زكي نجيب محمود وإخفاقات النهضة العربية ـ إبراهيم مشارة
إن المأزق الحضاري الذي وقعت فيه الأمة العربية منذ سقوط بغداد على يد المغول سنة 656 هـ/1258 م ودخول الأمة عصر الظلمات وما انجر عن ذلك من تردي الأوضاع السياسية، وتقهقر الحياة الاجتماعية، وأكثر النواحي التي تتجلى فيها الأزمة هي الناحية الثقافية. لقد كفت الأمة عن الإبداع واكتفت بثقافة الاجترار وشاعت ثقافة المتون والحواشي والتعليقات، وفي خضم هذه الأزمة غيب العقل وكف عن آداء مهامه، واكتفى المسلمون بالتقليد في حياتهم الدينية، وكفوا عن النظر إلى الطبيعة لإدراك أسرارها واستجلاء نواميسها وترويضها لمصلحتهم واستعاضوا عن ذلك كله بالنظر في الكتب القديمة وكأنها الكلام الذي لايعلى عليه، والثقافة الحقة.
وترتب على ذلك أن لازمتهم عقدة نقص إزاء الماضي ورموزه فهو الكمال وهم النقص وهو الحقيقة وهم الباطل، وحتى الأدب الذي هو مظهرمن مظاهر النشاط الفردي البحت حيث يعبر عن الإنسان – خاصة في الشعر- عن "أناه" دخل في الركاكة والإسفاف في القول، وأهمل المضمون لحساب الشكل، وأصبحت الكلمة المأثورة عن ابن العميد في التزامه السجع، وهي لو أنه رأى سجعة تنمق كلامه للزمها ولو تزلزل المشرق والمغرب ، وقد أصبحت هذه الكلمة مثار إعجاب الناس وتقديرهم، وهي لعمري ميزة من ميزات الرداءة وسمة من سمات الانحطاط. وزاد الطين بلة انتصار الغزالي في سجاله وجداله مع ابن رشد – وهو انتصار...
من غير الممكن إغفال دور الثورة الفرنسية في سيرورة تطور الفكر الليبرالي ؛ فهي الحدث الذي تتوج بالظهور المميز للدولة الحديثة وصحيح أن البنية الليبرالية للدولة التي حرّرت الاقتصاد من قيود التوجه السياسي لم تدم طويلاً إذ تطلبت الحروب النابليونية تشديداً للمركزية ولكن هذه المركزية استطاعت تكريس مفهوم المواطنة بفصلها عن توزيع السلطة السياسية وجعلها دالّة للإقامة في اقليم الدولة ، ولم تفض المركزية الى وأد الإنجاز الأهم للثورة ، وهو الفصل الرسمي للسياسة عن الاقتصاد .
تشير الدراسات التي اهتمت بالعلاقات في الحوض الغربي للبحر المتوسط بين دول الغرب المسيحي وبلاد المغرب - مع نهاية العصر الوسيط وخاصة منذ القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي - إلى أن الأوربيين احتكروا العمليات التجارية التي كانت تجرى في هذا الحوض. ويرجع السبب في ذلك إلى تفوقهم البحري وقوة أسطولهم، في حين كان الحضور المغربي في الضفة الشمالية من البحر المتوسط، لا يعدو أن يكون مبادرة فردية محتشمة(1).
ما الذي يجعلني أقيم تشابهاً، غموضه أكثر من وضوحه، بين شيخ نجيب محفوظ في روايته «اللص والكلاب»، الثابت في لغته ومكانه، والكاتب اللبناني محمد دكروب، الإنسان الدنيوي الذي يدافع، منذ ستة عقود، عن أفكار اقتنع بها، واقتنع أكثر بدفاعه عنها ؟ يقوم الجواب المجزوء في رضا القلب والعقل، وفي خيار إنسان وضع مرجعه داخله، يستدل بآثار الذين اقتنع بهم، ويعيّن نفسه دليلاً لنفسه، معترفاً بما هو خارجه، ومعترفاً بما يمليه عليه قلبه وعقله. كأن دكروب يقول: من عيّن ذاته دليلاً لذاته لا يضل الطريق. ولعل هذا الرضا الطويل ، الذي يعاين تغيّر الأزمنة ولا يرتعب منه، هو الذي جعل روح دكروب واضحة في وجهه، حاله من حال شيخ محفوظ، الذي يرى إلى مثال أخلاقي بعيد، ويؤمن بتحققه.
استطاع عبد الكبير الخطيبي قراءة الجسم العربي من خلال موروث الثقافة الشعبية، جاعلاً من الموروث الشعبي المغربي نموذجاً لهذه الثقافة العربية. فاعتمد على التحليل العقلاني والنقد البناء، حيث نقد النظرة اللاهوتية للجسم العربي من ناحية، ونقد المقاربات الإثنولوجية التي تتعامل مع الثقافة الشعبية تعاملا خارجيا ومتعاليا من جهة أخرى. إذن فالعمل الذي قام به الخطيبي يميزه هذا "النقد المزدوج"؛ أي نقد موجه للذات عبر أمثالها وحكاياتها الشعبية، وتبيان أهمية هذا التراث، ثم نقده للمركزية الغربية التي تهمش الآخر جسداً وفكراً.
يتساءل الباحث أول وهلة عن الفرق بين المرسى والميناء، وخاصة عندما يجد المصادر العربية تستعمل كثيرا مصطلح مرسى للدلالة على الميناء، ويبدو أن أهل بلاد المغرب والأندلس استعملوا لفظة مرسى أكثر من غيرهم(1)، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن الميناء يظهر أول الأمر مرسى ثم تطرأ عليه تطورات تقنية وإنشاء فيصبح ميناء، كما أن أغلب الرباطات البحرية تحولت إلى مراسي(2)، ونظر لأهمية هذه الرباطات في أمن الموانئ والمراسي فإن السلطان المريني أبا الحسن قام بإنشاء عدد من المحارس والأبراج من :«مدينة آسفي وهي آخر المعمورة إلى بلد الجزائر، جزائر بني مزغنان آخر وسطى المغرب وأول بلاد إفريقية»(3)، قصد توجيه السفن في عملية الحط والإقلاع، أو لتحذير المراسي بعدو طارئ، وقد أقيم في عهده من المناظر والمنارات ما لم يقم مثله في عصر من العصور، على مسافة قدرت بمسير القوافل فيها مدة شهرين حتى إذا ظهرت سفينة تقصد بلاد المغرب إلا والتنيير يحذر كل أهل السواحل(4).
يعتبر ويليام ماركيز (1930) أول من وضع مصطلح الازدواجية اللغوية٬ مقترضا ٳياه من الحالة اللغوية اليونانية و القسم الألماني من سويسرا٬ حيث يتم التمييز بين العامية بوصفها لغة تستعمل لغرض تواصلي مقابل الفصحى ذات الوظيفة الكتابية. و يطلق شارل فرجسون (Ferguson charles ) على الفصحى النمط العالي بينما يطلق على العامية النمط الدوني. و يعكس النمط الأخير موقعه داخل الجماعة التي لا تحترمه واصفة ٳياه بنعوت حقيرة٬ بينما يحتل النمط الأول مرتبة رفيعة كتراث ثقافي و ديني.
التحفة هي الشيء الثمين النادر الذي يبقى خالدا ويدوم ذكره على مر الأزمنة والعصور. وقد كان ابن بطوطة على وعي بهذه المسألة لمّا سمّى رحلته: "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار". لتكون بذلك تحفة للناظرين ومقصدا لمن يبحثون عن عجائب وغرائب البلدان التي ظلوا يسمعون بها ولا طاقة لهم لرؤيتها، أو لمن يريدون حديثا عن بلدان لم يسمعوا بها قطُّ. فغرائب الأمصار هي السبل الغريبة عن المتلقين، وعجائب الأسفار هي تلك الأخبار والقصص العجائبية (الفانتاستيكية) التي تثير استغراب المتلقين مما رواه ابن بطوطة. وإذا كان رحالتنا قد زار سبلا وبلدانا غريبة لم يصلها رحالة مسلم قبله، فإن هذا المقال المتواضع يسعى إلى تتبع بسيط لأهم الأماكن التي زارها وعاش فيها، وتعايش مع أهلها.. وقبل ذلك؛ لا بد من إطلالة على ابن بطوطة ونشأته، ثم عن مستواه العلمي والأخلاقي. حتى تكون حجة ضد الذين يشككون في وصول ابن بطوطة إلى هذه الأماكن، وينفون المصداقية عن الأخبار التي ذكرها.
سرت العادة في التفكير الكلاسيكي بأن يسند مقول القول ٳلى صاحبه انطلاقا من البداهة الظنية االمتمثلة في سيادة الاعتقاد القائل بأننا نؤلف وحدة ما نقول حين تلفظنا٬ آخذين على عواتقنا فعل التأليف. غير أن التطور العجيب الذي شهدته العلوم الٳنسانية منذ أزيد من قرن٬ أفضى ٳلى تناسل اتجاهات تحظى بشرف السبق و الاستئتار في وضع اللبنات التأسيسية و تخطيط الٳجابات الواعدة للغة المحملة بالقصدية و البعيدة تمام البعد عن معاني المعاجم لتحتضن دلالات المتكلمين. ففي ٳطار السعي الحثيث لصك نظرية تتجاوز التصور الذاتي الذي يروم نحو مقام الإفصاح عن فرادتنا حينما نتكلم٬ برزت تصورات ترمي تفكيك هذا الوهم ببيان أنه ربما يوجد في كل ما نقول أصوات عديدة٬ بل ٳن الملفوظ نفسه قائم على جمهرة من الأصوات؛ صوت المتكلم و صوت القائلين الذين يعبرون عن وجهات نظرهم من خلال التلفظ المتكئ على جريان أشكال لغوية لا يمكن أن تزداد دون أن تتغير طبيعتها بين متكلمين يعيشون في مجتمع ما. فالمعطى التصوري للملفوظ لا ينحصر في كونه نسقا منتظما محكم التناسق و ٳنما حوار بين ملفوظات مختلفة.