البحر الغاضب – قصة : محمد بوزيدان
على شط البحر وقفت تودع حبيبها الصياد ، كل عبارات الحب قيلت في هذا الوداع، ليست هذه أول مرة تودعه فيها، و لكن قلبها يحدثها بأنها قد تكون آخر مرة. البحر بالمقابل اعتاد أن يتابع هذا المشهد بحقد و كره ، غير راض و لا قابل أن يقتسم معه هذا الصياد الحقير قلب الفتاة التي تمناها ، فأمواجه تتلاطم بقوة و تزداد علوا متوعدة الصياد المحب بنهاية حزينة.الحبيبان يتعانقان فوق رمال الشاطئ الدافئة غير عابئين بما يضمره البحر من توعدات مخيفة ، يتراءى خلف ظهريهما خيال الأمواج المنتظرة لخطوات الصياد الأولى. الكل حاول تنبيه العاشقين إلى لغة البحر المهددة، الرمال تنتفض ، الأحجار تتراقص ، حتى طفيليات البحر التي رماها إلى الشاطئ تحمل للصياد و حبيبته نذير الوعيد الشديد.
البحر يحب الفتاة و يغار عليها من ذراعي الصياد المعانقة المداعبة، لا يريد أن يرى منظر الحبيبين و هما يمارسان طقوس الحب ، يشيح بوجهه عنهما ، يحمل هدير أمواجه آهات معاناته ، كلما لمست المياه رجلي العاشقين إلا و أنبأتهما بمكنون ذلك الكائن العظيم ، لكن نشوة الحب تسمو بهما إلى عوالم ملائكية لا تترك لهما أي اتصال بما يجري فوق الأرض.
يقف أمام المرآة، يهتم بترتيب
هندامه وتمشيط شعره، قبل أن يقذفه الهم نحو رحلة مملوءة بالتعب والمعاناة...هذا يومه الخامس منذ عودته من " دبـي "...لم ينم جيدا سوى ساعتين فقط..ليودع بذلك أيام الراحة والهدوء...بل آذاه انقطاع الكهرباء وأصوات الرصاص ...أشعلت القذائف سماء بغداد... لتشتعل في داخله نيران الأرق...يبتلعه الظلام الدامس ...يدثره السواد...ويزيد خوفه وحشة المكان.
انقطع التيار فجأة، فأسدل الليل ستائره وراح الصمت يغرس نابه منقضاً على ضجيج ٍ أبكم، تقوقع الجميع مكانه ساكنا لا تسمع إلا همساٌ،
بكاء الصغار يقطع أنين السكون، وصوت ارتطام كرسى بصاحبه يأتيك من طرف خفى، واجتمع محاقُ الشهر وبرده مع غضبِ عواصفٍ، ورابعهم قيلولة التيار، تحولت القرية إلى أشباح وآذان صاغية، هدأ صوت الأطفال رويدا على ثدى أم التقطه جزعا لا جوعا، أو فناء شمعة تطعمنا نورها ليذوب داخلنا مانحا أمانا ودفئا نلتمسه .أهاج الظلام فى النفوس نوماً غير مأمول، وحرك فى آخرين يقظة أفئدةناسكة، أوشهوات مسعورة مكبوته، والتمست مذياعى
القديم تريد أركانه أن تنقض، يقيم أوده أستيك فقد صفته حتى لا تخرج أحشاءه، ورحت أستجديه يسامرنى ظلام ليلى...أدرته برفق...أخرسه الليل، هززته بلين كى ينفض ما علاه من قسوة الهجر...أبى نطقا كمن يعاقبُ حين مقدرةٍ، رحتُ أتحسسُ بطاريته فصرخت وتقيأت بصدأٍ وصديدٍ فى جوفها وفاض ليعدى جيرانها، انقطعت أمعاء الرجاء لدى فى صديق أصارع معه أبابيل الليل العاصفة.
في تلك القرية الآمنة, حيث القلوب فيها هي الدليل إلى كل شيئ , لم يكن هناك حاجة لأنوار إضافية تضيئ الدروب , فالناس كل الناس أدمنوا تلك الزوايا والدروب, فكانوا يمشون مسترشدين بإستبصارات داخلية لايعنيها أي أضواء خارجية قد تزيد الطرق المرصوفة بالحب ظلاماً .
تتسلقك النظرات طويلا.. وأنت " كنشيد ساحلي حزين"·، لم تلق بالا للوهلات الأولى للنظرات تتصعد هامتك، للنظرات تتدحرج إلى أن تقيس ظلك، أكانت علاقتك تتلخص مع هؤلاء الناس بأن بينك وبينهم دما أحمر. أعرف أنك كتبت على ظهر كراسك يوما: " أريد أن يبقى دمي مشرقا حتى في دمائهم"··
كان الشاب يسرع الخطى وهو يدخن سيجارة تجاور حمرة لهبها شفتيه ويتأبط قنينة خمر رخيص متجها نحو ماخور تنادي من نوافذه المومسات على المارة كما ينادي الباعة المتجولون على الزبناء حينما أوقفته كلمات شيخ تعلو ملامحه علامات دراسة الفراسة:
المشهد الأول : غير مرئى
الصّنّارة :
عَنْتَرَة البَئيس :
هذا الحرفٌ سفينة تبحرٌ بي إلى المزيد من جزر ملح المدينة .. أقيمُ داخل زنزانة شوق .. يكتبني مدنا تنفث صمتا مقيتا .. أرى جسرا يشرده يبسٌ الوقت .. رجالا و نساء و أطفالا تحت سقف مطرٍ أشتهيه .. يصارعهم السؤالٌ عن لون المحال .. أرى كرسيا من حجر ينقش اسم ولده الجنين .. بين أزقة تحترق وردا في الجبين .. لكَ الجلالة أيّها الحرفٌ المغسول الوجه بماء البحر و الريحان... و على رصيف المدينة يمدّ الضجرُ ذراعه المقوس إلى الأشجار المارة أمامه .. يطلب منهم قراءة مدن المنشور الوهّاجة .. فيردّون أنهم لا يٌحسنون العوْمَ في مياه مستنقع لعين .. و كالطفل البحري أسألٌ حارس المدينة عن رائحة هذه الخريطة الممتدة عبر رمال من جحيمٍ .. مَن يكون هذا السائل الأزرق في ليلنا البهيم ..؟؟
من العالم البعيد كانت تهب عليه الذكريات باردة جافة كعيون ليل متربصة بوجدانه.