الثورة الفرنسية 1789 اكتسبت هذه الممارسة أبعادا أخرى مثل : نسف الأحزاب السياسية و التجمعات العمالية من الداخل، و تجنيد العملاء ضد المضربين و الدعاة الى العصيان، وتنظيم بوليس ــ تحتي ــ يعمل بالتنسيق المباشر مع البوليس الشرعي، و مؤهل ــ عند اللزوم ــ لأن يصبح جيشا موازيا "