البابا بين ضغظ اليهود والحرص على لمّ شمل الكنيسة - د.عزالدين عناية
في وقت يبحث فيه البابا راتسينغر عن لمّ شمل الكنيسة ورص صفوفها، بالسعي لإعادة المنشقين لبيت الطاعة، أفرادا كانوا أم جماعات، جراء ما يتهدّد المؤسّسة من تحلل قسري، ينفرط العقد مجدّدا بمجرّد تجميعه. فلا شك أن البابا الحالي في سعي دؤوب، لإقناع الجميع أن التحدّيات والمخاطر التي تواجه الكاثوليكية، هي تحديات تتربص بالجميع وليس بإكليروس روما وحده. فتحلّل الهوية المسيحية في قارة أوروبا العتيقة، وفي مقابلها حضور تكتل إسلامي نشيط بيولوجيا، يعد بنشاط حضاري ثقافي في المستقبل القريب، صار من الكوابيس الثقيلة. وأحداث الضواحي الباريسية في السنوات القليلة الماضية، كشفت تلك المصائر التي تسير نحوها أوروبا، باستفاقة الجموع الوليدة في الغرب عن هوياتها المغتصبة، في غرب يرنو لطحن المغاير داخل مطحنته الحضارية، من خلال سلبه حتى أبسط رموزه الثقافية.حدثان بارزان يلخّصان محنة الكنيسة في عصر راتسينغر. فقد سعى البابا للقاء المنشقين فرادى وجماعات, وبادر في ذلك منذ اعتلائه كرسي الحبرية، كان ذلك مع منظّر اللاهوت النقدي، هانس كونغ، حيث دعاه للكفّ عما يسببه من نزيف، هو في نظر اللاهوتي إصلاح، لما يدعو إليه من ضرورة خوض حركة إصلاحية داخل المؤسسة الفاتيكانية، والخروج من باراديغمات القرون الوسطى، التي تهيمن على رؤية الكنيسة للعالم. والتي تتلخص في...
يلاحظ المتابع للشأن العربي الإسرائيلي هيمنة الرؤية السياسوية، في تفسير كل ما يتعلق بمبحث الفكر اليهودي، مما خلّف مقاربة محدودة وقاصرة ألحقت ضررا بالرؤية العلمية العربية، وأعمت عن تناول الموضوع خارج هذه الأطر الضيّقة. لذلك نرى غيابا لدراسة الفكر الديني اليهودي بشكل موضوعي، القديم منه والحديث، واختزالا لإسرائيل في محددات سياسية لا غير. وبرغم نشأة عديد ما يسمى بمراكز الأبحاث، في بلدان عربية، تتولى الشأن الإسرائيلي، فإن هناك غيابا لافتا لإيلاء اهتمام للجانب الديني العميق، الذي تستند إليه إسرائيل.
هل هناك حدود لحرية الفكر والرأي ؟ ما هو الفكر ؟ ما هو الرأي ؟
تكاد تتزامن الذكرى السنوية الأولى لرحيل الشاعر سركون بولص مع تهجير أكثر من ألف عائلة مسيحية من الموصل، تحت وابل التهديد والعنف السياسي اللذين يجتاحان العراق، ومثلما رافق وفاة سركون بولص سيلٌ من المقالات، منها ماكان صادقاً ومنها لكُتّاب مراثٍ يشحذون أقلامهم كلما مات مبدعٌ، وتصبح لهم ذكريات معه وتواصل ومكالمات هاتفية من نسج خيالاتهم، رافق وما يزال سيل مقالات تشجب وتستنكر ما يجري لمسيحيي العراق، خصوصاً وأن إلغاء المادة 50 من قانون انتخابات مجالس المحافظات، قد سبق القتل والتهجير، الذي جاء بضغط واضح من جهات تريد الاستيلاء على كل شيء، بالروحية ذاتها التي كانت لدى سابقيهم في الحكم، ناهجة نهج الإقصاء والتهميش أولاً، ومن ثم توزيع الفضلات تحت تسميات المكرمة والدفاع عن مكونات الشعب العراقي، مثبتين أن العقلية التي اتهموها بتهميشهم، هي عقليتهم، لأنهم أبناء حاضنة ثقافية لا تؤمن بالتنوع إلا إذا كان حسب مقاساتهم.
ـ ما هي العلمانية ؟
1. اللغة العربية عبر العصور
ينصرف مفهوم الأخر في الخطاب العربي أو الإسلامي إلي المخالف قومياً أو دينياً .. وقد تجسد منذ وقت مبكر ليعني فقط الفهم المخالف للدين .. فالأنا هو الفهم الرسمي - فهم السلطة للدين - واتباعه ومريديه فالناس علي دين ملوكهم .. والآخر هو كل من عارض السلطة وكل مذهب أو طائفة أو دين أو قومية أو سياسة أو فكر أو بلد يخالف مذهب أو طائفة أو دين أو قومية أو سياسة أو فكر أو بلد السلطة العربية والإسلامية .. لان السلطة تتخذ مذهب الحق وهي الفرقة الناجية وتعتنق دين الله .. وقوميتها هي اشرف القوميات وسياستها اصح السياسات وفكرها مستقيم وبلدها البلد الأمين والآخر هو من يحمل الصفات السلبية المناقضة للصفات الايجابية التي تتسم بها - الأنا أو السلطة - .. وفي العصور الحديثة صار مفهوم الأخر ينصرف فوراً إلي الحضارة الغربية .. إلي تاريخ الغرب وهوياته .. وأخلاقه ومدارسه الفلسفية والثقافية ونظمه الاجتماعية والسياسية !!! فمنذ نابليون بونابرت إلي بوش الابن ، أي منذ غزو مصر عام 1798 إلي غزو العراق عام 2003 .. وعلي مدار قرنين من الزمن .. فان سؤال العلاقة العربية بالغرب لم يبرح إشكاليته المزمنة .. إذ شاب هذه العلاقة المزيد من الالتباس (( بين مد الحروب وجزر التثاقف ، يسيل في طريقها دم كثير ويسيل في وصفها حبر كثير )) . هذه الإشكالية تقوم علي معيارين :
كثر الحديث في السنين الأخيرة عن علاقة الإسلام بالحداثة والمدنية، أو بما أنتجته الحضارة الإنسانية في القرون الأخيرة من خلال مقارنته بالأديان الأخرى أو من خلال تأويل نصوصه وملاءمتها مع العصر بالدعوة إلى الاجتهاد والخلق والإبداع. بيد أن الخوض في هذه العلاقة ليس بجديد على الثقافة العربية والإسلامية، بل كانت طرحت على مدى التاريخ العربي الإسلامي، إما في جدال فكري أو سجالي بين مسلم وغير مسلم دفاعا عن الإسلام كدين وثقافة وحضارة، أو في جدال بين مسلمين أنفسهم: بين من يحاول أي يفصل الإسلام عن الحضارات الأخرى، باعتبار الآخر وحضارته لا يمكن أن يقوما إلا بتدنيس الدين الإسلامي وتقويض دعائمه. أو بين من يحاول أن يجعل من الإسلام دينا وثقافة وحضارة جزءا من الحضارة الإنسانية فاعلا ومنفعلا مؤثرا ومتأثرا، علينا بالضرورة كمسلمين الانخراط فيها كمساهمين ومنتجين بالاعتماد على العقل والعقلانية متشبعين بفكر التسامح والاختلاف وحق الآخر في الوجود.
خلال الخمس وعشرين سنة الأخيرة، خصّ اللاّهوتي السويسري الألماني هانس كونغ الأديان الثّلاثة باهتمام خاصّ، أنتج خلالها، إضافة إلى أعماله الأخرى، ثلاثيّة متعلّقة بالأديان الإبراهيمية، كان مستهلّها عملا بعنوان "اليهوديّة" (1991)، ثم "المسيحيّة" (1994)، وأخيرا "الإسلام" (2004)، وبمناسبة صدور التّرجمة الإيطالية لمؤلّفه الأخير، نوافي القارئ العربي بعرض وتلخيص لأهمّ الأفكار الواردة فيه.
فرضت صيرورة تشكّل الأسس الحضارية في بلاد العرب حضور الدّيني مكوّنا جوهريا داخل العملية، عرف التلازم خلالها تمظهرات عدّة. وداخل التبدّلات والتحوّلات الممتدّة عبر القرون، لايزال الدّيني يحضر في الفرد وفي الشخصية العامة بعد مسيرة حافلة بشتى التقلّبات، الأمر الذي يطرح سؤال تراكم الوعي من انعدامه في تلك العلاقة الجدلية، ومما يجوّز الحديث عن علاقة متأسّسة على تطوّر هرمي متصاعد من الجاهلية إلى العرفانية، أو بالأحرى متراجع نحو اندثار الوعي وتلاشيه.
يعلو ضجيج صاخب حينا، يدعو لحوار الأديان وينادي بتنشيط التثاقف بين الحضارات، في غياب شروطهما العلمية اللاّزمة لهما، محوّلا بذلك المعرفة إلى خطاب استهلاكي سطحي مبتذل. ففي الفاكرة العربية، لا يزال التمثّل رهين التصوّر الخلقي والنوايا الطيّبة في هذا المبحث، والحال أن العملية ليست منعزلة عن تأسيساتها المعرفية اللاّزمة لها. إذ التنمية العلمية الثابتة من موجبات الولوج الموضوعي والمسؤول للحقل، وهو ما يتطلّبه الالتزام الرّوحي والفكري الحق في مستوى هذه المسائل الشائكة.