جامعة الزّيتونة.. العقل الديني التونسي المستقيل ـ د. عزالدّين عناية
في خضمّ بحث العقل في الفضاء الإسلامي عن اكتشاف سبل الانبعاث الحضاري، يجدر الالتفات للمؤسّسات العلمية، الدّينيّة منها بالأساس، في ما أنتجته وما تنتجه من وعي ورؤى ومفاهيم، وتمعّن مثلّث: المحتوى المعرفي والمنتِج المعرفي والخرّيج العلمي. ومن ثمّة تبيّن الدور الحضاري-المعرفي للمؤسّسة، في فضائها العائدة إليه بالنظر والمرتبطة به. سيكون اهتمامي بالجامعة الزيتونية في هذه الدّراسة لاعتبارين أساسيين: لما ربطتني من وشائج قربى واقتراب بالمؤسّسة، حيث لازمتها طيلة مراحل التكوين الجامعي بين ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي؛ ولانشغالي بالظاهرة الدّينية في حقلها الإسلامي وفي مجالها العالمي الموسّع في علم الأديان. ولم يقتصر بحثي على تناول الزّيتونة في حدّ ذاتها بل تطلّع إلى ربط المؤسّسة بالصيرورة التاريخية التطوّرية العامة، لما شكّلته من آلة يُقاس عليها واقع حال عقل كتل بشرية بمجملها.
للجسد في مختلف الثقافات البشرية تمثلات أنتربولوجية و إثنية خاصة من جهة ، كما له تمثلات روحانية صرفة ترتبط بخاصيات الثقافات المحلية و بالخطابات العرفانية من جهة أخرى، و لا تختلف في ذلك المجتمعات " المتقدمة" عن المجتمعات " المتخلفة" ، فحتى الثقافة الغربية لا تملك على هذا المُستوى أي تصور عقلاني يميزها عن المجتمعات " البدائية" {1} .
(Qui n,en connaît qu,une n,en connaît aucune )
التاريخ هو مجموع الأحداث و الوقائع الماضية التي أنتجها الإنسان و هو يمارس حياته الاجتماعية، و السياسية و الاقتصادية و الفكرية، بدون ادراك منه أن أنشطته الآنية ستتحول مع مر الزمن إلى تاريخ . إنه الثابت أو القاعدة التي تحكم الإنسان في كل مجتمع من المجتمعات الادمية ، لتمثل بذلك ثابتا كونيا. و من هذا المنطلق يمكن القول أن الإنسان كائن تاريخي، ينتج التاريخ و يصنعه، و يستهلكه في نفس الآن .
يبحث الكتاب في العلاقة بين العالم والسلطان وما يترتب عن هذه العلاقة من مهادنة ومنافسة تارة، وموالاة وصراع تارة أخرى. وذلك كله من خلال تواردهما على المصادر الأصولية والمقاصدية.
الثقافة بإجماع المختصين في العلوم مفهوم واسع يشمل ذلك الكل المعقد الذي يتضمن المعرفة و المعتقد و التراث و الفن و الأخلاق و القوانين و العادات الاجتماعية و إذا ما عدنا إلى الأصل اللغوي و الثقافة و التثقيف فستجد معنى التقويم : ثقف الرمح أي قومه و هذبه و الإنسان أدبه وعلمه أما الأخلاق فهي التلقيف بمعنى التهذيب و التأديب و اكتساب النفس الفضائل التي هي أهل لها جاء عند الفيروز أبادي ( 1415هـ، ص. 132) " رجل مهذب : مطهر الأخلاق .". كما جاء في ( المعجم الوجيز 1400 هـ،ص. 647): " و هذب الصبي رباه تربية صالحة خالصة من الشوائب " فنرى إذن أن الثقافة و الأخلاق متلازمان بل إن جوهر الثقافة هي الأخلاق و كل المظاهر الروحية فيما كانت معقولات أو حكمة أو إيمانا أو علوما أو جماليات أو حقوقا كونية كحقوق الإنسان بما فيها الحقوق الثقافية التي لا تصطدم مع الهوية الإنسانية ، و هذا ما يدركه حتى العامي من الناس. ألا ترى أحدهم يقول عمن يسلك سلوكا مشينا و همجيا :" إنه ليس بمثقف". أي هي أقرب لحال الطبيعة المتوحشة والغرائز الهوجاء
على نقيض الدكتاتورية التي تحنّط المجتمع ثم تنفث في رفاته إيهاما بأنه حيّ يرزق، تختزل الثورة تاريخه وتؤجّج حراكه. من هذا الباب يبدو وضع الدين في تونس الراهنة جديرا بالمتابعة. فقد شهد مجال التديّن والمقدّس تحولات هائلة قطعت مع ما ساد سلفا. انتقل فيها التعامل مع الشأن الديني من التسيير والتوجيه والاحتكار، عبر هياكل الدولة النافذة: وزارة الشؤون الدينية، المجلس الإسلامي الأعلى، مؤسسة الإفتاء، الجامعة الزيتونية، وزارة الداخلية، إلى ضرب مغاير كليا، يماثل ما يطلق عليه علم الاجتماع الديني الأمريكي "تحرير السوق الدينية".
ظاهرة "الاستشراق" عموماً، والفني منه خصوصاً من أكثر الظواهر الثقافية والتاريخية والسياسية، مدعاة للتأمل والدراسة، وإثارة للجدل. ظاهرة "قديمة/ جديدة" لها من عمر الزمان قرون، ولمّـا تنتهي "جدليتها" بعد. فلقد أعاد"الاستشراق الفني" طرح نفسه بقوة، كما أُعيد صياغة الأسئلة المتعلقة به، وتسليط الأضواء عليه من خلال تواتر الأحداث والمؤتمرات والكتابات.