فرّ من الورق – قصة بقلم : فوزية العلوي
جلست أصنعه ، لم يعد في الغرفة ما يشوب ، أنا فتحت نوافذها ومسحت كلّ الخيوط التي نسجها العنكبوت في الآونة الأخيرة ووضعت الطاولة الصّقيلة في وسطها ولم أبق إلا هذا الحبر الداكن وهذا الورق الذي خشيت أن لا يحتويه لكني قدّرت أن أصنعه على مقاس معتدل موزون حتى لا أضطرّ إلى قطع العمل والبحث عن ورق آخر ولن أضمن إذاك ما ذا يحدث وما إذا سيكون الورق وفيا كالذي لديّ واللحظة هي اللحظة التي تنتابني فيها رؤاي هذه ،إذ لا بدّ إذا أتيت محترفي هذا من أفق رحب يحتلّ كل رأسي فيه عصافير بيضاء لا مرئية وهبوب ريح يحرّك جريد نخل أراه موغلا في البعد كلّما حاولت أن أمسك به لكني مع ذلك أحسّه حاضرا حتى أنه يلامس خدّي كلّما رفعت رأسي أو أحنيتها..قلت لو كان لي زجاج وكنت من الذين يحسنون الرّسم لكنت حفرته بخيوط رقيقة ، أحبه شفافا بقامة متداخلة مع السحاب أو أني خزافة لصنعته على هيئة نورس غاضب أو على شاكلة زورق بوجه آدمي .ولكني لست من أصحاب اللّون ولا أصابع لي تتقن تشكيل الخزف الحي .
قلت أصنعه على الورق بمزاجي ، سيكون غير موغل في الطّول أخاف يوم الأحد ولا قصيرا كعمر سنونوة ، سيكون بين بين أرجوحة ممتدّة من دهشتي الأولى إلى يوم نكبتي بعد أن تعلّمت الحساب ....
تسلل الأنين عبر نافذتي ,كان حادا وحزينا,ينقطع كلما انهمر المطر غزيرا يصفع الإسفلت والجدران...
ما من شيء يجرؤ على تغيير تفاصيل وجهي المجعد ، وما من شيء يمكنه أن يحجب عيوني المبتدئة عن شوارع المساء... إلا غيمة تائهة في لجة السماء ، أو شمس ترسم ابتسامتها بصمت كشفاه مطعونة بالحرمان.
لم اسمع شيئا يمنعني من الوصول إلى البيت المهجور .
إهداء : إلى "غزة" كل الشعوب العربية .
- انظر هناك يا سانشو ، ينبغي أن أصل إلى قمة هذا الجبل .
يستحيل أن تجد من يجيبك بحقيقة الأمر، أو بحقيقة كيف وقع ذلك ؟ ولماذا هنا بالضبط ؟ وكل محاولة من هذا القبيل هي جهد مجاني يقبض فاعله خسارته مسبقا.
مـهــداة إلى : وحـيـد حامــد
أكمل سذجان تعليمه الجامعي بكلية الطب أخيرا، و توج طبيبا بعد رفاق فوجه بسنين. اختصر الإجابة على ملاحظات الأساتذة المكلفين بمناقشته في أطروحته في إذعان و ارتباك، و أدى القسم الشهير. أقام أهله الذين لم يفهموا شيئا مما دار في المناقشة الاحتفال برحاب الكلية على شرف أساتذته و الحاضرين، تغمرهم نشوة حيازة ابنهم اللقب الكبير:"الطبيب" ! الذي يعرفون أنه ظل لحد زمن جد قريب حكرا على أبناء أسر بعينها، وأبناء العشيرة و القبيلة و الحي و المدينة إما معلمون أو ممرضون أو عسكر أو مستخدمون في أجود الحالات، عاطلون منحرفون و عالات على أسرهم في فادحها. و استكملوا الاحتفالات بمجرد العودة إلى مدينتهم ليعلم الأحباب و الحساد و الأعداء بأن العائلة اليوم هي عائلة "طبيب" !. ثم هدأت الأحوال و إن كانت الأم فاضت منها و عليها علامات النشوة حد الطيش، و كذلك الأب و إن بدرجة أخف، فلا حديث له بعد اليوم إلا عن الطب و جلاله و الطبيب و هيبته...، بل و مكانته و عظمته. أما سذجان، و بعد أن استعاد قسطا من توازنه بعد طوفان فرحة الانتصار أخيرا، فهو عمر بكليته، لم ير أمامه غير أمر واقع واحد لا ثاني له: انتظار توظيفه. لم تراوده أبدا فكرة متابعة مشوار التخصص بأرض الوطن ما دام ذلك من نصيب المتفوقين طيلة سنوات التكوين، و هو على النقيض تماما من ذلك....
أبى ما عاد.