الإبداع الروائي والمجتمع - د. ناصر السوسي
يَسُود اعتقاد فَحْوَاه أن الأديب إنسان يصنع عوالم من وَحْي أَخِيلَتِه تَعْنِيه وحده دون سواه. وتحت تأثير الثقافة التكنوقراطية، يَحْسبُ خَلْقٌ كثيرٌ أن الأدبَ مضْيَعَة للجهد والوقت معا؛ من ثم فلا فائدة من ورائه و لاجدوى.
لِنَسْأَل بالارتكاز على هاته الملاحظة الأولية: هل يَصْنَعُ الأديبُ فعلا عوالم من نَسْجِ خياله؟ وإلى هذا الاستفهام نضيف: أَيُمْكِنُنَا الزَّعم أن الأدب بضاعة خاسرة؟
محاولة الاقتراب من هذين التساؤلين اللذين ابتغيناهما مُحَرِّكَين لعملنا هذا سَتَقْذِفُ بنا في خِضَم تَطَارُح مهمة الأديب، فوظيفة الأدب الروائي تخصيصا في مجتمعاتنا العربية.
فمثلما أن الشاعر يكون شاعرا لأنه " يشعر ما لايشعر به غيره، أي يعلم" 1؛ نلْفِي الروائي بدوره يعي ما لايعيه سائر الناس، اعتبارا لكون الرواية " تشكيلا للعلاقات الإنسانية بكل تعقيداتها "، وتعبيرا مُجَنَّحاً، ومُلتبساً عن عالم يكتشف نفسه " كغابة من الإشارات على حد قول عبد الكبير الخطيبي.2
وترتيبا على هذا القول تغدو الرواية نظرة فنية تعبر عن الوجود العيني من جهة، وتشريحا دقيقا بمبضع الإبداع لأدق تفاصيل المجتمع والسياسة، ولطبيعة العلاقات السائدة من جهة ثانية، ثم تركيبا، وإعادة تركيب واعية للواقع...