شأن ما – قصة : عبد الهادي الفحيلي
كأنني وشم منسي على ذراع مشلولة. أتراءى في مراياي المضمخة بالشقوق والتشوهات جثة عفنة عافتها الديدان. ما الذي يمكن أن يشدني إلى هذا الوجود الأخرق غير تعب آنسته أيامي الموغلة في تفاصيل الهباء واللاجدوى. أجرجر الوقت من قفاه أو يجرجرني الوقت من قفاي؛ الأمر سيان, جار أو مجرور ما الفرق بينهما؟في لحظة ما وفي غفلة من الغيم الضارب في أفق طفولتي الشاحبة, حلمت بأنني ربما أصير شيئا ذا شأن يذكر. هكذا تنبأ لي صديق لأبي التقيناه مرة وأنا مجرور إلى حلاق ينصب صالونه خيمة في أحد الأسواق الشعبية.
اعتاد أبي أن يأخذنا –أنا وإخوتي- إليه فنرجع إلى البيت نحمل حبات كبيرة من البطيخ مكان رؤوسنا. مرات كانت بقع صغيرة حمراء تؤثث المنظر كأنما حلقت رؤوسنا بقطع من الزجاج.
انحنى صديق أبي علي فكأنما نزل إلي من السماء لطوله الفارع أو لقصري المفرط, لا أدري, قبلني على رأسي الممتلئ شعرا كثا تعشش فيه كائنات حية كانت أمي تستلذ بضبطها تسرح في ثناياه و"طرطقتها" بين أظافرها وأنا أتلوى بين يديها. سألني عن اسمي فأجبته. سألني عن مستواي الدراسي, أجبته. قال لي: "هل تدرس اللغة الفرنسية؟" أجبته: "نعم". طلب مني أن أقول له كلمة بالفرنسية. فكرت قليلا وقلت:"mina". ضحك بقوة وهو يربت على رأسي. قام واقفا فابتعد عني إلى أعلى والتفت إلى أبي وقال له وهو ما يزال يهتز من...
الجسد الأسمر يرتعش والذراع ، والكف المرفوع أيضا يرتعش ، بشدة ، والسبابة التي ضغطت كبسة الجرس وأطالت ضغطها كانت تنتفض كالعصفور المبلول بماء بارد ، سمع رنات الجرس الشبيهة بزقزقة البلابل الطليقة .. وقف لحظة ينتظر أن تفتح له الباب أخته الأرملة ، هي لحظة تختلف عن كل اللحظات التي مر بها في حياته ، وشعر كأنها تمتد به إلى ملايين السنين ، والأرض تميد تحت حذاءه المغطى بالغبار، لقد نسي أن يمسحه .. ها هو ذا يقف بوجه عابس ، وربما للمرة الأولى في حياته يعبس وجهه المستطيل ، وينخر الحزن عظامه ويحز في أعماق قلبه .. فمعروف عنه أنه كثير الضحك والمزاح ، أو هو كتل ملتهبة وعواصف قوية من الضحك تهب في حين وتضعف في حين آخر ، لكنها لا تنتهي .. وعادة ما يختم ضحكته بصرير أو يتبعها بصفير حاد بعد شهقة عميقة ، فيبدو كأنه يكبحها فجأة بفرامل قوية مثبتة في حنجرته توقف حبالها وتمسك بلسانه .. حتى عندما يضحك ضحكات وانية فهو يهيئ نفسه ومن حوله إلى موجات قادمة عاتية من الضحك الهادر ، كالهدوء الذي يسبق العاصفة ، ومن عادته أن يضحك بذمة وضمير ليمنح النفس حقها في الحياة ، هكذا هو إبراهيم ومن المحال لأي أحد ممن يعرفونه تخيله إلا ضاحكا أو مبتسما في الأقل .....
القدر يدق على الباب*
خميساتك معلقة بالصدر
هاتفتِني
انتظرت حتى اختفت قدماي في عمق التراب . الحافلة الحمراء المرقعة في جهاتها الأربعة ، يبدو أنها لن تصل أبدا . تذكرت مهزلة الثقب الواسع ، الذي بدأت تتفاقم رائحته الكريهة ، في أسفل الكرسي الجلدي .. كرسي سائق الحافلة طبعا ..
في ذكرى رحيل شقيقي، محمد الإدريسي الرغيوي.. وذكرى آخر درس تعلمته منه..
وماذا يعني أن يموت أحد ما؟
عندما أدركت أن المسير عبر العتمة يكلفها شيئا من الخوف المصحوب بخيالات واسعة لمخلوقات ليلية تتسع باتساع مساحات خيالها الجامح؟
المكان /وحدة إذاعية متنقلة تغطي أحداث الحضور المبتث عبر الأثير لأشباح الغياب
ملمس الحجر ناعم...