أنفاس صفوة القول، إن الاهتمام بتدقيق المفاهيم وتقعيدها يعتبر ضروريا سواء من الناحية الإبستمولوجية أو من الناحية الديداكتيكية/التربوية خاصة إذا تعلق الأمر بمفهومي التاريخ والحضارة اللذين أعطيت لهما دلالات وتعاريف مختلفة، أحيانا متضاربة وأحيانا أخرى متكاملة تبعا لتضارب أو تكامل الحقول المعرفية والمدارس المنهجية التي توظفهما في أبحاثها وخطاباتها "العلمية".
مقدمة:
يبدو أن المراجعات النقدية والتقويمية التي تتم اليوم لبعض المفاهيم وحمولاتها المعرفية داخل "مطبخ" العلوم الإنسانية، لا زالت لم تتخلص بعد من شحنتها الإيديولوجية، ولم يتحقق لها بعد شرط الحياد والانفصال عن تلك الشحنة لإعادة تقويمها تقويما موضوعيا ومعقولا، وينطبق هذا القول على مفهوم التاريخ، وبشكل أكثر حدة على مفهوم الحضارة. فالبحث عن تحديد دقيق لدلالة هذين المفهومين يبقى صعبا وشائكا، وغير مانع في نفس الآن وذلك لعدة أسباب منها: أولها أن الحديث في موضوع تحديد مفهوم التاريخ ومفهوم الحضارة يجرنا، وبالضرورة إلى الحديث عن فلسفتهما، ثانيها وجود مقاربات منهجية وحقول معرفية متعددة تستعمل وتهتم بمفهومي الحضارة والتاريخ وموضوعهما، وثالثها تعدد التعاريف وتناقضاتها أحيانا التي أعطيت لهذين المفهومين يحول دون إعطائهما تعريفا دقيقا، شاملا ومانعا. لكن رغم هذه الصعوبات المذكورة وغيرها، فهذا لا يمنعنا من تجديد طرح الأسئلة التالية:

أنفاس يقول المثل الروسي "ويل للخزف إذا وقع على الصخر، وويل له إذا وقع الصخر عليه"...!
نتيجة لقسوة التاريخ, قسم الشعب الفلسطيني الى ثلاثة اجزاء, فأصبح كالمثلث باضلاعه الثلاثة: قاعدته سكان الضفة الغربية وغزة. وضلعه الأول هم فلسطينيو الشتات، بينما يشكل مواطنو" إسرائيل" الفلسطينيون، الضلع الثالث، الضلع الأقصر...وهم "المكوِّن" الأصغر، لكن ما من مثلث بدونهم. كما أنهم مختلفون لأنهم مواطنون في "إسرائيل"، مع كل المعاني الإيجابية والسلبية لذلك.
التسميات:
ان التسميات معقدة، فذلك يقول "فلسطينيي 48" وآخر "عرب 48" أو "عرب الداخل"، أو "الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل"، أو "الأقلية الفلسطينية في إسرائيل" رغم مأساوية تسمية أهل الوطن بـ "الأقلية"،أو فلسطينيي الاحتلال الأول(حسب رأيي الشخصي اعتبرها افضل تسمية) ولكن بالإمكان التعايش مع هذه المصطلحات، أما "عرب إسرائيل"، فحقا انها تسمية قاسية ولا ترحم، فقد يكون لإسرائيل عرب، ولكنهم قلّة، وقلّة جدا جدا. ان أية محاولة للتحليل العلمي للظروف الموضوعية لفلسطينيي الداخل، بحكم كونهم مواطنين في دولة "اسرائيل"، لا بد ان تنطلق من بديهية كونهم لم يناضلوا يوماً ما من اجل قيام هذه الدولة اسرائيل، لم يهاجروا الى الدولة الجديدة كمعظم الأقليات القومية والاثنية في العالم، ولم يتنازلوا يوماً ما عن انتمائهم القومي لشعبهم الفلسطيني وامتهم العربية ولا عن حقهم الشرعي في وطنهم...

أنفاستُعدّ الأطروحات الحديثة الرّائجة، بشأن منشأ اليهودية والمسيحية وتطوّراتهما، صناعة للعقل الغربي بمدارسه الأساسيّة: التاريخيّة والأثريّة واللاّهوتيّة. وقد أملى امتلاك زمام المعرفة في هذه الحقول إلى إشاعة مقولات شتّى، شرقا وغربا، صارت بمثابة اليقينيات. فقد ساهم عدم الاهتمام بتواريخ المذاهب والنّحل الأديان بين العرب، بعدم مواكبة الأبحاث والتطوّرات في هذا العلم، إلى رواج عديد الأطروحات الوافدة، وتقبّل مقولاتها دون تروّ وتثبّت، أو إدراك لأبعادها ومقاصدها.
صيغ التأريخ الحديث لأديان منطقة فلسطين وما جاورها في حضن لاهوتِيي الكنيسة الغربية أساسا، بنحلهم المختلفة، ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى عمق تأثير "المدرسة التّطبيقة للدّراسات الكتابية" - l'école pratique d'études bibliques-، المعروفة بشكل أوسع تحت تسمية:- école biblique-، في الأوساط الفرنكفونية، التي أسّسها الدّومينيكاني م.ج لاغرانج (1855-1938م)، وهو من أبرز الدّارسين الكاثوليك للكتاب المقدّس.
ترافقت عملية التأريخ الحديثة للأديان في المنطقة الشّرقية مع فترة الخروج الأوروبي من عهود الظّلمات وانبلاج عصر الأنوار، الفترة التي احتدّ فيها الصّراع بين النّموذج المسيحيّ الغربي والنّموذج الإسلامي، الذي عرضه الأتراك، وهي فترة مثّل فيها الأواخر عنوان التحدّي للكنيسة...

أنفاس"إن الأبطال الحقيقيين هم الذين يخطون بدمائهم تاريخ أمتهم ويبنون بأجسادهم أمجاد عزتها الشامخة ويشيدون بجماجمهم حصونها المنيعة"..!
فلسطين, ارض عربية الى ابد الآبدين..ارض الدموع والأحزان..ارض المعارك وصراع الارادات..الأرض المقدسة باتت اليوم تستغيث من ظلم ذوي القربى اكثر..فقد خبرت التعامل مع جلاديها وادركت خفايا وخبايا سياساتهم, واعلنت تحديها منذ البدايات, عاقدة العزم على ان لا تحيا الا في عالمها ووسطها العربي, مؤكدة على جذور انتمائها الكنعاني القحطاني..ناطقة بلغة الضاد..تنكسر على حدودها التاريخية كل مؤامرات الابادة وطمس هويتها  الحضارية العربية.. وهنا استذكر ما قاله شاعرنا الفلسطيني الراحل راشد حسين: سنفهم الصخر إن لم يفهم البشر/ إن الشعوب إذا هبت ستنتصر/ومهما صنعتم من النيران نـخمدها/ ألم تروا أننا من لفحها سمر/ ولو قضيتم على الثوار كـــــلهم/ تمرد الشيخ والعكاز والحجر..!
عرفت فلسطين منذ القدم بأرض كنعان، حيث سكنتها القبائل الكنعانية العربية القادمة من الجزيرة العربية، أما أصل التسمية فلسطين فيرجع إلى "فلستا" التي وردت في السجلات الآشورية، وقد أطلق هيرودوت أبو التاريخ اسم فلسطين على الأرض الساحلية للجزء الجنوبي من سوريا الممتدة من سيناء جنوباً وغور الأردن شرقاً، وفي العهد الروماني أصبح اسم فلسطين يطلق على كل الأرض المقدسة،...

أنفاسشهدت البروتستانية والأنجليكانية في العقود الأخيرة تشظّيات وانقسامات عدّة رافقها نشاط حثيث. تجلّت في ما يعرف بتيّارات "التيوكون" أو "النيوكون"، بالتتابع مختصرات اصطلاحي: "اللاّهوتيون المحافظون" و"المحافظون الجدد" في اللّسان الأنجليزي، أو ما ينعت تعميما باليمين المسيحي. وهي تيّارات تمتح رؤاها من التراث البروتستاني الأنجليكاني بشكل عام. فعلى خلاف التّراجع والثّبات الذي يسري في هيكل الكاثوليكية العام، بسبب الهرميّة المؤسّساتية، رغم محاولات اصطناع الإكليروس العَلماني، كجسر رابط بين رجالات الكنيسة وعموم النّاس؛ وبسبب تصلّب المواقف اللاّهوتية من عديد المسائل، مثل التدخّلات العلمية في الحمل، والموت الرّحيم، واستعمال موانع الحمل، والمواقف الصارمة من الجنسية المثليّة.
ففي فرنسا وحدها، تتشكّل الكنيسة، المدينة للتراث البروتستاني الأنجليكاني، من مكوّنات مختلفة، متضاربة ومتنازعة أحيانا، مثل: "جيش الخلاص" و"المعمدانيين"، و"الكاريزميين"، و"كنيسة المعترفين"، و"الإنجيليين"، و"الأصوليين"، و"التحرّريين"، و"اللّوثريين"، و"الميتوديين"، و"المشيخيين"، و"الإصلاحيين".
والواقع في أمريكا لا يختلف كثيرا عمّا عليه الحال في فرنسا، من حيث التمذْهُب والتشظّي، لكن بميزة مغايرة، تتمثّل في قوّة أنشطة النّحل هناك، وتوغّلها في النّسيج...

أنفاس حصيلة القول إن العولمة الثقافية تحاول بما أوتيت به من قوة تقانية وإعلامية اكتساح التاريخ العربي وتنميطه حسب توجهاتها، مما يعني إمكانية اختراقه تمهيدا لإقحامه ضمن ثقافة تجارية تتحكم فها الشركات الكبرى إذا لم يسع المؤرخ العربي إلى تخليصه من أوحالها،
إذا كانت العولمة قد بدأت في عقد التسعينات من هذا القرن كمفهوم اقتصادي يقوم على مبدإ توحيد الأسواق ورفع الحواجز والقيود أمام الشركات الاقتصادية العملاقة المتعددة الجنسيات، والسماح بسيولة السلع والبضائع عبر أرجاء المعمور، فإن أثرها سرعان ما امتد إلى الفضاءات السياسية والاجتماعية والثقافية؛ وهذا الفضاء الأخير هو الذي يعنينا في الورقة باعتبار أن حقل التاريخ يعد إحدى واجهاته الأساسية. فما هي إمكانات تأثير العولمة الثقافية في مجال التاريخ العربي؟ وما هي الظرفية التي تؤطر موقف المؤرخ العربي في تعامله معها؟ وما هي الاستراتيجية المستقبلية لمواجهتها أو التفاعل معها؟ تلك جملة من الأسئلة التي يطمح هذا البحث إلى إثارتها ومحاولة الإجابة عنها.
المؤرخ العربي وظرفية تحديات العولمة الثقافية:
لا مراء في أن الواجهة الثقافية تعتبر أخطر الواجهات المعرضة لرياح التغيير التي تفرضها العولمة، نظرا لما أصبحت تمارسه الثقافات الأجنبية من تأثير واضح على الثقافات المحلية، وما يتمخض عن ذلك من...

أنفاس في نطاق سعي الكنيسة الكاثوليكية لحصر أنشطتها، تنشر دوريا تقريرا إحصائيا بعنوان: -ANNUARIUM STATISTICUM ECCLESIAE-، تتناول فيه قياس تنامي أتباعها ورجالاتها ومؤسّساتها. والتّقرير عمل رسمي داخلي، يعدّه المكتب المركزي للإحصاء، وقد صدرت النسخة الأخيرة عن مكتبة الفاتيكان سنة 2006.
بلغت أعداد الكاثوليك المعمَّدين في العالم 1.098.366.000، ما يساوي 17،2% من العدد الجملي لسكّان المعمورة. ويتوزّع العدد، بحساب المليون، على النّحو التالي: إفريقيا (148.817)، أوروبا (278.736)، أمريكا (548.756)، آسيا (113.489)، الأوقيانوس (8.568).
وأمّا كبريات البلدان الكاثوليكية -بحساب المليون نفر- فهي: البرازيل (153.440)، المكسيك (94.964)، الفلبّين (67.112)، الولايات المتّحدة (66.668)، إيطاليا (56.036)، فرنسا (45.988).
بقيت الأعداد الدّيمغرافية للكاثوليك في أوروبا تقريبا ثابتة، مع أن عدد المعمدّين خلال 2004 سجّل تدحرجا نسبيا مقارنة بـ2003. أمّا بالنّسبة للعدد في إفريقيا، فقد ارتفع ثلاث مرّات خلال ربع قرن، وهو الازدياد الأكثر ديناميكية في العالم الكاثوليكي. كان العدد خلال 1978 55 مليونا تقريبا، وقد بلغ مع حلول 2004 149 مليونا. أمّا في القارة الأمريكية فالأوضاع تشهد استقرارا، حيث 62% من السكّان هم كاثوليك. وفي آسيا تطوّر العدد خلال نفس الفترة، من 2.5%...

أنفاسمنذ اعتلاء البابا بندكتوس السّادس عشر كرسي البابويّة، شهدت الكنيسة الكاثوليكية تحويرات ومراجعات ذات شأن، مسّت اللّيتورجيا وأجهزة المؤسّسة الدّينية. وآخر هذه التحويرات الإقرار في الرّابع عشر من سبتمبر من العام الحالي العودة للقدّاس الترنتي –نسبة لمدينة ترنتو الإيطالية-. ويتمثّل التّراجع، في إقرار أداء القدّاس المذكور، وما يتضمّنه في نصّه من نعت لليهود بالمخاتلة والعمى ودعوة لهم بالتوبة والاهتداء للمسيحيّة، مما أثار بعضهم واعتبروه تنكّرا للمصالحة.
أمّا الجانب الأهمّ في الإصلاح اللّيتورجي فيتمثّل في إحياء استعمال اللّغة اللاّتينية في الصّلاة المسيحية، بعد أن جمدت على إثر المجمع الفاتيكاني الثّاني (1962-1965). تأتي العودة في ظلّ ردّ الاعتبار للعهد الترنتي -Tredentine-(1545-1563)، الذي تميّز بالتقليدية والإصرار على وحدة الشّعيرة، كردّ فعل على ما سمي بانحرافات المصلح البروتستاني مارتن لوثر حينها. فما هي مقاصد هذه العودة؟ كانت دواعي التخلّي خلال العقود السّابقة عن اللّغة اللاّتينية بدافع تقريب القدّاس من النّاس، وإقامته بلغات حيّة مفهومة، بدلا من اللّغة اللاّتينية المتوارية. ترتّب عن اتخاذ ذلك القرار المجمعي تبرّما لعديد رجال الدّين، باعتبار اللاّتينية لغة الكنيسة، والتي صارت تجري مجرى اللّغة المقدّسة، كما شأن العبرية والعربية لدى اليهود والمسلمين. نظرا للحميمية النّاشئة عن تزاوج المسيحية المأوربة مع اللاّتينية، اللّغة الأمّ لعديد...

أنفاس أخذت معطيات التراث القديم تعكس أصداءها مغذية ومعمقة للتيارات الفكرية الإسلامية منذ أواخر عصر الراشدين. ولم يكن بوسع الخلفاء مقاومة هذه التأثيرات طالما لم يستطيعوا وقف حركة التطور الاجتماعي الجانحة نحو «الدنيوية». بل أخذت الثقافة الدينية تفيد من تراث الأوائل في بلورة اتجاهاتها، وتباينت هذه الاتجاهات وفقاً لمعطيات الواقع السياسي والاجتماعي الذي أعيدت صياغته في العصر الأموي.
وتعبر نوعية الثقافة في المدن الإسلامية القديمة والمستحدثة عن خاصية التنوع والتباين تلك في جلاء تام، إذ ظهرت بواكير مدارس فكرية في دمشق والفسطاط والمدينة والبصرة والكوفة. كان لبعضها تأثيرات تالية على حواضر الغرب الإسلامي مثل القيروان وقرطبة. ويرى الأستاذ أحمد أمين أن هذا التباين والتخصص لم يكن جزافاً بل كان انعكاساً لأوضاع اجتماعية.
ففي المدينة ـ التي فقدت مركزها السياسي بانتقال الخلافة إلى دمشق ـ حيث استقرت فلول «الأرستقراطية الثيوقراطية» ـ ساد تياران يتمشيان مع الواقع الجديد، أولهما ديني قح ويتمثل في دراسة الفقه والحديث، ويعول على النص أكثر من التأويل. ومذهب مالك يقدم في هذا الصدد أقوى دليل. والثاني دنيوي ترفي مرح يتمثل في الشعر والغناء والطرب والملح والنوادر، ويعكس حالة الثراء لتلك الأرستقراطية المؤثرة للدعة المجترة أصداء زمن الجاهلية.
وفي دمشق ـ مركز الثقل الجديد ـ تلونت...

شكّل الارتباط المتين للنصّ القرآني بالنصّ التوراتي، سواء في المجالات العقدية أو التّشريعية، إضافة إلى تجارب التّعايش الاجتماعي المبكّرة بين أبناء الملّتين، الإسلامية واليهوديّة، مرجعيّة ثريّة للفكر الإسلامي الكلاسيكيّ وللفكر العربي الحديث في معالجة الظّاهرة اليهوديّة. وبفعل ثقل التاريخ واستفزاز الوقائع، وما نجم عنهما من تطوّرات، جرّاء تغيّر بنية الخارطة السياسيّة للعالم العربي، بتأسّس دولة عبريّة تستلهم وجودها الحضاريّ من المقاصد العامّة للتّراث التوراتي، تأتّى انشغال الفكر العربي المستجدّ باليهوديّة واليهود. فكان الاهتمام بهذا المعطى، بالقدر الذي يثيره الماضي فإن الحاضر يستلزمه، انجرّ عن ذلك تراكم قائمة مرجعية دراسيّة هامّة في المكتبة العربيّة، انشغلت بهذا الحقل، تمازج فيها الإيديولوجي بالعلمي والدّيني بالسّياسي.

جاء اهتمامنا بالمقاربة الدّينية لليهوديّة في الفكر العربي، خلال النّصف الثّاني من القرن العشرين، ضمن هذا الانشغال، فما هويّة هذه المقاربة؟

إنها نظريّة فكر ومنهجه لفكر آخر، سائرة بحسب منظومة تعقّل مسلَّطة على حقل المقدّس في دين محدّد، أطلقنا عليها تسمية الاستهواد. رمنا من خلالها متابعة محاولات التفهّم الدّائرة في حقل الدّيني والمقدّس، السّاعية لفهم الظّاهرة اليهوديّة، بغية الغوص في مدلولات تشكّلها وخفايا رموزها. فالمقاربة الدّينية محاولة لحصر الموضوع في حقل...

أنفاستتيح العودة إلى تاريخ المغرب للباحث الفاحص إمكانية الوقوف على ثلاثة ثوابت رئيسية تحكمت إما عن طريق التناوب أو مجتمعة في تحديد مسار هذا التاريخ ومنعطفاته الكبرى، ونعني بهذه الثوابت الصحراء، الجبل والبحر. وإذا كان حضور الصحراء في التطور الحضاري للمغرب قد حظي ولا يزال باهتمام الدارسين والباحثين، فإن دوري الجبل والبحر ظلا بمنأى عن السبر والتناول العميقين. فباستثناء قلة من الدراسات التي تناولت سيولة الحركة التجارية في بعض المدن المرفئية، لا نكاد نعثر على أعمال جادة تتيح فرصة توضيح مساهمة البحر في تخصيب الحياة السياسية والاجتماعية والذهنية للمغاربة عبر مختلف الحقب والعصور.

وبالمثل، فإن الجبال المغربية ظلت موضوع اهتمام علماء الأرض والجغرافيين، وقلما لفتت أنظار المؤرخين. ونعتقد أن غياب دور الجبال من جدول أعمال المؤرخين يؤثر على قيمة عدد من الخلاصات التي تم التوصل إليها بخصوص التطور التاريخي للمجتمع المغربي. ذلك أن الجبل لم يكن فقط مصدرا للمياه والأخشاب والمعادن، بل كان أيضا منطلقا وملجأ للعديد من التدفقات البشرية، كما كان أيضا نقطة انطلاق إحدى أهم دول الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط ونعني بها دولة الموحدين. وإذا كنا في هذا المقال سنقتصر على مناقشة دور البحر في تاريخ المغرب الوسيط انطلاقا من دراسة حضوره خلال عصر الموحدين بالذات، فإننا نأمل في العودة إلى تبيان دور الجبال وحضورها الوازن في صنع تاريخ المغرب في مناسبة...

مفضلات الشهر من الدراسات التراثية

مفضلات الشهر من التاريخ