موت القوّاد – نص: قاسم فنجان
لم يكن تواجدي في ذلك المساء البعيد صدفة عابرة،كنت عازماً على تشييعه ومصراً عليه،لذلك لم أعدل عن قراري ولم أخضع لرغبات الصحب بالعدول بعد أن آلمني كثيراً مشهد تشييعه اليتيم الى مثواه الأخير،أربعة رجال يحملون على كواهلهم الضعيفة نعشا خشبيا بلا سقف،جوانبه البالية تلطخها خربشات باهتة وكتابات قديمة لم تفلح عيناي في قراءة محتواها الغامض،يمضون به مسرعين عبر شارع خاوٍ من الناس،يتسابقون للوصول الى مقبرة ليس على مشارفها الجرداء أي أثر لقبر أو لشاهدة قبر،ليس سوى حفرة تفغر فمها الأسود في وجه السماء،يتوقف المشيعون عندها ويطرحون التابوت على الأرض،تمتد كفا الحفار الغليظتان الى الجوف الخشبي المفتوح،حيث رأس الميت المقطوع ينام مستسلماً في بركة الدم المتخثرة،تنتزعانه من لزوجتها فيتصاعد بخار الدم الأرجواني،مخلفاً وراءه جسداً نحيفاً تستره أسمال قديمة بالية،يراقب الرجال الرأس المقطوع ويحزنهم إنكسار الوجه المستسلم بوداعة بين يديّ الحفار القبيح،تعتريهم الشفقة عليه وتسري عدوى الأنكسار الى إفئدتهم القاسية،تتراخى مشاعرهم الصلبة وتتندى عواطفهم اليابسة،حتى يعيدها الى ما كانت عليه صوت الحفار المشروخ :