أغنية العيد- قصة : أحمد العكيدي
أرخت الشمس أشعتها على الشاطئ فاجتاحت جسده المتورم موجة من الدفء شعر بها تدغدغ جفنيه فاستفاق على مضض من غيبوبته. تجول ببصره في الأفق لعله يهتدي إلى هوية المكان والزمان، بحث في الأشياء المبعثرة هنا وهناك عن ذاكرته وماضيه، حاضره ومستقبله، فخدلته اللحظة.
بعينين متعبتين رمق، من بعيد، ثوب قميص أحمر يداعبه الريح جيئة وذهابا، تارة يدسه تحت الرمل وتارة أخرى يقذفه في السماء. زحف نحوه كالرضيع، يرسم أثار قدميه ويديه فوق الرمل، التقطه ثم ضمه إلى صدره للحظات واستنشق رائحته بعمق فاشتعلت في دواخله آهات وآهات. تأمله وتفحص طرفه المفقود فتسللت من إحدى عينيه دمعة في سكون واختلطت بحبات الرمل. تأبطه ثم استند إلى قطعة خشب لفظها البحر وبدأ يبحث عن حياة بين الأجساد المنتفخة والمبعثرة كأوراق الخريف حول القارب المحطم.
تَراءى له، من بعيد، جسم صغير خيل له من بؤسه أنه يتحرك، أسرع نحوه ولم تسعفه الخطوات فتعثر وسقط فوق جسد امرأة مغمور وجهها في الرمل. أدار رأسها بحركة سريعة فتطاير الماء من فمها في كل اتجاه. تصلب في مكانه للحظات بدون حراك كتمثال حجري قبل أن يدرك أنها جارته التي قُتل زوجها وجميع أبنائها في قصف جوي، كانت هي الوحيدة التي سلمت منه لتلقى حتفها في هذا المكان بدون هوية ولا عنوان....
مازلت أذكر أني كنت أمشي ، حافية الحروف، يضيق صدري، تنتفخ أوردتي
الماضي في جلد المستقبل بدون أمل ، جالس الى جانب ذلك الحائط المتقادم رمادي وبني اللون، رغم كل السنين التي انهالت عليه لا زال محتفظا بجماليته، وعنفوانه وأصالته التي تذكرني بحقبة من تقاليد مغرب امتزجت فيه كل الأعراق عربي أمازيغي و وندالي روماني... بكل حمولتها وجماليتها، إنها الحضارة الصبيانية إنها جنون الإله الصبياني.
أزيز كصوت قطار، يعزف وسط صمت ليلي رسائل محملة، يختزلها عنفوان ليل شتوي .
جاءتها برقية من عاشقها عزيز الملعون بكذبة الأمل، فتحتها متلهفة وحبها له يحرك أناملها لتمزق فوهة الظرف...، وأخيرا جاء ما تمنته منذ أول لقاء لها به.
كعادته كان منبهرا بكل مختلف،ولو كان يحمل في سجلاته ما تحمله المستنقعات مما لا تأنس له النفس .
أتخونني ...!؟ رأيتها بعيونك ذلك المساء، عدت بها داخل جفونك ولم تنزلها، كانت بيننا ليلتها، كان الحاجز بين جسدي وجسدك واضحا. أفرغت زجاجتي عطر في شهر واحد، واستعددت للخروج أحسن استعداد. تأنقت، أخرجت الفارس المدفون تحت الغبار، التصقت بهاتفك النقال كظله تقرأ رسائلها وتبتسم. لم تعد تسمع ما أقول، لم تعد تتشاجر معي، عقدت معي صلح الأحباء، بقلب طري، كعصفور نقي. من تكون هذه يا ترى التي أعادتك للحياة؟ أتراها التي قابلناها سويا حين ابتسمت لك؟ أوقعت ما اشتريناه من أغراض، ابتسمت وتلعثمت وظللت محلقا وراء ما تلبس من رداء. أهي اذن من أعادتك للحياة؟ أعادت تعميدك في نار الحب: في طفولته، ورعه، وروعته.
كانت أم الجــبــل حية،قبل أن تموت اشترت لي حــمامــة تشبه ذاكرتي.ربيتها فوق سطح منزلنا القديم ،شيدت لها عشا بحجم ساعة يدوية..
عندما علم الجنيرال دين بيي أوكو بأن عدوه الجنيرال باي بُّو أون قد وقع في الأسر فرح أيما فرح. الحقيقة هي أنه لم يكن ليستطيع أيُّ شيء إرضاءه كثيرا. لم يلتقط أحد هذه الملاحظة. و هكذا تم الاحتفاظ بهذا الأمر، جاعلا عضلات وجهه من ناحية أخرى لا تنم عن أي إحساس.
تجلى له طيفها ،حدثه دون أن تتحرك شفتاه ،اشتكى بؤسه وحيرته ،غضبه وفرحه ،ثم صمت صمتا تفضحه كل الكلمات التي غابت بغتة.