الكفيف وصوت الصباح – قصة: الحسين لحفاوي
كانا يتقاطعان كل صباح، فيحيي أحدهما الآخر ثم يواصل كل منهما طريقه ويمضيان في اتجاهين متعاكسين، وتظل كلماتها تدغدغ مسامه إلى أن يبلغ باب المؤسسة التي يشتغل فيها.
كلمتان ليس إلا فعلتا فيه هذا الفعل، أسرتاه وشدتاه إليها. في صوتها عذوبة وفي لحنها انسيابية فريدة، رقة ودفء وحنان. كلمتان تنثرهما في حياء فوق أديمه الجاف فتزهران دون انتظار زمن الإزهار، تتمردان على كل النواميس الطبيعية، تتحديان برودة الطقس وارتفاع درجات الحرارة، لا تخضعان لقوانين الفصول. كلمتان متمردتان تبوح بهما دون أن ترفع عينيها عن الأرض. لم ير عينيها يوما ولم يتأمل تفاصيل وجهها، يكفيه صوتها، هذا المغناطيس الآسر.
استعاض عن بصره بأذنيه منذ فقد حاسة البصر إثر تعرضه لمرض أصاب عينيه في عامه الثاني، فقَدَ بصره كله في لحظة واحدة، لم تفلح معه حبات بذور الحرمل التي أُرغِم على ابتلاعها، ولم تنفع معه التمائم التي علقتها والدته له على رقبته أو فوق أثوابه. ورضي بوضعه الجديد وكان لزاما عليه أن يرضى. كان أحب الأصوات إليه صوت أمه حين تناديه لتخرجه من وحدته وعجزه، تؤنسه تلك الكلمات القليلات التي تذكره كل مرة أنه ليس وحيدا في البيت وفي هذه الدنيا، وأن هناك من يرافقه ويراقبه ويرعاه. وحين غاب...