هشاشة – قصة : الطاهر الشرويطي
ألفى زملاءه لدى بهو المصلحة يتناوبون على التوقيع في ورقة الحضور اليومي . تولى إلى ركن ليشرب فيه سيجارته الصباحية الأولى حتى ينفض زحام الموقعين. نظر إليه أحدهم وسأله عما به . أجاب: "لاشيء". توجه تلقاء مكتبه دون أن يتفطن للنظرات التي كانت تحدجه . وما ان أخذ مقعده حتى أشار إليه الجالس قبالته : " وجهك ، اليوم ، غير طبيعي ؛ فماذا حدث ؟ ". بحركة آلية مسح وجهه بكفه، ثم بسطها أمامه باحثا فيه عن أثر ما. أحس العيون تحيط به من كل الجوانب . " لون وجهك أصفر..صفرة غريبة .. هو أصفر وأحمر معا". " قد تكون حساسية ناتجة عن طعام أكلته " . انطلقت الألسنة من عقالها ولا من يوقفها. استعراض للأمراض والحالات والأعراض والتجارب . بصوت خافت ممطوط قال : " ولكني لا أحس بأي ألم " . لم يسمع كلامه أحد . كان القوم قد غفلوا عن حالته وجرفهم الحديث إلى ضفاف بعيدة . فجأة ، استيقظ شيء ما بداخله ؛ فاعتكر صفوه . راح ينقل عينيه بين الوجوه كأنما يرغب في قول شيء ما. سأل : "كم الساعة الآن ؟ ". لم ينتظر الجواب ، وقام وانصرف .في الشارع بدا في خطوه نحو بيته مجهدا، مطوقا بالصمت والغبار. ذعر غريزي حاصره . تحسس ذقنه ووجنتيه بأصابعه . "هل بدأ وجهي يتغضن ؟ من أي جهة جاءني العطب ؟ قالوا : حمرة، صفرة ، حمرة مع صفرة ؛ أعراض أي مرض...
تجيئين مبرقعة بالماء وبالزخارف العظمى ، تنثرين الضوء على قباب دهشتهم وتؤلفين ما بين الأحمر المأخوذ من ورد الجنائن والأخضر المخطوف من غابات عربستان.... ذاك رداؤك .
القط :
قرأت في جريدة عربية ، تسكن في بحار صمت الأرصفة الفوارة ، الخبر الأزرق التالي:
على نفس الرصيف ,الذي لم يتغير سوى لون طلائه,إذ يبدو احمراره يانعا...قرب نفس العمود الذي تتراقص ألوانه ,وتحت نفس النخلة التي ازدادت ثباتا...الآن أقف.
"يا لائمي في الهوى العذري معذرة مني إليك ولو أنصفت لم تلمِ"
النتوء على رأسه يكبر , يأخذ كل مرة شكلا غريبا ,لا يمكن للمرآة ان تخونه حين يسألها كل صباح قبل ان يخرج الى العمل ,,
حديث مع رَبّة الشفاء
..... ثم أحمل نفسي على حنث القسم الذي اخترت له أغلظ الأيمان ، فأعود إلى الخمرة التي تنكرت لصحبتها فخذلتها رغم حسن المعاشرة، من يدري ؟ لعلها تأويني بعد طول التيه بحثا عن وجه امرأة ظلّت تسكنني في الذاكرة .
أحتاجُ البدء معكِ من الصفر , من أول درجات السّلم
في صباح يوم الإجازة الباكر أحس منصور وهو بين الصحوة والنوم بزلزال عنيف يهز السرير هزات قوية ، وما هي سوى لحظة كلمح البصر حتى عرف أن الهزات ليست ناتجة عن زلزال ، إنما عن زوجته سعدية لمّا أدارت جسدها الضخم إلى ناحيته ، ما إن رأى من تحت اللحاف وجهها الكبير الأسمر المتجهم بتكشيرة حادة حتى سحب اللحاف وطمر به رأسه الأصلع وأدار جسده إلى الناحية الأخرى ، وترك أذنه مرهفة إلى أي همسة أو كلمة تفلت من لسانها ، لسانها الذي لا ينام في صحوتها أو نومها ، وألذ شيء عند منصور في الدنيا كلها هو نوم الصباح تاركا جسده للدفء يسري به ويخدره حتى يشعر بتنميل يدغدغ مفاصله ، فترتخي عضلات جسده وتلين كالعجين ، وهو يتمنى أن تتحول الدنيا بكل أزمانها إلى صباح طويل لا يفنى .. مدت زوجته كفها وسحبت عنه اللحاف ، وأخذ فمها الممدود شبرين يطلق الكلمات ويصوبها إلى طبلة أذنه ..