وريث السكّين – قصة: عامر رمزي
قالت ميري لزوجها إدوارد بعد أن أتمـّت تنظيف القطعة التي بين يديها:- نقـّبنا في الكثير من مواقع العراق الأثرية فلم أجد أغرب من هذه السكـّين.
ناولتها اليه وهي تمسّد النصل بحذر شديد . فأجاب وهو يتفحص باهتمام بالغ مقبضها الذهبي :
- هي متقنة الصنع وبيد حاذقة، وتبدو لي ليست من صناعة محلية، وأرى رقماَ قد نقش عليها هو 443 هـ*.لكن يا للعجب، كيف لم يصدأ نصلها؟! هي سكيّن غامضة ومليئة بالأسرار!!..
- إنه لأمر غريب حقاً ..هل كانوا في تلك الحقبة يستعملون مواداً تمنع صدأ المعادن ؟! ..سأرى أمرها لاحقاً..
واندهشت ميري من أن صور السكين هي الوحيدة التي لم تظهر عندما أظهرت الفيلم الفوتوغرافي..
إلَى غَزَّةَ الحُرَّة الْجَرِيحَة،
رن الجرس رنينا مفزعا، حينما ضغط عليه "محسن"ْ بكل قواه.. ففتح الباب حتى رن مزلاجه .. حملق بعينيه في الكائن الفاتح .. شعاع سماوي هابط من أعلى .. فتاة يكاد ينطق الحسن في سائر كيانها .. رن شيء ما في صدره... قالت بنبرة بها رنة حادة : ما هذا الرنين المزعج ؟ ألا تحترم الناس ؟؟ صوته خرج مِن فيه كرنين إناء صدئ حينما رد...قال وهو لا يعي ما يقول .. إذ الكلمات خرجت مبعثرة ، مقلوبة ، مبهمة .. أثارت حفيظة الكائن السماوي الواقف...قال برنين خافت : أخخو..ك.. فففي .. قاسم.. موجود....موعععد .. الدددار... صفقتِ الباب في وجهه .. تراجع من هول الصدمة..
كأنّ السماء أطبقت على الأرض فتعانقتا ، وما عادت الدنيا تتنفس إلا صدى قبلاتهما الذي يجهل الذبول ،ولكن هي ... كان الطريق بالنسبة لها شيئاً آخر ،إنها دائمة البحث عما يشغلها ، غائبة في عالمها الملائكي ، هكذا باتت ومنذ ذلك المساء الذي غاب فيه عنها .
ضبطْتها..تلك المتكبرة التى تستكثر حتى الرد على أسئلتي المنهكة..اعتقدت لفترة طويلة أنها مصابة بالخرس أو الصمم..كنت أنظر إلى عينيها أتلمس إجابة...تفاعلاً..لكن هيهات.. لمحتها في بعض اللحظات ترمينى بنظرات خفية أقتنصها لأؤكد لي أنها تراني وتشعر بي..لكنى ما ألبث أشكك فيها وألقيها فى مهملات الظنون...اليوم رأيتها منتحية بأوراقها جانباً تكتب..تمنيت أن أطل على أوراقها وأن أنفذ إلى حروفها لأعرف فيم تفكر..لكني خفت الاقتراب ..كأن شيئاً خفياً يمنعني عن الدخول إلى عالمها..راقبتها حتى انتهت..طوت الأوراق وذهبت تدور فى حلقاتها المفرغة التي تنفصل فيها عن كل شيء إلا روتينها اليومي...أحياناً أشعر أنها تترك عقلها تحت وسادتها قبل أن تستسلم لجرار حياتها وتتركه يحملها من مكان إلى مكان..وأحياناً أخرى أراها فقدت القدرة على أى مقاومة لميكانيكية عمرها..فقط لو تترك لي فرصة أناقشها..أحاورها..ربما استطعت أن أساعدها..لكن ترفعها المقصود أو غير المقصود يبنى بيننا حواجز غير مرئية لا أستطيع عبورها......
حمل الفنان التشكيلي الشاب لوحته ، بعد أن لفـَّها بعناية في ورق ملوَّن وصقيل..وتوجه بها إلى مقر اللجنة المنظمة والمشرفة على المسابقة..وانتابه شعور هو مزيج من الرهبة والثقة بالنفس..كان يعلم أن لعبة المسابقات لا تحكمها قوانين مضبوطة ولا تخضع لمعايير دقيقة ..وأن اللجنة بأعضائها الذين تتفاوت مستوياتهم وتختلف أهواؤهم ومشاربهم ، لا يمكنها أن تـُجمع على تعيين العمل الفائـز إلا بعد مداولات وتنازلات من بعض أطرافها لحساب الأكثر نفوذا وتأثيرا ، والذي هو في الغالب رئيسها..
قبالة المرآة ,بصق على الوجه الآخر دامع العينين مستجيرا :” ملعونة تلك (الداية ) التي أخرجتك من رحم أرنبة شهوانية .. سحبتك من رأسك الفارغ , قدميك المهتزتين , يديك المرتعشتين..؟”
على الطرف الآخر، كان يجلس قبالة ذاك الوادي ومنظر غروب الشمس يلامس غروب كل شعور بداخله...
هكذا تمضي الأيام
إلى القاص، الأستاذ أحمد بوزفور
هي تحدق في المعطف البني ،