الاسلام والنهضة الاجتماعية ـ برهان غليون
إن المشكلة الحقيقية التي يطرحها الفكر الاسلامي في العصر الحديث ليست الاهتمام بالسياسة ، فهذا الاهتمام من علائم النهضة الاجتماعية الحديثة عامة. انها تكمن ، بالعكس ، في الخلط بين الأهداف الدينية والسياسية ، وبالتالي العجز عن التمييز، ثم الاختيار، بين الوسائل والقواعد والتقنيات المختلفة المرتبطة بممارسة هذين النشاطين الاجتماعيين الاساسيين ، ولعل نمط السياسة الرسمية الذي ساد في العقود القليلة الماضية في المجتمعات العربية ، والذي يجعل من العمل السياسي منطقة محرمة من جهة، وضعف الجهد التجديدي في الاسلام المعاصر من الجهة الثانية، هما العاملان الرئيسيان المفيدان في تفسير هذا الوضع . ومن هنا يتوقف نجاح الفكر الاسلامي الحديث في تجاوز تناقضاته ولعب دور ايجابي في إعادة بناء الدولة والمجتمع السياسي على قدرته على الحسم في طبيعة نشاطه الجوهري وأهدافه الرئيسية ، والطرق والوسائل العملية لتحقيقها.
والمسألة الأولى التي يجب التأكيد عليها في محاولة تجاوز الانقسام والنزاع في الدين والشريعة والسياسة ،.. هي التمييز بين الاسلام كجماعة ودين من جهة ،والحركة الاسلامية كفريق سياسي يجتهد في تفسير الواجبات الدينية وتأويلها تأويلا سياسيا من جهة ثانية . ان من الاخطاء الكبرى ان يعتقد الإسلاميون مثلا ان الانتماء الى الاسلام لم يعد اليوم ممكنا إلا بالانتماء...
في أعقاب تواري البابا جوزيف راتسينغر، أكان ذلك جراء إقالته القسرية أو بموجب استقالته الطوعية، اتخذت الكنيسة الكاثوليكية منحى مغايرا في التعاطي مع العديد من القضايا. لم تعد الصورة الإعلامية المروَّجة للبابا الجديد صورة ذلك الفيلسوف المتجهّم الذي يقارع فطاحلة الفلسفة (حوار راتسينغر مع هابرماس)، ولا صورة ذلك المتهجّم على الأديان الجامحة (قدح راتسينغر في الإسلام في راتيسبونا)، ولا أيضا ذلك المشهِر سيف الحرمان في وجه كل من تسوّل له نفسه بشقّ عصى الطاعة عن روما (حِرْم لاهوت التحرر في أمريكا اللاتينية). غدا البابا في نسخته الجديدة بشوشاً وديعاً عطوفاً، متقفّيا أثر البساطة الإنجيلية؛ لكنها بساطة تبدو رهينة الميديا ومن صنعها، ما قد يضفي على ذلك المسلك طابع الرياء، الذي طالما حذّر منه المسيح (ع) في تقريعه للمرائيين.
- مفهوم الدين
يؤمن علماء اللسانيات الاجتماعية بنظرية اتساع اللغات وانقسامها، وتقول كتبهم أن كل لغة تتوسع في مساحة انتشارها واختلاطها بأكبر عدد من اللغات يعرّضها للانفجار والانقسام إلى لهجات. ويقول الكاتب الفرنسي لوي جون كالفي في كتابه سوق اللغات أنه "كلما اتسَعت المساحةُ التي تنتشر فيها لغة معينة أصبحت اللغة أكثرَ قابليةً لكي تنقسم إلى لهجات". ويبدو هذا الرأي أو القاعدة عند اللسانيين هو ما يجعل التخوف واردا عند بعض اللغويين العرب تجاه ما يمكن أن يحدث للغة العربية. وهو تخوف مشروع نظرا لما آلت إليه اللغة اللاتينية في العصور الأخيرة، حيث انقسمت داخليا إلى لهجات تحولت فيما بعد إلى لغات مستقلة عن بعضها، وأضحى الفرنسي أو الإسباني أو الإيطالي المعاصر يصعبُ عليه قراءة نصوص القرن 15 الميلادي وما قبله.
في سياق التعريف بقضايا التاريخ الجديد، ومنهج التاريخ الشامل ،وعلى هامش صدور الأجزاء الأولى من الموسوعة التاريخية الضخمة "تاريخ وحضارات"، قامت يومية le monde الفرنسية بنشر حوار فكري، بعمق تاريخي متميز مع المؤرخ "جاك لوغوف"J.LE GOFF ،أحد رواد التاريخ الجديد، والذي يشتهر عالميا بتخصصه كمؤرخ وسيطي، من مؤلفاته الحديثة "العصر الوسيط ،والبحث عن الزمن المقدس"(2011) و"العصر الوسيط، تفسير بالصورة"(2013) ،"هل ينبغي حقيقة تفكيك التاريخ إلى قطع؟"(2014).
مقدمة :
ثلاث مراحل تميّز التاريخ العربي الحديث : عصر النهضة ، الممتد من القرن التاسع إلى عام 1952، كما يرى البعض، أو إلى هزيمة 1967، كما يرى بعض آخر، أكثر موضوعية. تلته حقبة «دولة الاستقلال المتسلّطة»، التي أسّست لصعود «الصحوة الإسلامية». زامنت ««الصحوة» ، ومن منظور مختلف، اقتراحات ثقافية متنوعة، تبدأ بأسئلة المثقفين وتنغلق عليها.
لقد كان المجتمع المغربي قبل الحماية يعتمد في معاملاته اليومية و في تدبير شؤونه المختلفة على نصوص دينية مقدسة، وكانت هي النصوص المسموح بدارستها إلى جانب النحو والبلاغة، وكانت العلوم العقلية من تاريخ وفلسفة وكيمياء وفلك لا تجد مكانا ضمن اهتمامات علماء وطلبة القرن التاسع عشر، وشكلت هزيمة ايسلي وما تبعها من اتفاقيات ومعاهدات صدمة للمغاربة أدركوا معها مقدار البون بينهم وبين الأوربيين ، فكان ذلك مدعاة للتساؤل من طرف نخبة ذلك العصر .
مقدمة: