عباءة الوقار… - قصة : ادريس الحسناوي
لازالت الكلمات تطفح في ذاكرته، رافضة الهروب من عقالها، لأنها كلمات نقشها بقلمه البريء، لأنها معدن عواطفه و أحاسيسه المرهفة. حاول النسيان، انزوى في ركن بغرفته ،عمل على أن يكون الضوء خافتا خفوت نبض فؤاده،ألقى بنظره نحو الجدران البادية مثل لحظة غروب خدشتها غيمات هاربة من كبد السماء. لوحة تحضن آية الكرسي على اليمين، وصورة لفريق كرة القدم المفضل لديه على اليسار. شغل المذياع في " المانتيفون " المعطل، انساب صوت فيروز :اعطني الناي وغن ....فالغنا سر الخلود.....
أحس بالأغنية الصدفة منصفة لحاله، متناغمة مع أحلامه الوردية. أغمض عينيه، تذكر ضفيرتها تسابق خياله الجموح، تطلق العنان لعشق أمسى لديه صوفيا. تصور ابن عربي ينحت تمثالا للعشق في فتوحاته المكية و امرأ القيس واضعا حبل مشنقة في رقبته التي ارتسمت في خياله ممتلئة....و جميل ممتطيا جوداه ، منطلقا نحو خيمة بثينة .
مضى الى عمله ذات صباح مبكرا كعادته
أصابعها تلا مس ُ بعطف ٍ وشوق ٍ أضلع َالبوابة ِالخشبية ....خطوة ٌ واحدة ٌفقط....
كان مستغرقا في عالمه المغلق على ذاته..يستلهم تجربته ويستوحي تأثيراتها العميقة على نفسه..يلفه الهدوء وتغشاه السكينة..ثم سرعان ما يضطرب في حركات لاإرادية وتصدر عنه أصوات كالهمهمة حينا وكالهذيان حينا آخر..كان كأنه في حالة مخاض استعصى فيها الطلق وامتزج فيها الألم باللذة..ألم انفصال كائن جديد عن ذاته ، ولذة إعطاء الحياة لهذا الكائن الجديد..أصبحت هذه الحالة مألوفة لديه ، فاستأنس بها واستأنست به..أصبحت تلازمه كلما خلا إلى نفسه وشرع في كتابة قصيدة شعرية جديدة..لم يعد يذكر كم من الوقت مر عليه وهو على هذه الحال..ولا يريد أن يذكر.. فكل همه الآن هم اكتمال شروط الوضع وحلول لحظة قطع الحبل السري بينه وبين مولوده الجديد ، ليخلد إلى الراحة بعض الوقت قبل أن تعاوده الحالة من جديد..
أخذه التفكير طويلا وهو في حالة استرخاء على السرير الخشبي، لم يحدد قراره النهائي بعد، هل سيترك مسقط ويبتعد عن عمله الشاق؟ هل سيترك ابنة خاله التي تعلق بها قلبه؟.
كنت – أنا – إلى حدود يوم الأربعاء الماضي مواطنا عاديا جدا : موظفا في الرابعة والثلاثين من عمري ، أقضي جل نهاري وراء مكتب قديم ، منكبا على ترتيب الملفات والوثائق ، وكنت منعزلا ومنطويا على نفسي ، أتفادى ما أمكنني معاكسة الآخرين في الحديث وفي الرأي وفي كل شيء... فهزالة جسمي غالبا ما كانت تغري بي المختلفين معي فلا يترددون عن التعنتر علي وضربي بسادية غريبة... وأعترف أنني عدت مرات إلى المنزل في حالة يرثى لها كما يقولون ، يحمل جسمي في أكثر من موضع كدمات وجروحا ، فتسارع أمي إلى مساعدة زوجتي لتنظيف الجروح ووضع الدواء الأحمر والمراهم عليها ، في جو من اللعنات والدعاء على ضاربي ، وعاصفة من التعنيف لي ولومي على التدخل فيما لا يعنيني وما لا طاقة لي به... هكذا كان دأب حياتي إلى حدود صباح الخميس الفائت . كنت أنتظر الحافلة للتوجه إلى العمل ، ولما بدأ هطول المطر، اتخذت لنفسي مكانا على المقعد الطويل المظلل بصفائح الألمنيوم اتقاء للمطر ، جاءت "عائشة الكحلة"وأمرتني بأن أخلي لها مكاني لتجلس فيه هي بعجيزتها العظيمة ، فهي امرأة ومن اللباقة أن أتنازل لها عن مكاني أنا الرجل الشاب ، ولأنه كان هناك شبان آخرون جالسين، ومنهم من يملك مظلة لاتقاء المطر، فقد رفضت أن أتنازل لها عن مكاني !...
قبل هذا السقوط الجذاب لألوان شمس تحرسني و أعرفها .. لمع نجم في يسار المدينة .. لكنه نجم كباقي النجوم التي مرت من هنا .. لم يقو هو الآخر على هدم تماثيل القرية .. فخان العهد القديم .. حين صدق القمر .. و أفرط في مدح بحور الخليل .. و صعد إلى أسفل الجحيم .. فوق جسر هرِم معلق بخيوط من حرير في قمة هذا الهَرم .. هي الآن حروف تمضي في حماية وضع حافل بمجاهل كوابيس الأمس .. قلت و قالت معي فراشات البحر القادم : لا فرق بين ألوان شمس أخمد لهيبها فيضانُ الثلج ..
أتته بكامل زينتها دون موعد فكانت مفاجأة أن تدخل عليه في مقهى الانترنت حيث يشتغل. كان منزويا يقرأ كتابا إلكترونيا رغم ما قد يشكله ذالك من عظيم خطر على عينيه.
إلى اللقااااااااء...».
أباح لي صديقي بنبرة حزينة ، ساردا علي قصة من أجمل ما سمعت :
لا أحد يعلم ماالذي جعل مرجانة تسدُ نوافذ البيت ؟ سدّتها جميعها إلا فوهة الباب وكوّة صغيرة في السقف تعدُ عبر ضوئها الشحيح طعامها وترتبُ أشياءها وترتقُ أثوابها وما كانت لتستعين بأحد في ذلك بل خلطت بنفسها الطين والقش والماء وقطع الزجاج والصفيح ورصّفت الحجر في النوافذ ثم طلته بحرص شديد ووقفت ترقبُ أن يجف البناء وهشت الصبيان لئلا يعبثوا بجهدها . لم تكن مرجانة كثيرة الكلام ولا كانت تستسيغ هذر الآخرين لذك لم تر موجبا لشرح ما أقدمت عليه, ولكن زوجة إبنها التي كانت تسكنُ غير بعيد عنها ذكرت أنها ترى ما لا يُرى وأن عينها كعين الحية لذلك كانت تُبصرُ في الظلام وتنقي القمح من الحصى والدنيا غبش وتعد نقودها وتعين الإبرة دون مصباح. بل ذهبت إلى أكثر من ذلك فاتهمتها بالسّحر والشيطنة وإلا ما حاجتها إلى الحرابي تلك التي كانت تجمعها ؟وما حكاية القطة السوداء التي تلازمها كظلها وما نصبها الفخاخ في الخرائب القبلية لاصطياد ذكر البوم ,؟ وما هذا البخور الحارّ الذي يصدرُ كل مساء من بيتها فيُعمي العيون ويحرقُ الحناجر ؟