أبناء التراب ـــ قصة : زكريا تامر
سئم أحد الأنهار مجراه في الحقول والقرى، ورغب في مغادرته والوصول إلى مدينة ليست بالبعيدة والتسكع في شوارع سمع الكثير عن مبانيها الشاهقة المتفوقة على الجبال، ولكنه كان كسولاً، فبقيت رغبته مجرد حلم في الليل وأمنية في النهار، وتنبّه يوماً لأطفال يلعبون على ضفته ضاحكين مطلقين الصيحات المرحة، وراقبهم بفضول، وتاق إلى مشاركتهم في اللعب، ووجد نفسه يتخلى عن كسله ويهجر مجراه مندفعاً نحو الأطفال محاولاً اللعب معهم، فبوغت بالأطفال يصرخون فزعين، ولاذ بعضهم بالهرب مبتعداً عنه بأقصى سرعة، وطفا بعضهم الآخر على سطحه جثثاً هامدة خنقها ماؤه ولم تعد قادرة على اللعب بمرح، فاستغرب النهر ما حدث، وفقد رغبته في اللعب، وانسحب من الضفة عائداً إلى مجراه مقسماً ألا يغادره. وهرع رجال إلى النهر، وانتشلوا من مياهه الأطفال الغرقى مدّعين أنه قاتل، فاكتأب النهر، وأقسم أنه بريء، ولكن الرجال لم يسمعوا سوى خرير يقوى ويضعف ويعلو وينخفض.
أما الأطفال الناجون، فقد عادوا إلى قريتهم القريبة من شاطئ البحر فرحين بهربهم من هلاك محتوم، وكانوا أطفالاً صفر الوجوه ذوي أجسام هزيلة مغطاة بثياب مهترئة، لا يعرفون الإحساس بالشبع، ولا يذهبون إلى المدرسة كل صباح، وقد سمعوا صوتاً مجهول المصدر يناديهم ويحضهم على الانتحار، ولم يسمع الكبار غير صوت مذيع يصف بحماسة وقائع مباراة في كرة...
السرير موضب بعناية فائقة.
كان شادي الحلو واقفاً في الشارع المظلم الخاوي متردداً بين الذهاب إلى بيت عشيقته أو بيت أمه أو بيته، فطعنه فجأة خنجر طعنة واحدة عنيفة في الجانب الأيسر من صدره، فصرخ متوجعاً، وتمكن من رؤية وجه من طعنه، وكان وجهاً لم يره من قبل، وارتطم شادي بالأرض مرتمياً على ظهره، وتبللت أصابع يديه بدمائه المتدفقة بغزارة من صدره، فحاول الاستغاثة، ولكن استغاثته لم تكن غير أنين متوجع خافت، واقترب منه قط صغير، أبيض اللون، وشرع في لعق الدماء النازفة على الرصيف، فلم يحاول شادي إبعاده، وأغمض عينيه، ودخل بيت عشيقته التي استقبلته بوجه مكفهر متسائلة : لماذا تأخرت؟ أين كنت؟ هل كنت تقامر كعادتك أم كنت عند عشيقة جديدة؟
جلس مطأطأ الرأس ، ذراعاه ممتدتان ، وأصابعه متشابكة حول ركبيته ، وجبهته ملتصقة من حين إلى حين بفخذيه . جسمه يرتعش ، كان قد دبت فيه حرارة غريبة ، أذناه كانتا تلتقطان الكلمات بانتباه وتركيز .
ينتظرني على قارعة الطريق، كعادته. في يسراه يحمل سيجارته، كعادته. يتمسك بطرفها إلى أن تحرقه، فيرمي بها إلى الشارع، متحسرا عليها.. أطراف أصابعه اصطبغت بلون أصفر.. يطول انتظاره لي. يشعر برغبة في إشعال سيجارة اخرى. يخرج علبته من جيبه، يعد سجائره، ثم يعيدها إلى مكانها كاملة العدد..
قصتي هاته
وضاق الأمر بالقايد ، حاصره الإرهاق ، أرهقته طاعة عبيده وإخلاصهم ،تضخم إحساسه بذاته حتى فاض عن ذاته فكيف يفهم الناس أنه مثلهم لا يعلم الغيب ، ولا يستطيع المنح والمنع،وكيف يستطيع أن يفهمهم أنه نذل نجس،وانه خائن متواطئ بل هو النذالة والنجاسة والخيانة والشر ذاته مجسدا يسعى .
المعلم
حين يشرعون في التوافد على مقهاهم ، يكون الشرقاوي / النادل أكمل بالكاد تصفيف الطاولات و الكراسي بالداخل و بعضا منها على شكل سطر مستقيم على الرصيف الضيق ، هم مجموعة من المستخدمين البسطاء للغاية و الموظفين من أدنى المراتب أو الاسميين على الأصح ، وبعض المتوسطين الزائفين إلى جانب مجموعة من المتقاعدين من مهام بسيطة ، و كذلك بعض العاطلين و الحرفيين شبه المشتغلين . كلهم باتوا مشهورين بالمقهى منذ زمان و اشتهرت هي بهم . يسابق كل منهم الزمن كل صباح و كل مساء كيلا يسبقه أحد لزاويته المنذورة له ، بل لكرسيه نفسه ، و لا يستطيع من اصطدم عند قدومه بغريب منشور بزاويته إخفاء تقاطيع وجوم و حزن عميقين من على وجهه ، تحسبه خسر خسرانا فادحا ، وتجده فرحا و نشيطا كطفل و قد غادر الغريب المكان و استعاد هو زاويته دون أن يخفي طقوس الجلوس لأول مرة . كل منهم يتخلص من البيت أو الأولاد أو الزوجة العاملة أو منهم كلهم بسرعة جنونية و ينقذف إلى مقهاه . و من يكون مجبرا على العمل صباحا تجده كالذي يساق إلى الجحيم ، فهو لا يخلف الوعد مع زاويته و كرسيه و لا يغادره إلا في آخر لحظة و في عينيه علامات غبن فادح لعدم إتمام الجلسة إلى آخر رمق و هو ساعة الغذاء أو العشاء الملزمة .و عموما فعلاقاتهم كلهم بعملهم هي علاقات كراهية و حقد لامحدودين ، يعبرون عنها في كل...
الانعكاس
حين عدتُ واسـتيقظتُ، وجدتُني ممدداً على كنبـة جـدي، منهكـاً ككـل مرة، وإن بدوتُ كمن استيقظ من نوم عميق. تعجزني شدة الإجهـاد عـن مجرد التقلُّـب على فراش الكنبة الطري. كنـتُ في نفس المكان عندما جاءوا، وكانت حجرة جدي خالية .. الكنبة تحت نافذة الحجرة مباشرة؛ وكانت النافذة مفتوحة، وخرجت جدتي، بعد أن ســوَّت فراش جدي، تشرف على عملية إعداد الإفطار. كنتُ مستلقياً على الكنبة، رافعاً سـاقيَّ، مستنداً بقدميَّ على إفريز النافذة العريض. كانت الشمس قوية تدفئ القدمين؛ وكنت هانئاً بالسكون، وفي ذهني أن مائدة الإفطـار قادمة، وأن ذلك يعني أنني سأسمع – بعد لحظات – صوت جدتي، في جرسه الموسيقي الجميل؛ تخصني أنا – من بين جميع الأحفـاد المتناثرين في البيت الكبير – وتناديني باسم التدليل الذي تقلب به صفتي إلى أنثى .. وكان في نيتي أن أتمهل، برغم إحساسي الشديد بالجوع، وأتشاغل عنها بالتأمل في صفحة من الصحف التي يكومها جدي بنظام خاص في ركن من إفريز النافذة. اعتدتُ أن أتخابث، لتأتي هي إليَّ – في كل مرة – وتعنفني، وتدغدغني، وتبحث، من فوق ملابسي، عن شيئ بين فخذيَّ؛ وأنا أروغ منها، غير راغب في أن أبتعد عن يديها؛ ولكنها لا تلبث أن تعلن احتجاجها، فقد أجهدتها، والجميع ينتظرونني؛ ثم تدعوني بلطف أن أنشـط وأقوم، وتميل عليَّ، وتلمس...