يَسُود اعتقاد فَحْوَاه أن الأديب إنسان يصنع عوالم من وَحْي أَخِيلَتِه تَعْنِيه وحده دون سواه. وتحت تأثير الثقافة التكنوقراطية، يَحْسبُ خَلْقٌ كثيرٌ أن الأدبَ مضْيَعَة للجهد والوقت معا؛ من ثم فلا فائدة من ورائه و لاجدوى.
لِنَسْأَل بالارتكاز على هاته الملاحظة الأولية: هل يَصْنَعُ الأديبُ فعلا عوالم من نَسْجِ خياله؟ وإلى هذا الاستفهام نضيف: أَيُمْكِنُنَا الزَّعم أن الأدب بضاعة خاسرة؟
محاولة الاقتراب من هذين التساؤلين اللذين ابتغيناهما مُحَرِّكَين لعملنا هذا سَتَقْذِفُ بنا في خِضَم تَطَارُح مهمة الأديب، فوظيفة الأدب الروائي تخصيصا في مجتمعاتنا العربية.
فمثلما أن الشاعر يكون شاعرا لأنه " يشعر ما لايشعر به غيره، أي يعلم" 1؛ نلْفِي الروائي بدوره يعي ما لايعيه سائر الناس، اعتبارا لكون الرواية " تشكيلا للعلاقات الإنسانية بكل تعقيداتها "، وتعبيرا مُجَنَّحاً، ومُلتبساً عن عالم يكتشف نفسه " كغابة من الإشارات على حد قول عبد الكبير الخطيبي.2
وترتيبا على هذا القول تغدو الرواية نظرة فنية تعبر عن الوجود العيني من جهة، وتشريحا دقيقا بمبضع الإبداع لأدق تفاصيل المجتمع والسياسة، ولطبيعة العلاقات السائدة من جهة ثانية، ثم تركيبا، وإعادة تركيب واعية للواقع...

الحرب كتيمة مفضلة ما انفكت محورا هاما للشعراء والروائيين منذ هوميروس في الإلياذة والأوذيسا وحرب داحس والغبراء وقصائد المهلهل في رثاء كليب وحرب البسوس وصولا إلى روائي العالم كهمنغواي وتولستوي وجورج أورويل وحنا مينة وكنفاني وغيرهم تمثيلا لا حصرا ،القتل العشوائي ،الحرب بلا هدف مسوغ ،التدمير والسادية ،العنف غير المبرر، التجارة في الحرب وتنمية حاسة الاستئذاب لدى الجشعين ومراكمي الأرباح من رائحة الدم والأشلاء تظل موضوعا مفضلا كذلك اليوم لدى لفيف من الكتاب في سوريا مثلا في يوميات الدم والاغتصاب وكما في نكاح الجهاد في العراق وأفغانستان والعنف والتجويع والإخضاع في اليمن وغيرها.
ورواية "الحياة من دوني" لعائشة البصري عضو بيت الشعر واتحاد كتاب المغرب تتخذ من الحرب تيمة لعملها الباذخ الذي اقتضى سنوات من الإعداد ومراجعة الوثائق والصور والرحلة إلى أقصى الأرض.
ترتكز هذه الرواية على بعد فكري راسخ هو الانتصار للمرأة والدفاع عن حقها في الوجود وصون كرامتها وشجب كل محاولات التضييق والاتجار بها وانتهاك معنى وجودها وكرامتها كإنسان وقد كانت الحرب ميدانا تعرضت فيه المرأة إلى أبشع جريمة تنال من كرامتها وإنسانيتها،لقد كانت ضحية لحرب موازية...

لا تخلو مكتبة من مكتبات الجامعات العربية،ولا مكتبة عامة من مكتبات المدن والحواضر العربية، ولا مكتبة تجارية أو مكتبة خاصة لأي مثقف أو أكاديمي أو قارئ للكتب أو جامع لها من بعض كتب الناقد والعالم والباحث الكبير الأستاذ شوقي ضيف (أولاد حمام، دمياط1910 /القاهرة 2005) فما تناثر من تراث شعري ونثري في المدونات الأدبية الكبرى كالأغاني والعقد الفريد والجمهرة وزهر الآداب والذخيرة وغيرها مدونة بلغة عصية على ذوق ولسان العصر صاغه شوقي ضيف في لغة ميسورة بليغة ودقيقة دارسا ومتذوقا وناقدا لهذا التراث الأدبي الضخم منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث ، دارسا الفن ومذاهبه في الشعر العربي والفن ومذاهبه في النثر العربي ثم معرجا على الفنون الأدبية المختلفة وهي تشكل موسوعة أدبية ضخمة كلفت الناقد سني عمره درسا واستقصاء ونقدا بموضوعية وروح لاتكل من البحث والاستقصاء والصبر والعزوف عن الأضواء والعجلة في الحكم والرغبة في المكاسب المادية على حساب الإخلاص والفضول والمعرفة تهيمن على ذلك كله وطنية صادقة وقومية عربية لا غبار عليها وروح إسلامية تتسرب قيمها فيما خطت يمينه تكرس حب العلم ونشره أسوة بعلماء الإسلام الكبار في شتى مجالات الدين والأدب والفلسفة...

 1- على سبيل البدء.
     لا يختلف الباحثون المهتمون بالشأن الشعري المغربي في كون تجربة الشاعر المغربي "أحمد المجاطي" الشعرية تجربة فريدة ومتميزة، تكمن فرادتها وتميزها في أنها استطاعت بشكل نَضِجٍ التأسيس([1]) لمغربية الشعر العربي المكتوب من طرف المبدعين المغاربة، الذين كانوا إلى عهد قريب، ينعتون وينعت منجزهم الشعري بالتبعية والتقليد للشعر المشرقي.
    ولعل التدليل على ما ذهبنا إليه يتمظهر فيما تنماز به معظم قصائده الشعرية من خصوصيات، يطبعها العمق من جهة، والأصالة من جهة أخرى، بحيث يتبدى العمق من خلال مرس المجاطي بالشعر العربي القديم والحديث، حفظا ومعرفة وتدريسا، وكذلك من خلال ضبطه التام  لعلمي البلاغة والعروض، هذه المعارف والعلوم عمقت قصائده الشعرية وخصبت مستوياتها الدلالية المعنوية والتخيلية والإيقاعية، ثم الأصالة المغربية المتجلية في ارتباطه الأثيل الأثير بهموم وطنه، وبهموم باقي الأوطان العربية.

   وقد أسهم المجاطي بالإضافة إلى مجموعة من الأسماء الشعرية المغربية الرائدة([2]) في إغناء مسار القصيدة الشعرية المغربية الحديثة، وذلك بنقلها من ضيق التقليد للشعرية المشرقية إلى رحب التجديد في الشعرية المغربية، التي صارت بعد ذلك نموذجا جماليا متفردا، دفع الشعرية المشرقية إلى الاقتداء والتناص مع...

تعتبر رواية « ريحون » المنجز الروائي الثالث للروائية والأديبة المغربية أسمهان الزعيم . ويمكن تصنيفها ضمن خانة الرواية الطويلة كما ( 361 صفحة ) لما تتميز به من وفرة الشخوص والتي نيفت على الأربعين ، وتعدد الوقائع والأحداث... ونوعا في اختراق سيرورة السرد بعناصر من قبيل الصدفة واللامتوقع ، وغزارة « التيمات » الموزعة بين ما هو اجتماعي وعقدي وأنطولوجي... فضلا عن نزعات جمالية تلتئم داخل توليفة يتجاور فيها المجازي بالرومانسي بالواقعي عبر لغة تمتح من معجم يجمع التراثي بالحداثي . ونظرا لحدود طبيعة هذه المقاربة سنقتصر على مكون الشخصية في الرواية بمحدداتها العلائقية ، وروابطها المحيطية . ولعل الشخصية المحورية فيها « ريحون » لقب ألصق به بعد حادث فتاة القرية التي تعلق بها : " سلبتني ما تبقى من عقلي واتزاني... " ص 10 ، وارتأى أن يبعث لها رسالة يضمنها أحاسيسه تجاهها ، وما تحبل به من عشق ووله : " وضعت ظرفي في علبة بريدها... وانتظرت بضعة أيام... فتأتيني كما حمام زاجل بخطابها المفعم ودا وعشقا وجوى... " ص 10 ، إلا أن آماله تحطمت ، وأحلامه أجهضت عندما اكتشف أخوها الرسالة فواجهه بطريقة لا تخلو من تهديد رهيب : "رأيت وجه أخيها...

عدت في تلك الليلة من رمضان إلى البيت استلقيت أمام التلفاز أبحث عن لحظة استمتاع وإفادة... شدني شريط تلفزي مغربي بالقناة الثانية، وقفتْ فيه البطلة تعترف لثلاثة أشخاص أمامها قائلة (عندي سرطان في مراحله النهائية تعبت من الأدوية وهذا الداء الخبيث لا يزيد إلا انتشارا بذاتي... الطبيب أخبرني أنني لن أعيش إلا ستة أشهر وها أنذا أعيش يوما بعدها... زياد، خديجة أتوسل إليكم إن حصل لي مكروه اعتنوا بإبراهيم عاملوه كأخ لكم... هيا ساعدوني على وضع الأواني بالسيارة) وما كدت أعدل جلستي لمتابعة باقي الأحداث حتى فاجأني آخر مشهد في الشريط يُظهر البطلين والطفل زياد داخل سيارة في جو عائلي مع بزوغ أشعة شمس تزرع أملا في طريق هذه العائلة... عرفت من جينيريك النهاية أن الأمر يتعلق بشريط (ستة أشهر ويوم) للمخرج عبد السلام الكلاعي... من يومها لم يغب عن ذهني ذلك المشهد وعشت أمنّـي النفس بفرصة تتيح لي مشاهدة الشريط كاملا ولي قناعة أنه سيحتفي باللغة ما دام اختيار كلمة "أشهر" في العنوان بدل "شهور" تنم عن اختيار واع بأهمية التمييز بين جمع القلة (أشهر) وبين جمع الكثرة (شهور)... وكبرت الأمنية أكثر لما عرفت في ما بعد أن الشريط حصد ثلاث جوائز هي الجائزة...

دار العشاق رواية حديثة للروائي المصري ناصر عراق في 356 صفحة من القطع المتوسط صادرة عن الدار المصرية اللبنانية عام 2018. تصنف هذه الرواية ضمن الروايات التاريخية، ولكنها تستعين بالخيال لمقاربة ما سكت عنه التاريخ لغرض ما، وبهذا التخييل تعيد النظر في قراءة التاريخ ذاته وفق رؤية فكرية وجمالية محددة.
تتطرق هذه الرواية إلى الفترة الأولى من حكم محمد علي باشا والي مصر، وتحديدا بعد مذبحة القلعة الشهيرة عام 1811 لتتنهي الأحداث عام 1816 بالحملة على الحجاز مرة أخرى من قبل إبراهيم باشا ابن محمد علي.
وتطرح الرواية أسئلة هامة وتثير إشكاليات سياسية وفكرية وثقافية من قبيل لمن الأسبقية للعدل أم السيف؟ ما جدوى حاكم بني القناطر والمصانع والمستشفيات في مقابل تخريب الإنسان وامتصاص عرقه ودمه معا؟ وماذا عن الامتيازات الأجنبية؟ ما هي الآلية التي يبسط بها المستبد نفوذه حتى يتحكم في رعيته، ولم تسكت الرعية وتستكين؟ العلاقة بين السياسة والدين، الآخر المختلف (الأوروبي) وغيرها من القضايا والإشكالات التي طرحتها هذه الرواية التاريخية والخلاسية معا.

إن الحديث عن النص الرقمي، هو حديث عن نص أدبي لا يتأتى إلا من خلال منظومة متكاملة ومتوازنة من الروابط والعقد والوسائط الرقمية، التي تنقل بحضورها النص الأدبي من شكله الكلاسيكي إلى الشكل الرقمي، فنكون بذلك أمام أدب «يوظف معطيات التكنولوجيا الحديثة في تقديم جنس أدبي جديد يجمع بين الأدبية والإلكترونية ولا يمكن أن يتأتى لمتلقيه إلا عبر الوسيط الإلكتروني، أي من خلال الشاشة الزرقاء، ولا يكون هذا الأدب تفاعليا إلا إذا أعطي المتلقي مساحة تعادل أو تزيد مساحة المبدع الأصلي للنص»[1].

نتحدث إذن، عن «شكل أدبي جديد يوظف الإنجاز التقني المزود بمختلف التقنيات والتطورات الإلكترونية من عتاد وسائطي وبرمجيات، فضلا عن الوسائط المتعددة، أي ما يمكن أن يستعمل في المجال السمعي والبصري، والمعلومات للدلالة على استعمال الأصوات والصور، والخطاطات ومقاطع الموسيقى».[2]

إن هذه الوسائط المشار إليها تحضر بقوة في النص الرقمي، باعتبارها عناصر مؤسسة لا يتحقق النص الرقمي إلا بوجودها، ومادامت تحضر بهذه الدرجة من القوة والإلزامية فإن وجودها يشكل سلطة تفرض على النص، سلطة مستمدة من حتمية الحضور وفاعلية الوجود، ومادامت له السلطة الاعتبارية داخل النص، فيترتب عن ذلك تحقق جذري لمستويات متطورة من التفاعلية الرقمية....

"امرأة وحقيبة"، أولى خطوات الكاتبة "إحسان شرعي" في مجال التأليف والنشر، وهي خطوة نرجو أن تتبعها خطوات أخرى ستكون، لا محالة، إضافة لهذا الجنس الأدبي المنفلت والمستعصي على القبض، كما نرجو خلال سفرها بين الأحداث والفضاءات والتفاصيل والشخوص، أن تفتح للكتابة عمقا ينضاف إلى الموجود، مُضيفا له، لأننا نعتقد أن الكم يفتح، مستقبلا، الباب للنقد والاختيار وتثْبيت الكَيْف، بل تطويره، وإعطائه آليات الثورة على المَمْجوج والمُبتذل والبئيس الذي يقف بالقارئ حيث هو ولا يُضيف إليه.
"امرأة وحقيبة"، مجموعة قصصية، جمعت بين دفتيها الحب والحلم والبوح واليوميات والانعتاق وأشياء خاص... بتناول جميل أولا، ثم جِرّيء يتجاسر على الذات والواقع والمسكوت عنه.
"امرأة وحقيبة"، بداية السفر نحو ألق الكلمة وسرّها، وخوض مجاهل الكتابة ومساربها، والسير بها مقتحمة فضاءات الحكايات معانقة شخوصها التي تؤثثها، ومُنْصهرةً في تفاصيلها التي تنسج وترتّقُ معالمها بحكمة وذكاء لتصل إلى المُبتغى والمُرام .
"امرأة وحقيبة"، عتبة توحي أول ما توحي به للقارئ، بأُفق منفتح على السفر، على المجهول. عتبة مركبة من شقّيْن، "امرأة" و"حقيبة"، لماذا امرأة وليس رجلا؟...

 المتعلقات والممكنات:
تظهر المتعلقات في النصّ القصصي عندما يمتلك القاص اللغة التي تقوده إلى وظائف وابتكارات تركيبية تؤدي اشتغالاتها من خلال الحدث التأثيري؛ ويكون للفعل التأثيري اللغوي الخصوصية لكلّ كاتب ومدى اهتمامه في صفّ المنظور السردي؛ ومن خلال هذا المنظور نستطيع أن نتابع بعض القصص التي من الممكن أن نتوقف في زواياها ومدى ظهور الممكنات الحجاجية والمتعلقات التفكرية والفكرية في النصّ السردي الحديث.
الممكنات المتعالقة : هي قدرة القاص على ترجمة فعل المتخيل من خلال الواقع المنظور، وكذلك مدى استجابة الذات الحقيقية بما تعلق بها من أحداث قد تكون واقعية وقد تكون لاواقعية.
ممكنات المعنى: وهي الثروة المتعلقة بالذهنية والتي يفرغها السارد على البياضات من خلال المقاربة الرؤيوية.
التركيب اللغوي الدلالي: من خلال اللغة الدلالية نستطيع أن نتصل مع المعاني الصريحة في جسد النصّ، وفي نفس الوقت يكون الرائي ذا خبرة وإمكانية في دقة الحدث الدلالي لكي يستطيع أن يوصل المعنى الحرفي للارتباط النصّي، ويكون للمفاهيم والمعاني المعرفية المساحة الكافية لجذب المتلقي. أيّ أن تكون للدلالات المعرفية الشأن والتأثير في النصّ القصصي....

يقول ديبارو: "الكتاب صديق لا يخون". ومن أجمل الكلمات التي قالها الكاتب المعروف فرانز كافكا عن الكتاب: "إذا كان الكتاب الذي نقرؤه لا يوقظنا بخبطةٍ على جمجمتنا فلماذا نقرأ إذاً؟ إنّنا نحتاج إلى تلك الكتب التي تجعلنا وكأننا قد طُردنا إلى الغابات بعيداً عن الناس؛ على الكتاب أن يكون كالفأس التي تحطم البحر المجمّد داخلنا".
وقد قيل في الماضي: الحياة كتاب على الأرض، فلا تهمل قراءته، ولا تُصدق كل مافيه، وقد يأتي يوم تكتشف فيه أن حياة واحدة لا تكفي لقراءة جميع الكتب التي في المكتبات أو المحفوظة في ذاكرة حاسوب ما، وربما تقرأ كتاباً جيداً تلتهمه مثل وجبة مفضلة، كما تلتهم طبقاً من البطاطا المقلية، وتشعر بأنك تريد إعادة قراءته، لأنه لمسَ شيئاً داخلك وأضاف لك شيئاً جديداً، وهناك كتاب مملّ لا تريد أن تكمل قراءته، بل إنك تودّ أن ترميه من أي نافذة قريبة.

لا أجمل من أن تجلس قرب مدفأة في الشتاء وبيدك كتاب جديد، تفتحه بشغف، تشمّ صفحاته تستقبل عبق الحروف الجديدة، تخرج من جدران غرفتك لتجلس بين جدران صفحاته، وتتخيل قليلاً كيف ستكون حياتك بعد قراءته؟ هل سيتغير فيك شيء ما؟ هل ستقلع عن أي فعل كنت قد اقترفته بلحظة ضعف؟ هل ستقوم بفعل عادة جديدة، بأن تقرأ أكثر بنهم، وتشتري مزيداً...

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية