"نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم" : دراسة علمية جادة ـ عز الدين عناية
مؤلَّف "نحن والمسيحية" هو عبارة عن خلاصة تجربة بشأن الآخر، عاشها الكاتب بين مؤسستين وثقافتين، نعني بمؤسستين جامعة الزيتونة وما تزخر به من عراقة علمية، وقد سبق للكاتب أن التحق بها في بداية تحصيله العلمي، والجامعة الغريغورية بروما، التي أكمل فيها دراساته في إيطاليا، وهي الجامعة التي تخرج منها كبار كرادلة الكاثوليكية وبابواتها.
لذلك يأتي الكتاب تأملا في ثقافتين وفي دينين. من ناحية تحديات العقل المسيحي الغربي للثقافة الإسلامية، وللواقع العربي المأزوم بمسيحييه ومسلميه، ومن ناحية أخرى غوصا في المسيحية فكرا ومؤسسات، مبينا أزماتها البنيوية التي ترافقها حتى الألفية الثالثة.
مقدمة :
"الربيع فصل الغرس"
جهاد , نساء محجّبات,أزمة رسوم ساخرة,رفض للاختلاط... شيئا فشيئا يتزايد عدد الغربيّين الذين يشكّكون في قدرة الإسلام على التوافق مع قيمنا الدّيمقراطيّة . فهل ستكون الكلمة الفصل للأصوليين الذين ينكرون في الدّين كلّ إمكانيّة للتطوّر؟ يرفض مالك شبل هذا المصير . ففي كتابه "الإسلام والعقل"( Perrinبرين) ُيبيّن المحلّل النّفسي و عالم الانتروبولوجيا المسلم كيف يبرهن الإسلام عبر الماضي على قدرته للتزاوج مع أفكار الحداثة. وبفضل هذا الإرث فإنّ المولود الأخير من الدّيانات التوحيديّة الثلاث يستطيع أن يتحمّل الإصلاح من وسط الجسم و دون إدّعاء واهم كما يؤكّد ذلك مالك شبل.لكن هل هذا المسار الحرج ممكن؟ أيظلّ الإسلام "الذي وقع تحديثه" إسلاما؟ هنا مكمن الصعوبة كما يردّ جون بول شارناي (Jean Paul Charnay) رئيس مركز فلسفة الإستراتجيّا في السربون. يذكّر مؤلّف كتاب"الشريعة و الغرب" وهو باحث في الإسلاميّات من الدرجة العاليّة كيف يشكّل التشريع القرآني و لا يزال المجتمعات الإسلاميّة و مخيالها. إنّه لقاء ودّي بين مفكّريْن حيث يدلّ الإسلام على حقيقتيّن مختلفتيْن تماما. فلماذا يبدو الإسلام عصيّا على"الانصهار" في الحداثة الديمقراطيّة؟...
تتطلب الكتابة التاريخية توافر المادة التاريخية و الالتزام بمنهج البحث التاريخي ، كما تتحدد نوعية مواضيعها و قيمة مضمونها العلمي انطلاقا من الإشكالية التي تطرحها و مستوى مؤهلات الباحث الذي يتعامل معها . لذا فإن إعادة تصور الماضي كما وقع عملية متعذرة لطبيعة المعرفة التاريخية التي تتحكم فيها مواصفات الحادثة التاريخية التي ننشدها و نسبية الحقيقة التي نبحث عنها و مستوى الموضوعية التي نحاول الالتزام بها و جدلية الحركة التاريخية التي نحاول تلمسها و التعبير عنها .
بمنأى عن التفسير "الباطني" في نشأة الحركات الإسلامية، الذي راج أو رُوّج بشأن حالتي مصر وتونس، باختزال ظاهرة بالغة التعقيد وردّها إلى أفاعيل نظامي السادات وبورقيبة، قصد صدّ التيارات اليسارية؛ ثمة بنية اجتماعية وفكرية جامعة انبثقت منها جلّ الحركات الإسلامية السنّية، في مشرق البلاد العربية ومغربها. مثلت فيها حركة الإخوان المسلمين في مصر وامتداداتها في بلاد الشام، الإطار النظري والأنموذج العملي المحتذى من قبل العديد من الحركات الفرعية. حيث يلوح ظهور تلك الحركات بمثابة ردّ فعل على مستجدات مفصلية داهمت الحواضر العربية مع مطلع القرن الفائت، على غرار: الوهن الذي دبّ في مؤسسة الخلافة وفي أطرافها، وزحْف الأنموذج الغربي على نمط الحياة وتهديده للسائد والمتوارث من الأعراف والعوائد، وافتقاد رؤية سياسية للإسلام الحديث في أوطان غدت رهن مشيئة الاستعمار.
ما فتئ النظر في الواقع الديني في تونس موسوما بطابع دعائي إيديولوجي، وهو عائد بالأساس إلى تردّي الثقافة العلمية بشقّيها السوسيولوجي والأنثروبولوجي، الغائبة عن رصد الحقل الاجتماعي وما يمور به من تحولات مستجدة. ليحضر بدل ذلك حكمٌ أكاديمي جاهز تعجز أدواته البالية عن كنه التحولات الاجتماعية، إلى جانب موقف فقهي تقليدي ومحافظ يرى المشروعية في ما وجدنا عليه آباءنا، دون إعارة اهتمام لقاعدة تبدّل الأحكام بتحول الأزمان. والحال أن هناك تعبيرات دينية قديمة ومستجدّة في الواقع التونسي ترفض الوصاية المذهبية المالكية، ما انفكت تعاني الطمس والقمع وتبحث بجهد جهيد عن الحضور، مثل الأحناف، و"الإباضيين" (المسمّون تحقيرا بالخوارج)، والمتشيّعين، والمتنصّرين، (أعلن مارون لحام أسقف تونس أن معدّل المعمَّدين وفق الطقس الكاثوليكي بين ثلاثة وأربعة أنفار سنويا وذلك في محاضرة ألقاها في خورنية في مدينة بريتشا الإيطالية).
عرفت "المدرسة التاريخية المغربية" تحولا مهما من خلال مواضيعها و مقارباتها و إشكالياتها، حيث برزت في فضاء المعرفة التاريخية المغربية محاولات هامة و جادة لطرق مجالات جديدة في البحث التاريخي: كالتاريخ الاجتماعي، و التاريخ الاقتصادي، و الأنثروبولوجيا التاريخية، و تاريخ العقليات، و تاريخ الزمن الراهن؛ الذي يعتبر أحد حقول البحث التاريخي التي بدأ الاهتمام بها من طرف الباحثين المغاربة.
يعتبر التراث الشعبي أحد الركائز الأساسية المشكلة للهوية الحضارية ، و الثقافية لأية جماعة بشرية أو مجتمع ما ؛ نظرا لأنه تجسيد لأفكار هذا المجتمع و وجدانه و تصوراته . و تبرز من خلال هذا التراث هوية أي مجتمع باعتباره يشكل عنوانا لشخصيته التاريخية و الثقافية ، و يوضح معالم كيانه و ملامح وحدته الاجتماعية و الاثنوغرافية ، و يعكس بنيته الثقافية و الفكرية و الذهنية ، و يندرج في اللحظة التاريخية المكونة لنسيج العلائق الاجتماعية ، و أنماط الوعي الاجتماعي . فهو معلم مشع في هذه اللحظة التاريخية لأنه ينطوي على إمكانات هائلة في الابداع و الممارسة الثقافية الشعبية . و من ثم فإنه نافذة مشرعة تطل منها الثقافة و الأدب في أي مجتمع على أفق مغاير نحو الارتباط بالانسان وواقعه الاجتماعي و الثقافي .