تلك المرأة – قصة: أمينة شرادي
كانت عائدةً إلى بيتها، تحمل بين يديها رغيفًا وتضمه إلى صدرها، كأنها تحضن طفلًا صغيرًا، وتغطيه بالشال الذي كانت تلفّ به رأسها. وتضغط عليه بقوة، خوفًا عليه من الضياع. فقد انتظرت في طابور طويل، حتى استطاعت أن تحصل عليه. منذ ارتفعت الأسعار وانتشر لهيبها كما تنتشر النار في الهشيم، لم تعد «فاطمة» قادرة على تلبية حاجياتها ولا حاجيات زوجها المقعد، الذي كان يشتغل بإحدى مصانع الإسمنت، وأفنى عمره دون المطالبة بتحسين وضعه المادي. كان يخاف كثيرًا من بطش مدير المصنع، الذي كان يهدد كل من ارتفع صوته احتجاجًا على الساعات الإضافية أو على قلّة اليد العاملة. كان إنسانًا مسالمًا، لا يُسمع له صوت.
في يومٍ من الأيام، تأخر في العودة إلى بيته. حلّ الليل وصمت الشارع إلا من نباح الكلاب. ظلت «فاطمة» جالسةً تراقب الباب. «لم يتأخر يومًا. أتمنى أن يكون خيرًا»، همست لروحها الخائفة. نامت على الكرسي، حتى استيقظت في الصباح الباكر على دقات عنيفة. سمعت صوت زوجها، فانتفضت كجريح يتلوى من الألم. فتحت الباب، وكان هناك، غارقًا في دمائه، يحمله اثنان من زملائه. لم يتكلما، كأن لهما تعليمات. كان هناك صمت مريب. تاهت فاطمة بين دماء زوجها وأنينه وصمت...