افتضاح – قصة : محمد المهدي السقال
يثور غاضباً في وجه سحنته المُتجعِّدة أمام المرآة ، تكاد سباته المعقوفة إلى الجهة اليمنى أن تلامس أنفه :أنا من أنا ، أقف عاجزاً لحد الهزء بين حُثالة هؤلاء القرويين .
يَرتدُّ إليه صوته المنحبس في جوف محاصر بحموضة مقززة ، كم نصحته زوجته بقلع أسنانه :
هذه الرائحة الكريهة ، لن تزول إلا بتغيير الفم المُسوَّس حتى ضرس العقل .
في المدرسة الابتدائية التي ودعها غير آسفٍ على طرده لغير رجعة , لقّنوه مفردات الكرامة والعزة والإباء وما جاورها , فظل يربطها بهذا الأنف اللعين ، تحسَّسه ، لم يشعر بأدنى أسف على تضييعه لتلك القيم منذ تولَّى رئاسة المجلس البلدي بالاسم ، حتى الحزب الذي زكَّى ترشيحه باسم شعارات أدبياته ، لم يعُدْ يقبل العمل بها في الواقع ، لمس حرج الإخوان من التعرُّض لما كان يُسَمَّى إلى حين ، بالمبادئ الحزبية في أوَّل لقاءٍ بالزعيم القائد .
غطَّتْ بدانته أمام اللوحة الزجاجية على ما خلفه ، فلم يلمح وقوفها مشدوهةً تعاين الرجل مُكلِّما نفسه ، للمرة الثانية ، تضبطه في حالة تلبُّس ، لن تحاول إيقاظه من غفْوته ، سوف يتهمها بالتوهم :
لو تعرفين وهل إلاَّك عارفة هموم قلبي؟ رددت الكلمات مرارا وأنا أحس كأنما هي كلماتي آتية من الأعماق يغلفها الحزن ويجللها إحساس بانكسار في داخلي. كادت أن تهمي دمعة من عيني. ترقرقت ولكنها تحجرت في الجفن. تذكرت أمس حزني المكبوت وقهري الصامت وبكائي في سواد الظلام كي لا تحس بي أمي فيصيبها الحزن وتشرع في البكاء والنشيج.
هرولت مسرعا ومن فراش نومي الى مفوضية الشرطة , رغم أن الساعة تجاوزت منتصف الليل , لكن الطارئ الذي حدث في منامي أرغمني على الهرولة الى هناك!
فسحتها الوحيدة، نافذة بشباك حديدي.. تعودت أن تقف أمامها لساعات طوال رغم اعتراض أبيها.. يأتي صوت الجدة، حادا:
- توقف يا إبراهيم، توقف وإلا أطلقنا النار عليك.
أجزم.. لم يكن لأبى يوماً مثل هذا الصندوق الأسود المرتفع؛ لم يكن في بيتنا مكان يمكن إخفاؤه به.
حبات المطر في الخارج تتناثر بتمهل على زجاج النافذة ، فتحدث صوتاً ناعماً يشبه النقر البطيء على صفيحة فارغة . وضوء الشمس لم يعد يرسل جدائله.... يتسلل عبر خروم الستارة العتيقـة المتدلية على النافذة بوساطة مسمارين مثبتين على الحائط . كانت العاصفة الثلجية قد انجابت، وهدأت قبل قليل... وثقل المكان بالسكون، والقلق والترقب ، باستثناء نقر حبات المطر الخفيفة المتباعدة ، وصوت خرير مياه الأمطار تسيل باتجاه القنوات والحفر في الشارع الموحش الخالي من المارة .
التقيتها. لم تتأخر كثيرا عن الموعد المضروب بيننا سلفا, عيناها حمراوان مثل حبتي طماطم ناضجتين. دخلنا إلى أقرب مقهى هروبا من عيون تحترف الفضح كما قالت هي.
الى الطاهر بنجلون
ألقى الموج بالجثة على الشاطئ كانت عالقة بصخرة تشبه لوحا من ألواح ركوب البحر ، كان صاحبها يضرب بيديه بين الحين والحين كما تفعل السلحفاة تماما وهي تنزع نحو البحر لتنجو من خطر الكواسر ، كان الملح يعلو شفتيه ، و هو يهذي بين الفينة والأخرى ، طبعا لم أحاول أن أقدم له أي مساعدة أو إسعاف ، أولا لأنه لم يطلبهما مني ، وثانيا لأنني لا اعتقد أن ذلك ضروري ، يفيده أو يفيدني ، بل كنت أتمنى لو استطيع أن انسلخ من واقعي وأشاركه أحلامه ، فجلست إلى جانبه أسترق السمع ماذا يقول الإنسان لحظة وقوفه على العتبة الفاصلة بين عالمين.
هو شهر شباط . الوقت ضحى. السماء داكنة وشاحبة، كسحنة جندي ذاهب إلى ساحة الحرب واثق من هزيمته. الضحى والقهوة يتعانقان، شربت قهوة الضحى، فاكتملت اليقظة في رأسي المثقل ببقايا نوم طال به الليل، وانسلت الصحوة إلى جسدي تنبهه متهادية بوقار جليل. إلى النافذة امتد كفي وفتحتها إلى النصف، اتكأت على حافتها الرفيعة، رنوت إلى حافة الأفق، ثم سحبت نظراتي واعدتها بسرعة إلى أسفل النافذة، إلى مساحة صغيرة متربة ثبت نظري فرأيت قط وقطة .. بحلقت إلى قط اسود متسخ وملطخ بالطين، شكله يوحي أنه أجرب .. وقطة بيضاء نظيفة يلهو الهواء بشعرها الناعم الطويل الناصع الجميل. استلقت القطة بجسدها إلى الأرض وبالأرض التصق ظهرها. مدّت أطرافها الأمامية والخلفية على آخرها. تمطت .. برفق أخذت تتقلب بجسدها المرخي وبهدوء تتلوى، جسدها لين كأنه بلا عظام. ماءت برغبة عارمة للمواء الناعم الهادئ، استمرت تموء بإغراء، غنجت ، فارت، تثنت، ارتخت .. اقترب منها القط نافشا جسمه وشعره .. ضربته برقة ببطن ساقها الأمامي متمنعة، فقفز مبتعدا إلى الوراء قفزة واسعة. اعتدلت القطة ثانية، تبادلا النظرات، تشابكت النظرات متلاحمة في دائرة أخذت تضيق وتصغر في المسافة القليلة الكائنة بين جسديهما. ماء .. ماءت .. مواؤهما اقرب إلى الغرغرة .. أعادت ظهرها إلى الأرض وتمطت .. ماءت، تلوّت، توهجت...