النسق الهوياتي-الثقافي العربي ـ البوعيادي محمد
" الثقافة هي ما يتبقى عندما ننسى كل شيء"
بمعنى أن الثقافة هي ذلك العنصر الكامن وراء العقل المكوًّن ، أي إنها تلك الخلاصات الرابضة بالذهن و التي تشكل المفهوم العام للثقافة بعيدا عن أي تخصيص ، و العرب مثلهم مثل كل أمم العالم لديهم ثقافة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ و الزمن ، بدء مما سمي " العصر الجاهلي" إلى يومنا هذا و امتدادا في الزمن الحاضر و حتى المستقبل ، و ثقافتهم هذه لا يمكن رصدها بعيدا عن إبداعاتهم [ فكرهم \ شعرهم \ بلاغتهم \خطابتهم \ دينهم.....] أو عن ذكرياتهم و تصوراتهم ، فتعريف الثقافة يشمل عدة عناصر تشكل هوية الأعرابي أيا كان و أينما كان ، و لعل تعريف الأستاذ الجابري يلخص هذه العناصر المكونة للثقافة بشكل عام : " الثقافة ذلك المركب المتجانس من الذكريات و التصورات و القيم و الرموز و التعبيرات و الإبداعات و التطلعات التي تحتفظ لجماعة بشرية بهويتها الحضارية في إطار ما تعرفه من تطور بفعل ديناميتها الداخلية و قابليتها للتواصل و الأخد و العطاء، و بعبارة أخرى الثقافة هي المعبر الأصيل عن الخصوصية التاريخية لأمة من الأمم ، عن نظرة هذه الأمة للكون و الحياة و الموت و الإنسان و مهامه و قدراته و حدوده و ما ينبغي أن يعمل و ما لا ينبغي "فكر و نقد ، عدد 2 ص (5-6) 1998
و لعلنا نستطيع وفقا لهذا التعريف أن تستقي بعض المكونات الثابثة في كل ثقافات العالم لنقيس عليها الثقافة العربية و نحدد مكوناتها الداخلية التي تشكل النسق بدء
عوّدتنا الآية الإنجيلية الشائعة على الألسن "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله" على استبطان حكم مسبق على دور الدين والمؤسسات الدينية المسيحية في الحراك السياسي. والحال أن المسألة السياسية في الفكر المسيحي، بالغة التبدل والتنوع، وفق الأوضاع الاجتماعية والظروف المحيطة. لذلك تشهد بعض الفضاءات المسيحية تطورا لافتا للاهوت السياسي وللعمل السياسي في حين يخفت في غيرها. وليست بلاد المشرق العربي بمنأى عن هذه الجدلية الشائكة بين المسيحي والسياسي، التي سنحاول النظر إليها من خلال واقع الكنائس السورية والحراك الثوري السائد.
"نحن لسنا محتاجين لتحسين الصورة لديهم، هم من يحتاجون لتحسين صورتهم، نحن ضحاياهم، نحن القتلى وهم القتلة، نحن المصابون، وهم من أشهروا في أوجهنا السلاح..، تاريخيا هذا الكلام...، صورتهم أكثر قباحة وأكثر قتامة تاريخيا"
ما أنفك البحث عن حقوق النساء في المجال السياسي موضع جدل بين دعاة الدين ودعاة الحقوق المدنية يتصاعد بين فترة وأخرى مثيراً زوبعة من النقاشات الحادة حول قضية النساء ودورهن في المجتمع وإمكانية توليهن مناصب سياسية عليا في منظومة الدولة المعاصرة وهو أمر لا غبار عليه إذا كان ضمن سياق العملية الديمقراطية وتجربتها في إطار النظام العلماني ومنظومته الفكرية لكن المشكلة التي تواجه مثل هذه القضية عبر طرحها الايديولوجي هي حينما يحاول البعض إيجاد جذر تاريخي لقضية المرأة ضمن منظومة التراث الإسلامي في محاولة لإثبات تلك القضية كما لو أنها جزء مهمل من تاريخنا أو أنها ليست وليدة العملية الديمقراطية كما هي في تاريخنا المعاصر.
من الطبيعي أن تتواصل في الساحة المشرقية، حتى أيامنا هذه، تحالفات ذيول بقايا الكنائس الرسمية مع مغتصبي السلطة، وقد ربط رجالاتها مصيرهم بمصيرها وقدرهم بقدرها. غير أن ما بُني على باطل فهو باطل، فالمسيحية السمحة باقية وكنائس الأنظمة إلى زوال.
أحيانا تلزم العادة أو الممارسة العفوية الإنسان أن يمارس في حياته أشياء هامة , وذات قيمة عالية بل ضرورية ,انه لا يأبه إليها , ولا يكترث إلى ما تكتنزه من أهمية كبيرة , وفائدة جليلة . ومن هذه الأشياء التي يعيشها الإنسان, بل يحيا بها, السؤال، ولم لا, وهو أي الإنسان, كائن سائل ، و متسائل. إذ بهذه الصفة تتأكد ادميته , و بالسؤال أيضا يتأكد وجوده الاجتماعي , القائم على التفاعل المؤدي إلى الانصهار مع قومه وعشيرته . كما يثبت أيضا وجوده الفكري ، باعتباره ذاتا مفكرة , تتفاعل فكريا عبر التأثير و التأثر لبناء الثقافة . بهذا التعبير البسيط , البعيد عن الحفر العميق , تتجلى بنية السؤال , ومدى أهميته بالنسبة للإنسان في ارتباطه بذاته أولا , و بغيره ثانيا , و بمحيطه المادي الوجودي , ثالثا. فما المقصود بالسؤال , إذن ؟
إن الجاحد هو الذي ينكر غنى المجال الثقافي المغربي في تاريخنا العقلي والذهني والكتابي والشفاهي، وعلى جميع المستويات التعبيرية والتواصلية، وهذه تشمل العديد من الألوان والأشكال والأجناس والفنون... ولم يعد ممكنا الاستمرار في إهمال كل التنوع الثقافي المغربي بدعوى أن أصحاب نوع ثقافي ما هم أقلية أو هم قاصرون عن تكريس ثقافتهم ولغتهم على أرض الواقع بكل تجلياتها المختلفة، أو أنهم لم يجمعوا على نسق ثقافي ولغوي ولساني واحد يستطيعون من خلاله إقناع الآخرين بأطروحاتهم... فحقيقة التنوع الثقافي وترسيمه دستوريا وواقعيا هي عكس كل هذه الادعاءات الفارغة شكلا ومضمونا .
شكلت القضية الثقافية واللغوية إحدى القضايا الكبرى في التاريخ المغربي المعاصر ذلك أن النقاش حولها كان دائما محتدما بين اغلب الفاعلين السياسيين وعلى رأسهم الفاعل الحزبي، وقد وظفت اللغة بمعناها الإيديولوجي كإحدى القنوات المستعملة لتكريس النخبوية من جهة واستمالة الجماهير من جهة أخرى وهكذا وان اختلفت المنطلقات والمرجعيات الإيديولوجية فان التعامل مع مفاهيم اللغة الوطنية، واللغة القومية، والخصوصية المغربية لم يختلف كثيرا في أدبيات الأحزاب المغربية.
ليس من الحقّ في شيء ربط زخم الثورات العربية المتصاعدة اليوم، من حيث آثارها وتداعياتها، بالفتنة الطائفية، أو بأنها مدخل من مداخل محنة تتربّص بالمسيحيين العرب. فما قامت هذه الثورات، في جانب منها، إلا طمعا في استعادة روح كائن مقهور سليبة. فالمسيحي العربي مستلهِما سيرة مخلّصه، يأبى أن يكون خارج هذا الثوران الاجتماعي، ويتعذّر أن يبرأ بنفسه ليغدو نائيا فوق الربوة، وهو الذي ذاق من كأس التعفن البنيوي لواقعنا مرارا، هذا الواقع الذي لم يبق أمل في إصلاحه إلا بالتحريض عليه.
هل كانت نظرة ستالين قاصرة، يوم تساءل هازئا من عدد الوحدات العسكرية التي بحوزة البابا؟ إذ ذهب الاتحاد السوفييتي وبقي الفاتيكان. الظاهر أن ستالين كان كلفاً بالقوة الجارحة وغافلاً عن القوة الناعمة التي تملكها الكنيسة الكاثوليكية، وربما كانت الأيام كفيلة بالإجابة عن سؤاله.