فليني و التحليل النفسي: نحو منظور جديد للسينما - نورالدين بوخصيبي
منذ نشأتها مع الأخوين لوميير، اعتُبرت السينما بصفة عامة مرآةً للواقع، وسيلةً لتصوير ما نعيشه ونراه. غير أن المخرج الإيطالي فيديريكو فليني يعتبر من السينمائيين القلائل الذين قلبوا هذه المعادلة رأسًا على عقب: بالنسبة له، لا يوجد الواقع الحقيقي خارج ذواتنا، بل في داخل كل منا، في الأحلام، والهواجس، في تلك الصور الهاربة التي تزورنا ليلًا وتفلت منّا مع أول خيط من الصباح، ثم ما تلبث أن تعود لتختفي من جديد.
لم يكن فليني مجرد راوٍ للحكايات، بل كان مستكشفًا لمتاهات النفس، يغوص في أعماقها ليحوّل مادتها الخام، الحلم، الرغبة، القلق، إلى صور سينمائية آسرة، أقرب إلى الطقوس منها إلى السرد التقليدي.
كيف تم هذا الانتقال إذن في سينما هذا الفنان العالمي الكبير من سينما " واقعية مباشرة " إلى حد ما، إلى سينما أكثر التصاقا بعوالم الحلم والسحر والخيال؟ لكن السؤال الأساسي الذي نطرحه في هذه المقالة هو التالي: ماذا عن تأثير التحليل النفسي بصفة خاصة في هذا التحول الذي باشره فليني من سينما " الواقع " إلى سينما الحلم و الخيال كما سيتجسد ذلك بصفة خاصة في فيلمه العجائبي " ثمانية و نصف"؟ ما هو الدور الذي لعبه التحليل النفسي في هذا التحول؟