مرآة لجسد يحتضر – قصة : فاطمة الزهراء الرغيوي
غادرت البيت مستعجلة. لم أكحل عينيّ، ولم أغط هالات التعب بماكياج متقن كعادتي.. كان يوما ممطرا، باردا.. ارتديت ملابس دافئة سوداء لكنني تعمدت وضع منديل زهري على كتفي ليكسر كآبة الطقس..كان قريبا مني.. لسبب ما شعرت به. أحسست به يتربص بي في الشارع. لذا لم أعبر مباشرة. . اقتربت من نهاية الرصيف.... لست ادري.. لم يعد هناك مجال للتقدم أكثر، عبرت... وحينها واجهته، اختطفني...
***********************
مددتُ أصابعي أمامي، أعدها، أتأكد من سلامتها.. فتشتُ عن باقي أعضائي.. وجدتني سليمة، سالمة.. أكثر من الضروري .. عندها اكتشفت أني اثنتين ؟
... تحركتُ باحثة عن أطرافي، بقيت من تشبهني على الأرض. وقفتُ، ولم تفعل. انحنيتُ فوقها، حاولت أن أحركها، لكنها بقيت جامدة كحجر، لامستُ جبينها.. شعرها كان مسحوبا للخلف تحت جذع شجرة وتحت رأسها امتدت بقعة دم حمراء!
******************************
جلستُ مرتعبة. لم أشعر ببرودة الأرض ولا بالبلل. الريح بدورها لم تبعثر شعري كعادتها. نظرتُ إليّ مرة أخرى.. لم أبدُ بشعة.
كأنني مستسلمة للحظة تعب على الإسفلت. يدي اليمنى ممتدة على الطريق بينما انحسرت الأخرى في وضعية غير مريحة تحت ظهري، حاولت أن أفلتها دون جدوى....
في مدينتي النائمة بحضن الضفة اليمنى لنهر '' سبو '' ، تبني اللقالق أعشاشها فوق أعمدة النور المعطلة ، لهجرتها موسم معلوم بين الشتاء والصيف ، نتهامس ، تؤذن بربيع محتمل في هذا العام الأغبر !! أراها فتكبر بداخلي رغبة الصعود إليها ، أما السواد المحيط بالرقاب ، فسرعان ما يتلاشى خلف بياض ناصع يتماوج أمام عيون تعبت من بسط السراب على إسفلت داكن .
كان علي أن أنحنى قليلا,رغم قصر قامتي,لألج بهو المسجد العتيق...
انت شامخة، فارعة الطول، عريضة الهيئة، جميلة تتمايل مع كل نسمة ريح راقصة وحالمة تقبل أشعة الشمس كل صباح. تعطي الحنان وتحضن كل محروم كأم تحضن طفلها فظلها يسع كل شيء إنسان ونبات و حيوان، لونها البهي لون الفردوس يكسوها في فصل الربيع ولون الشمس يكسوها في فصل الخريف، كريمة سخية، تطعم الكل بحنان وحنو مختلف.
وهو في كوخه البئيس ، اعتاد أن يستلقي على ظهره... يتأمل السقف...هذه الأخشاب المهترئة... يناوشها ، يشكو إليها مرارة الفقر والحاجة ، لكنه ، بعد حين استدرك ليقول : كفى من الشكوى...أنا والكوخ... ورفع يده عاليا...كهذين الأصبعين ، أنا والكوخ جسد واحد ، روحان في جسد واحد ، أو جسدان فيهما روح واحدة ، أو... لم يدر ما يقول . كان يمقت الفلسفة عن آخرها ، يحتقر هؤلاء وأولئك من الذين يجرون الأسماء والحروف والأفعال... يمططونها ليستخرجوا منها هرطقة أو سفسطة... أو هراء كما تعود أن يسميه... لكنه الآن في حاجة إلى الفلسفة ، على الأقل ليحلل ويفلسف... لم يعد معه غير المجردات... بعد أن غادرته الماديات ، طرد من عمله ، وغادرته زوجته ، وتخلى عنه أصدقاؤه ، لم تستثن منهم الخيانة أحدا... قرر أن يكمل طقوسه ؛ يستلقي على وجه أمه الأرض ، لا يفصله عنها فاصل... يستمد منها الدفء ، وإن كان سطح الزليج باردا ، تبا للخيال ، ما أوسعه وما أوسع ما يدركه... فضاء الخيال مجرة قائمة بذاتها ، بكواكبها ونجومها... بشموسها وأقمارها... يستبد الخيال بالفضاء بعيدا عنه... الفضاء الذي هناك لا الذي هنا ، استعطفه... لا جدوى ، أصر بكل ما يملك من رغبة وإرادة وتصميم ، لكن الخيال ، بقسوته الغريبة ، بفضاضته وشراسته... أبى أن...
وقف صلاح كعادته إلى جانب الطريق وسط السوق ، عن يساره صالون حلاقة ، و عن يمينه بائع خضار ، وأمامه حمار يهش بذيله الذباب عن مؤخرته بهدوء قد ربط بحائط قديم متسخ يعج بالقاذورات . وضع صلاح على الأرض اسطوانة غاز قديمة متهرئة قد تنفجر في أي وقت .. وأخذ يمارس مهنته الجديدة بتجهيز القهوة ، ثم يلّف ويدور ليبيعها من الصباح إلى المساء حتى تنتفخ ساقاه لكثرة المشي ، وهو يصنع قهوة لذيذة بنكهة الهيل يجعلها تغلي على نار هادئة عدّة مرات ، إلى درجة أنها أعجبت الحاج سمير تاجر الجملة ، هو لم يحج ، ولكن الناس منحوه لقب حاج ربما لكثرة أمواله ، ومعروف عنه أنه لا يعجبه العجب أو الصيام في رجب .. وكثيرة هي المعارك الصغيرة التي تنشب بينهما من حين إلى آخر ، لأن الحاج سمير يرفض أحيانا أن يدفع إلى صلاح ثمن القهوة التي يشربها ، فيستشيط صلاح مغتاظا ، ثم ينهال بلسانه المبري على الحاج سمير بقائمة من الشتائم ، وأحيانا يسترسل فيعيرّه بفمه الواسع واصفا إياه بأنه مثل فوهة الزير ، فيهمّ الحاج سمير للحاق به ممسكا عصاه ، لكنه لا يستطيع بسبب مسمار اللحم الذي استوطن باطن قدمه ، لقد زهق صلاح من الحاج سمير حتى صار يتمنى أن يراه يطق ويموت أمام عينيه .. الحاج سمير قلبه يتمزق غضبا من صلاح ، لأنه اقتحم المخزن ذات يوم ليري الناس البضاعة التي يخبؤها أكواما مكدسة...
تلفزيون ملوّن:
فجأة ، و دون إشعار يذكر ، نبتت أوثان في تراب الجسد الواحد كالطحالب تمتد . إنها الآن في تناسل متزايد .
(هل كان غاندي ابن جنية, وبيكاسو مقدم ضريح في ضيافة
من عاداتي أنني أفضّل السير حاسر الرأس، كاشفاً عن صدري حين تعصف الرياح أو يهطل المطر أو ينهمر الثلج متحدياً صفعة الريح أو لسع الثلج والمطر.