تَسَلُّلٌ إلى دفتر أسرار أنثى – د. الحسين لحفاوي

نوع الخط وحجمه
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ ريدكس برو يمامة أميري شهرزاد

 وعندما تغيب الشمس عن كون الناس كانت سمائي تضيء برسالة منه أو اتصاله الهاتفيّ فتزهر حدائقي بهجة وتينع براعمي وتورق أغصان أشجاري وتتدفق الينابيع في كل جداولي الناضبة. ويعيدني إلى تلك الأحلام العذبة الجميلة وأتمنى أن أظل هناك في تلك العوالم الزاهية. كان جسورا لكن بلا تهور، يحلق بألف ألف جناح يخترق بي مدن العالم في دقائق، يحملني معه بين دفّتي كتاب ويرحل بي.. كان قارئا نهما لا يشبع من التهام الكتب، يغوص بين الصفحات حتى يكاد يغيب عن العالم المحيط به، لا يمل من الغوص بين ثنايا الكتب وتلافيفها. ذكر لي عناوين لا تحصى من الكتب، وحدثني عن كتّاب عالميين لم أسمع يوما أحدا يتحدث عنهم. حدثني عن حنا مينه وهيمنجواي ودي سرفانتس وجورج أورويل وماركيز وساراماغو ودوستويفسكي وغيرهم كثير. وحدثني عن عوالمهم الروائية الضاجة بالغرائب والعجائب والفنتازيا والمشاعر الإنسانية المتداخلة. يحدثني دائما عن قراءاته. طلبت منه مرات كثيرة، عندما كنت أشعر بادْلْهَّام الكون من حولي، أن يلخص لي كتابا قرأه أو رواية طالعها، وكان يستجيب بفرح طفولي غامر. إلى ذلك فقد كان منصتا جيدا يخشع عند الإصغاء إلي وأنا أحدثه فيبدو لي مثل راهب بوذي يناجي إلهه. أشعر بروحه تغادر جسده وتلتحم بروحي فتعيشا سويا الحكاية التي أرويها له.
يخصني بكل ما كان ينزف به قلمه من قصص وحكايات فأطلع عليها قبل غيري، ويفرح عندما أشيد بلغته التي كان يكتب بها، لغة مذهلة منخّلة حتى ظننت أن جنيا يكتب نيابة عنه أو يشاركه الكتابة. صُوَرٌ أَنْطَق بها السواكن والجوامد، وعبارات حلق بي بها بعيدا إلى السماوات الطباق، وكم مرة سألت نفسي من أي المعاجم ينهل. في ساعات فراغي كنت ألتهم ما يكتب أو ما يرسله إلي مما دوّن.
في ساعات صفائه كان يحدثني عن أمه وأخواته وإخوته. لم يذكر والده يوما لأن جرحه، في ما خمنت، لم يندمل بعد، ظل مفتوحا غير ملتئم، وهو لا يرغب في نَكْئِهِ حتى لا تسيل دماؤه من جديد.
كم تبادلنا رسائل حافلة بأبيات الشعر من مختلف العصور. جعلناها لعبة، يبدأ أحدنا ويتم الآخر الدور، أو يرسل أحدنا شطر بيت فيكمل الآخر الشطر الثاني، أو نتناوب على ترديد مقاطع من أغنيات حفظناها في ما مضى من أعمارنا لفنانين خالدين رتقوا جراح أرواح المحبين والعشاق بعذب أصواتهم وجمال ألحانهم وروعة كلماتهم. هكذا أثثنا كثيرا من ليالينا، وكنا نغوص معا في بحر لجي صافية مياهه ونقية وساحرة.

شعرت مرات أن قلبينا قد هيئا للقائنا قبل أن نلتقي، وأن روحينا قد التقتا في عالم ثان. فعندما تعارفنا ألف كل منا الآخر وأنس له كأن بيننا تعارفا وتآلفا سابقيْن. 
وفجأة بدأت الغيرة تدب في نفسي وتقض مضجعي وتؤرقني وتنغص علي متعة التحليق معه، عندما تخيلت أن امرأة أخرى، وهي زوجته، تشاركني عالمه وتستدفئ بدفئه وتتعطر بأنفاسه. كم تمنيت أن أكون أنا أول من يقع عليها نظره عندما يستيقظ. كم تمنيت أن أعد له فطوره وأشاركه قهوة الصباح. كم تمنيت أن أنتقي له البدلة التي سيرتديها وأرش عليه من عطر اشتريته له على ذوقي... وأن، وأن، وأن... لكن...كلما أحرقتني الغيرة يسيل الدمع حارقا على خدي. وبدأت أشعر باختلال توازن مركبي وأن الموج تحته صار عينفا. وأصبحت ألمح الأسئلة المحبوسة في عيون أبنائي وزوجي.
كنت أغوص في عالمي حتى أنسى لكنني لم أكن أدرك أنني كلما حاولت نسيانه تلبس بي. كنت كالواقف فوق بحر من الرمال المتحركة كلما حرك قدما غاصت الأخرى. وكلما حاولت العودة إلى الشاطئ جذبتني الأعماق لتحاصرني أمواج عاتية لا قدرة لي على الوقوف أمامها. وكنت أدرك يقينا أن مصرعي سيكون بارتطامي على إحدى الصخور المدببة على الشاطئ. وكلما غرقت كان يمد لي يده أو يرمي لي طوق النجاة فيعيدني إلى بر الأمان ويرحل ويتركني أتخبط وحدي في لظى الحيرة والتيه. 
في ليالي وحدتي عندما يأخذني الشوق إليه ويهزني الحنين نحوه كنت أعزف له أعذب المقاطع وأغني له أجمل الأغنيات وأرسلها إليه مضمخة بعطر الروح عبر النسائم التي كنت أتوسل إليها وأحتضنها وألثمها وأرتجاها أن تحملها إليه عسى بعض مني يؤنس وحشة ليله.
كثيرة هي محطات الفرح التي أثثت ليالينا بفورة من الحماس والجنون. اهتز هاتفي ذات ليلة ومع إضاءة شاشته ارتج فؤادي وأنا أحدق في اسمه ورقمه. جاءني صوته منسابا كما عهدته، تهامسنا قليلا ثم ودون أن يمنحني فرصة للتفكير وجدتني أجوب  معه شوارع مدينة طنجة وأزقتها وأنهجها، تلك المدينة العجيبة النائمة في وداعة أقصى الشمال المغربي والمطلة على جبل طارق. تستلقي على كفَّيْ شاطئيْن، يحتضنها من الشرق البحر الأبيض المتوسط بمياهه الساكنة الهادئة وشواطئه الرملية الناعمة. ويحاصرها من الشمال المحيط الأطلسي بأمواجه الهادرة الثائرة وساحله بصخوره الحادة المدببة. تشابكت أصابعنا ونحن نقف مرة فوق إحدى الربى نتأمل انعكاس الأضواء على صفحة الماء، ونمشي مرة أخرى ونحن نجوب الطرقات والأنهج. حدثني ليلتها عن تاريخ هذه المدينة الضاج بالأحداث والمآسي والأفراح والأتراح. حدثني عن حِقَبِ الاستعمار الذي رزحت تحته هذه المدينة. ثم أوينا إلى النزل فأمضينا ما بقي من ليلنا في بهو الاستقبال نتسامر. وعندما أوشك حلمنا على الانتهاء أخرجني منه بتصبحين على خير. كم بكيت أثناء ذلك الهزيع الأخير من تلك الليلة وأنا أرى شاشة هاتفي تنطفئ وصوته ينقطع ليعيدني إلى دنياي الضاجة بالأرق والدموع والقلق والخوف. ليلتها نقمت عليه وعلى نفسي. كيف سمحت له بتسوّر كل الجدران التي شيدتها حولي وظللت أطلق الرصاص على كل من سولت له نفسه الدنو منها. كيف سمحت لنفسي أن أرافقه في تلك الرحلة المجنونة وأن يحملني على بساط من الكلمات ويُثملني بعذب القصائد التي لم تحوها دواوين العشاق ولا كتب سير المحبين. وأغلقت هاتفي ثم قررت أن أضع حدا لهذا التيه وهذا التلاشي. تقلبت في فراشي. لم أنم، لكني عندما غفوت تناوبت عليّ الكوابيس.
ظل هاتفي مغلقا طوال اليوم الموالي. وعندما تجاسرت وفتحته تهاطلت علي الرسائل، كانت كلها منه، يعتذر في جميعها بكل الكلمات التي تحمل معنى الاعتذار. أحسست بصدقه لكنني لم أغفر له. حاول أن يتصل بي مرارا ولم أكن أرد. وعندما أضجرني أجبته بصوت حاد زاجر محايد كأن لم يكن بيننا همس أو ود. شعرت بتردده وارتباكه في رعشة الكلمات من بين شفتيه. رأيت دموع الندم تحرق وجنتيه. أخيرا قبلت اعتذاره ونسيت ما كان بيننا. وباتت أبواب القلب مشرعة على حب مجنون.
صار منذ تلك الليلة يتسلل إلى وحدتي من كوًى مختلفة أو من جراح روحي فيزيد نَكْأَها. وصرت أخط له معالم الدروب التي نسلكها بمفردنا، وبالذكاء الاصطناعي نسجت له خيوط عالم خاص فجبنا أصقاع الدنيا معا وعبرنا البحار والصحارى والجبال، وقطفنا أندر أنواع الثمار وأطيبها، وحلقنا فوق نُدَفِ السحاب.
غادرت يوما مكتبي، فوجدته بانتظاري في موقف السيارات. دعاني للصعود معه، تصنعت كبرياء ولكني كنت في أعماقي أرغب أن يلحّ فأقاسمه مقعدين منفصلين متحاذيين. اندفعت روحي نحوه ثم شعرت بها تجذب جسدي الذي طاوعها بلا تلكؤ. جلست حذوه صامتة وانفصلت روحي عن جسدي فحلقت ثم حطت على حافة مقود السيارة وظلت تتملى سحر عينيه وشفتيه وتداعب خصلات شعر رأسه وتعبث بشعر لحيته وتحاول أن ترتوي من عذب كلماته التي لا نضب معينها. نثر حولي كل ورود الكون ثم التفت نحوي وهمس "كم أتمنى ألا تنتهي هذه الطريق فنظل نسبر حتى نهايات العمر".
كنا نتبادل الرسائل ذات صباح ربيعي جميل مونق، شعرا وحِكَما وكلاما عذبا, وفجأة وصلتني تلك الحروف الخمسة التي ارتج لها كياني. أغلقت الهاتف وأعدت فتحه لأستمرئ ذلك الإحساس العذب وأنا أتملى تلك الحروف بروحي وقلبي وعقلي، وتفتت كياني وعانق كل جزء منه حرفا ثم ضممتها جميعا وعجنتها وضمخت بها روحي فارتوت شراييني. كان اعترافه صادقا مسربلا بغلالة من الفرح والبهجة. كان لحروفه تلك انهمار كانهمار السيل فوق أرضي العطشى كلما غمرها ماؤه قالت هل من مزيد. جفاف سنين العمر أقحل تربتي وجفف ينابيعي وأيبس زرعي. وكان هو الذي بعث الحياة في كل ما خبا من نيراني بحروفه الخمسة تلك.
ولأن الأشياء الجميلة سرعان ما تتفلت من بين أيامنا كما يتفلت الماء من بين أصابع الظمآن، صار عشقي لهاتفي وإدماني عليه دليل إدانة ومحل شك ومحمل شبهة، وأصبحت أسيرة هواجسي. وحاصرتني الأسئلة وكان أفظعها وأكثرها إيلاما: "ماذا لو تفطن زوجي لما يحدث؟" وعشت صراعا داخليا عنيفا وحادا بين قلبي الذي يقودني كالعمياء إليه وإلى عالمه الصاخب، وبين عقلي الذي حزّ كبح فرامله كل جزء مني. 
وأخيرا قررت طي صفحته. 
عندما التقيته آخر مرة في المكتب رأيت الساعة التي أهديتها له ذات فرح تحدق إلي من تحت كمِّ القميص وتبتسم لي وهي تحيط بمعصمه الذي طوّقته بها. لم أقو على توديعه وغادرت المكتب واتجهت نحو مكتب الضبط وسلمت الموظفة هناك مطلب نقلتي إلى فرع أخر من فروع الشركة في مدينة نائية.
في الرواق الطويل سحبت هاتفي من حقيبتي وأرسلت له رسالة أخيرة "هذا القدر من الجنون يكفي". لم أنتظر رده. سارعت إلى محو اسمه من قائمة أصدقائي على الفايسبوك، ثم نزعت شريحة الهاتف واستبدلتها بأخرى. وقطعت بذلك كل ما كان يربطني به لكن كان ألف ألم وألف حزن يعتصران قلبي. وأرغمت نفسي على فراق كان آتيا لا محالة. وهمست لها أواسيها "لن تموتي مادمتِ وجدتِ لكِ مكانا في قلب إنسان". 

 

إضافة تعليق

Security code تحديث

إرسال التعليق

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية