استفاق أحمد مضطرب المزاج، مشوش الذهن.. حاول ان يطرد من رأسه أفكارا و هواجس ليبدأ نهاره كالمعتاد، لكن تأثير الصدمة كان أقوى .. فلم تفلح محاولاته الكثيرة للعثور على الكتاب..الكتاب الازرق او الصديق الوفي كما يحلو له ان يسميه..
لقد قضى البارحة يومه باحثا عنه ، لكن اجتهاده باء بالفشل..
الكتاب عنده بمنزلة الصديق..
اشتراه عندما كان طالبا في المستوى الاعدادي..
لازمه طيلة سنوات الدراسة، وكان فخوارا به بين زملائه..
بحث عنه وسط كومة كتب قديمة قل استعمالها، وداخل مجموعة أوراق ملقاة بأحد جوانب البيت.. وفكر ان يسأل زوجته في الموضوع لكنه تراجع عن الفكرة..
لهفته على الكتاب ليس لها حد، وفكرأن يسأل صديقه بشير الذي شاركه غرفة بالحي الجامعي أيام الدراسة فأجابه الصديق قائلا« ما عادت لي صلة بالكتب مثلما كنت يا صديقي..العمل في الادارة يأخذ كل وقتي..».

    حنين، حنيني إليك، أين المفر منه ومنك؟ فأنا أهرب منك إليك، أهرب بعيدا، وما تهرب إلا مخيلتي وراء الذكريات، فأين المفر؟ أهرب لأجد نفسي في حضن الذكريات، ذكريات قال عنها إنها زادي وملاذي في ساعات الوحدة، لأعثر عليها تتلصص على ألمي وتتفق مع الشيطان في طرح جسدي لخبايا الشر، تقدم دموعي ونزيف قلبي قرابين ليظل سيّد الشر، وتظل هي عالقة في مخيلتي، إفرازات الهوى تشدني بخيط ناظم يفصل بينه وبين ذكرياته، يمكن أن نقول عنه فن الوخز بالإبر؛ وخز يجعلك تحس بالألم في البداية؛ ثم يتلاشى شيئا فشيئا من مخيلتك الصغيرة، لكن الوخز الحقيقي الذي يوجعنا أكثر و يظل يرافقنا، هو وجع ذكرياتنا.

     هذه أول خاطرة لندى مع أفكارها، عنونتها ب: "لماذا أكتب"، وكان هذا أول تساؤل انتاب مخيلتها، و أول كلمات أثقلتها ليلة كاملة منذ أن التقت بأحمد زميل دراستها القديم، أعادت رفع القلم مرة ثانية بعد أن انتهت من مناوشاتها مع ذكرياتها، لكنها عجزت عن الكتابة، شملت جسدها رعشة رقيقة؛ رعشة الموت و الحياة، لم تجد سلواها إلا في تسليم أمرها للدموع، والمشي بخطوات مبعثرة  من اليمين إلى اليسار؛ ومن اليسار إلى اليمين، تحاول شغل أفكارها عن التفكير في أحمد، ظلت ليلة كاملة ما بين جبروت الصحوة و ميلان النوم، منتظرة بكل لهفة بزوغ شمس يوم جديد....

في بادئ الأمر كان الأمر عسيراً جداً. أن تمضي الليل مستيقظاً، ليس أفضل الخيارات. لكنني لم أكن سيد القرار. وكان عليّ تقبل وردية العمل المسائية.
لم تكن لدي مهام وافرة، بحيث أكسب وقتاً كافياً لأختلي بكنزي، وأطالع بعضاً من فصول كتابي، فطالما عشقت مجالسة المؤلفات والدواوين في الليالي الحالكة، أستدفئ بدفئها وأستنير بنورها.
لا أحد يزعجني. وحدها أصوات الأجهزة كانت تلاطف مسمعي وتؤنسني.
أحياناً كان زميلي أسد يأتيني بكأس القهوة، ونتجاذب أطراف الحديث، ثم يعود إلى مكتبه الذي يبعد عن مكتبي بثلاثة أَقسام.
مضت سبعة أشهر على هذا الحال الذي لم أرتح له، لكن قبِلت به إلى أن حانت ليلتي الأخيرة هناك.
كنت أستمتع بكوب قهوتي في المنزل حين هاتفني حسين مساءً. توسّلني أن أعمل مكانه تلك الليلة بسبب مرض ابنته صوفيا التي كنت أحب ملاعبتها دائماً. قبِلت طلبه لعطفي على الصغيرة، ولحظي التعيس كانت ليلة ماطرة.
هاتفت سائق سيارة الأجرة، الذي كان رقمه المحمول بحوزتي، وأقنعته بإيصالي إلى مكان عملي في أجواء عاصفة.
لدى بلوغي المقر، وجدت أسد في انتظاري عند المدخل، لكن مزاجي السيئ منعني من أن أبادله التحية بأحسن منها فدخلت مسرعاً.
مضت من وقتي ساعة في تعديل الملفات، التي عرفت كثرة...

اكتشفتها في سطرين أو ثلاثة. تلك البلاغة العميقة عن الموت ورحيل الآخرين بلا استئذان. كان أبي أحدهم، وربما لم أفقد غيره بمثل تلك الدعابة الفجة التي صاغها حكيم عن الفراق المبكر للحياة.
نمشي إلى الموت غير مصدقين. حيارى يأكلنا الحنين إلى انبثاقات الرحم، حيث تبدأ الحياة صراخا كأنها لا تطاق منذ البداية. ثم يصير الأمر عادة قبل أن ندمن وهم الخلود. وفي هدأة العمر حين ترتخي العضلات، يبرز صدأ الحقيقة المتدثر بالأمنيات: فلان مات!
وفلان هذا يقطن غرفة في سطح البناية. متران على ثلاثة أمتار هي كل ما جادت به الدنيا على "عمي حدو". كهل قارب الخمسين بلا ولد أو وتد. زعموا أنه كان يخنق النصراني بيديه زمن الاحتلال الفرنسي، ويلقي الجثة في مزبلة خارج البلدة. بحثوا عن الفاعل شهورا طويلة قبل أن تشي به أرملة في الأربعين لعشيقها الذي يعمل كلب حراسة في فيلا الكولونيل.
سوق النسا سوق مطيار يقول عبد الرحمن المجذوب. وبعد أن سطعت شمس الحرية و الاستقلال كثر المجاذيب في حينا. منهم من قضى نحبه تحت وطأة الجحود، أما عمي حدو فكان يشير بسبابته إلى السماء راضيا. تحملوا وطأة التعذيب ورطوبة الزنازين ليفترشوا عتبة الوطن حتى حين. وطال ال" حين" سنوات قبل أن تشرع الحكومة في جرد...

لم أره يضحك و لو مرة واحدة طوال حياتي ، و لا أحد في القرية يتذكر أنه رآه مرة يضحك .صارم النظرات كان صامتا كوادي قريتنا ، وارفا كالشمس هادئا كليالي الربيع ، بمعطفه الأسود و كبوسه الاحمر و حذائه الثقيل يبدو من بعيد وهو يمشي في شوارع القرية الترابية يتبعه كلبه ، جبلا من العظمة وبستانا من أكاليل الورد و أهازيج المتعبين .
كان الناس يتهافتون على مصافحته و السلام عليه فهو أول من أدخل سيارة إلى القرية ، يومها ظهر للناس و كأنه جنيّ يمتطي غولة من الصخب ، يقول الناس أنها كانت سيارة عسكرية ألمانية مكشوفة ، لقد عمل مع الألمان طويلا حين سيطروا على جنوب تونس ، يترجم لهم و يساعدهم في كل شيء هكذا يقول أهالي القرية ، تعلم فنون البناء منهم و لقنوه لغتهم ، فتشرّب منهم الصرامة و حب العمل و قلة الكلام ، و لذلك كان أهالي القرية يتهامسون بأنه أصبح هو أيضا ألمانيًّا حتى بعد أن تركوا قريتنا ،رافقهم هو إلى الحدود الليبية . وحتى بعد الحرب والاستقلال ظل سبّاقا في كل شيء : فهو أول من بنى بيتا كبيرا فيه الماء والكهرباء ، و أول من أدخل خط هاتف أرضي في القرية ، و أول من كان ينزع أسنانه ويركبها كساحر و الناس منبهرون بذلك العجوز الذي سكنه الجن ، و هو الوحيد...

- "اعذرني يا سيدي. فأحيانا تخذلني ذاكرتي وهي على قطار العودة إلى أيام الصبا. لا أشعر إلا وقد هربت دموعي مني اشتياقاً لأيام ما ظننتها تبيد أبداً.
ألفت الاستيقاظ باكرًا. أرتشف قهوتي الدافئة قبل أن أرتمي في حجر أمي لتمشط شعري برفق استعدادًا لذهابي إلى الجامعة. أحيانًا كانت تضفر لي جدائل طويلة كما تُضفر للأميرة التي سمعت قصصها باستمرار من أبي منذ الصغر قبل أن يداهمني النعاس.
تحملني خطواتي المستعجلة كل صباح نحو ذلك المقعد بالذات؛ بجانب مقعده حيث تعودت الجلوس، بينما تعود هو على مداعبة شعري بلطف قبل أن يكتظ المدرج. عشقت طلته البهية وكل تفاصيله وأنا أترقب تحركاته، خصوصا نظرته تلك التي مازالت تقتحم منامي حتى الآن. لم أكره شيئًا قطّ مثلما كرهت نهاية الحصص وأيام العطل التي كانت تأشيرة لعوالم الشوق والوحدة.
امتزجت الألوان الزاهية بحياتي الرتيبة وألحان الحب عُزفت على أوتار العود السّاكن بدواخلي، لتتشكل لوحة جميلة عندما طلب مني ذات صباح زيارته في بيته بحجة المذاكرة. لم أدرك حينها أنني سأتعود على ما سيحدث حتى غدت تلك المشاعر المتقدة أثناء خلوتنا جزءً لا يتجزأ من عالمي. ذاك الذي انهار دون سابق انذار عندما أعلمني أنه سيرحل لبلد ثان وأن أنسى ما...

إلى جذعيّ النوراني بقريتي أصله ثابتا وفرعه في السماء.

استهلال

''أحيانا الجنون قناع يخفي مقدرة معرفيّة، أكثر يقينا'' نيتشه
أحمد وتلحق باسمه غالبا كلمة بذيئة مسيئة يُكَنَّى بها، يُطْلقها الأنذال الذين لا يكتفون بالتنابز بالألقاب بل يتمادون في إلقاء الكلام على عنانه في سبّك حكايات عنه. مثل هؤلاء لا يدركون أو هم يتجاهلون بأن ذلك نميمة ممقوتة. أليس من حقّ أي كائن أن يتمتع بحرمة وكرامة حاضرا كان أم غائبا؟.

عرفته، غريب الأطوار، محملا بالأسرار، أرى على وجهه ترتسم علامات هموم توحي بمعاني أعظم من الفصاحة نفسها وقد تفهم منها حكمة ضائعة عن كدحه. هو لا يفصح عنها لأنّ الوجود أبهته ويراها الساذج كأنها هي أقصى بلاهته.

رأيتُ شعره اشتعل بياضا وثيابه بالية رثة لا يبالي بالمارين ولا بهذه الحركة العقلانية في ظاهرها والتي في باطنها خداع. تتربص لفعل الشرّ. لكنه لا يبالي بحركة صخب الحياة وضجيجها ولم يغيّر من وضعه كأنّما هو وفيّ لمبدأ تحقير الوجود والموجودات. بحيث أنّه لا يتوانى بأنّ يجعل الذين من حواليه يقولون عنه أنّه مختل العقل تنتابه حالات من الهوس فكان يخيل لهم أنّه يتلوى كالأفعى ويراقص السراب. وتضعه المقادير دوما في مأزق.

أمّا بالنسبة إليّ فإنّه كُلما وقف أمامي برهة صامتا أعطيه إن كان بحوزتي ما يكفي لاقتناء سقائره المفضلة، وكم حاولت في كلّ مرّة أن استبدل الصورة التي كونتها من أقوال...

حتى قبل أن ينبلج الصبح، تسلل من فراشه بانسيابية كما لو كان شعرة انسلت من عجين. كان عليه قطع المسافة التي تفصله عن باب الكوخ في غفلة من الجميع. بدت له المهمة في غاية الصعوبة؛ فأن تتخطى جسد حادة وأبنائها الستة، من دون أن يستفيق أحد منهم، لم يكن بالأمر اليسير ولا الهين؛ كان يتطلب لياقة استثنائية و رشاقة خاصة. ظل يمشي على أطراف أصابع رجليه متأبطا صندله البلاستيكي، يتخطى المطبات واحدا تلو الآخر...بدت له تلك المسافة على قصرها كصراط مستقيم. لم يعد يفصل بينه وبين باب الكوخ سوى جسد أكبر أبنائه، كان ذاك أصعب ما في العملية كلها؛ فبوشعيب ابنه البكر، لم يكن ينام على جنبه كما بقية إخوته، كان يتمدد على ظهره، بل ويرمي برجليه الطويلتين إلى حدود "البراكة"، حتى أن إخوته تقدموا بالعديد من الشكايات، بشأن ما كانت تحدثه رجلاه من ضوضاء، وهي تلتطم بالجدار القصديري للكوخ فيما هم نيام. تمعن جيدا جسم بوشعيب الممدد كجثة، وأدخل إحداثياته إلى قاعدة البيانات، واحتسب بكل دقة واحترافية شكل وحدود آخر خطوة تفصله عن الخلاص. ما كاد يمد رجله، حتى اهتزت طبلة أذنه بصوت حادة الأجش:
" أي نذل أنت؟...تتسحب كقط من دون أن تترك لي مصروف البيت. بماذا تريدني أن أواجه هذا...

الآن عنّ لك أن تعودي بعد كل هذا الغياب وتطرقي بابي وتَنْبُتِي من ركام السنين مسربلة بأردية الموت يلفك الكفن حتى التراقي، وأنت تنظرين بعين إلى الرمس المُعَدِّ ليحويك جسدا بلا روح، وبعينك الأخرى تتنقلين بين هذه الوجوه الكالحة الجاثمة حولك لا تملك إلا أن تطلب لك الشفاء. الآن حمَلَتْك إليّ صفحات الفايسبوك اللعينة وأنت مسجّاة على سرير الموت تتأرجحين بين أنّة وأنّة تطوّح بك الملائكة من وطن إلى وطن تبحثين عن قطعة ترممين بها جسدك الذي يتربص به الفناء ويخاتله ملك الموت.
الآن بعد كل هذا الغياب آن لك أن تضيفي إلى همومي هما آخر فأظل متأرجحا كسفّود بين نار ولظى فلا أملك إلا أن أرسمك نصفين، نصف قابع في ركن قصي من الذاكرة لم تطُلْه يد الزمان فتَمْحُه، وقاوم معلنا التمرد على كل النواميس، كما كُنْتِ دوما، ظل جرحا فاغرا فاه لم يلتئم رغم كل المراهم والمطهرات التي سكبت عليه، قرر البقاء متشبثا كجذوع نخلة هرمة ألِفَت تربتها فخارت أمامها فؤوس كل الذين حاولوا انتزاعها. وشطر آخر أراه الآن على شاشة هاتفي، وجه بنظراته الذابلة المنكسرة الكسيحة الهائمة المستنجدة. أحاول رتق الشطرين فلا أفلح. أحاول في بحث عبثي عنك بشعرك الخرنوبي الطويل المرسل على كتفيك...

في محطة القطار حركة دائمة لا تنتهي..أصوات القطارات ، وصخب المسافرين يحيل المحطة الى فضاء صاخب لا يطاق..في قاعة الانتظار، المكان يختلف..اغلب الحاضرين رجال.. فيما انخرطت بعض النسوة في حديث طويل لا ينتهي..
على احد المقاعد جلس قاسم، واخذ يتأمل الوجوه الجالسة.. وبعد لحظات دخل رجل متوسط القامة بوجه تعلوه لحية خفيفة.. يجرحقيبة، وفي يده جريدة..
أدار قاسم بصره في أنحاء القاعة.. فاستوقفه منظرالملتحي وهو جالس بالقرب منه يقرأ جريدة أجنبية.. الوجه ليس غريبا عنه.. وطفق يتأمله باهتمام.. الملامح يعرفها.. ملامح عمر صديقه القديم.. ولكن صوتا يضج في اعماقه محذرا « كلا.. لم يكن صديقك عمر ذا لحية يوما طيلة مقامك هناك في ديار الغربة..»
وفكر هو.. من الطبيعي ان تتغير الظروف وملامح الوجوه كذلك.. منذ ان كان هناك قبل ما يناهز العشرين سنة .. تغير كل شيء.. تغير كل شيء..

امتلأت قاعة الشركة عن آخرها. احتفال بهيج، نهاية سنة وولادة أخرى. موسيقى تستوطن المكان وتسافر به الى عالم آخر. كله سحر وهدوء وجمال. كان الاحتفال. وكانت، هي هناك، ترمقه من بعيد. من وراء باب مكتبها. تتبعه بنظراتها الخجولة. تراقب كل حركة من جسده وكل تعابير وجهه. تبتسم لما يبتسم، تخاطب نفسها "هل لاحظ اهتمامي به؟" تسافر من جديد مع كل حركة من حركاته النشيطة. تخاطب نفسها من جديد وهي تكاد تحضنه بعينيها "أكيد لاحظ اهتمامي به وبكل حركاته وسكناته." ابتسمت وفي غفلة منها، اقتربت منها زميلة لها، وقالت لها في هدوء وسرية" أما زلت متيمة به؟" انتفضت كطائر جريح، وقالت لها "أنا؟ لا أبدا. لقد نسيته منذ مدة." وعادت تتكلم معها في أي كلام. لكن نظراتها ظلت بعيدة عنها، تراقبه وتغازله.
توارت عن الأنظار، لما لاحظت أنه تائه مع الآخرين في حديث وضحك. عادت الى مكتبها وعينيها تشعان حزنا وألما. مسحت دمعة هاربة وأعادت الى خزانتها هدية صغيرة كانت قد اشترتها له. فهي دائما تحب المفاجآت، وتحب أيضا أن تفاجئ من تحب. سمعت صوتا تعرفه جيدا يلقي تحية مؤدبة، التفتت. كان هناك، متكئا على حائط مكتبها ويرسم على شفتيه ابتسامة هادئة. كأن نظراتها سافرت اليه وحكت له عن...

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية