أنفاسشهدت الأوساط الأكاديمية في إيطاليا خلال الأسابيع الماضية حدثين لافتين: تعلّق الأوّل برفض زيارة البابا، التي كانت مقرّرة في الخامس عشر من جانفي الفائت، إلى المعقل العلمي الأوّل في إيطاليا، وأكبر حرم جامعي في أوروبا، "جامعة لاسابيينسا" بروما؛ وتمثّل الحدث الثاني في نشر قائمة على صفحة ويب، سميت بـ"القائمة السوداء"، ضمّت أسماء 162 أستاذا وباحثا يهوديا يشتغلون في الجامعات الإيطالية، اتهمهم السّاهرون على صفحة الويب، التي سارعت وزارة الداخلية بحجبها، بمناصرة إسرائيل والسعي لتشكيل لوبي أكاديمي يهودي خدمة للصهيونية في إيطاليا. كما دعت الصّفحة إلى مقاطعة التعاون بين الجامعات الإيطالية والجامعات الإسرائيلية، واعتبرت استعمال الشعب الايطالي أداة من طرف أقلية عرقية متأدلجة، ومتماسكة ثقافيا مع كيان سياسي خارجي ألا وهي إسرائيل، من الانزلاقات الخطيرة.
في المسألة الأولى المتعلقة بطرد البابا، لم يأت رفض الزيارة من قبل الطلاب فحسب، الذين رفعوا شعار "لا نريد راتسينغر في معقل المعرفة لسبب أنه رجعي" وأعلنوا "أسبوع مناهضة الإكليروس"، الذي فسِّر بنفوذ تيار يساري داخل الجامعة الإيطالية، بل جاء الرفض أساسا من صنع أساتذة الفيزياء في الجامعة، الذين يعدّون أنفسهم أتباع غاليلي غاليلاي وجُردانو برونو، الذي لازال تمثاله بكامبو ديفيوري في المدينة...

أنفاستدل كلمة إفريقية على الناحية الشمالية الغربية من إفريقيا  خاصة مناطق طرابلس إلى القيروان و نواحي تونس إلى الجزائر أي المنطقة التي كانت تمثل الولاية التي كانت تشمل ناحية ما بعد مصر في عصر الفتوحات والدولتين الأموية  و  العباسية  إلى أن اِستقلت تلك الناحية في عهد الدولة الأغلبية عند آخر القرن الثاني الهجري .
لقد ورد في كتاب ـ الحُلل السندسية في الأخبار التونسية ـ للوزير السراج  بالجزء الأول منه خبر أن ببلاد المغرب مقبرة فيها عشرة من الصحابة بعثهم أهل المغرب رسلا لرسول الله - صلى الله عليه و سلم  - فدخلوا مسجده الشريف فلما وقفوا سألوا عنه - صلى الله عليه و سلم - بلسانهم ( آذا ما زان إيربي) و هي كلمات بربرية : فآذا معناها أين، و آمازان معناها رسول، و ايربي معناها ربي، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :- آشكاب - و معناه - و الله أعلم - أي شيء تريدون - انتهى الخبر  (1)
فهذا الخبر إن كان صحيحا يدل أن العلاقة كانت موجودة بين العرب و البربر قبل الفتح و تمثلت هنا في تبادل العبارات بين الوفد المغربي و الرسول عليه الصلاة و السلام و لا شك أن الاتصال بين الشمال الإفريقي و بين الجزيرة العربية في بعض النواحي كان قائما بينهما من خلال الفراعنة و الفينيقيين و قد بدأ الفتح العربي الإسلامي لإفريقية في عهد عمر بن الخطاب الذي ورد عليه الشاعر أبو ذؤيب الهذلي و...

أنفاسمنذ إرساء الوفاق المعروف بـ"الكونكورداتو"، بين الكنيسة والسّلطة الفاشية سنة 1929، لتنظيم علاقة حاضرة الفاتيكان بالدولة الإيطالية، ترسّخت تقاليد ضمن قاعدة "كنيسة حرّة في دولة حرّة". انجرّ عن ذلك فصل قانوني بين الشأن الدّيني والشّأن المدني، لكن في الواقع عناصر التّداخل كثيرة ومتنوّعة. فمثلا نجد 25679 مدرّسا دينيا تتولى الدّولة دفع رواتبهم، مع أن انتدابهم من مهام الأساقفة لا وزارة التعليم الإيطالية.
من ذلك التداخل نودّ التطرق إلى مسألة مال الكردينال. فللأسف أن الكنيسة في التاريخ الغربي إلتصقت بشكل دائم بأرباب الثروات والإقطاعيين، رغم ادّعائها أنها حاملة بشارة السيّد المسيح وراعية الفقراء.
على إثر عدة فضائح مالية هزّت الكنيسة خلال سبعينيات القرن الماضي، أشهرها تورط بنك الكنيسة، "بنك أمبروزيانو"، في عمليات فساد، اضطرّت القائمين عليه لغلقه. في أعقاب تلك الفترة ترأّس الكردينال كاميلو رويني "المؤتمر الأسقفي الإيطالي"، وأعلن الرجل حينها عجز الكنيسة عن دفع أجور موظّفيها. بعد عشرين سنة من ولايته بُدِّلت الكنيسة غير الكنيسة، عادت لها عافيتها وصار الجميع يخطبون ودّها، ساسة ورؤساء أحزاب، وبلغ تأثيرها في إيطاليا من حزب "التحالف الوطني" اليميني المتطرّف إلى حزب "إعادة التأسيس الشيوعي". وبات الجميع يتبجّحون بميولاتهم الدينية...

أنفاسخبر المثقف العراقي جيدا مساحة العالم الجديد، بدراية نافذة، تحت مظلة عالم الثورة المعلوماتية، المنحدرة ككرة الثلج من الأعلى إلى الأسفل، وكلما وصلت إلى مستوى ما زاد حجمها، أزادت سرعتها، وبقدر ما نزل الى ساحة بلده من طامعين اقليميين، بقي كمثقف حريص؛ متطلعاً بعمق إلى اغلب موروثاته، وموروثات الأمم الأخرى، صار مستشرفاً على ما يجري من تغيرات على خريطة العالم الذي كان رازحاً تحت نير -الحاكم بالدكتاتورية المفرطة، إذ كان موقناً بان ما من حال يدوم، فثمة أنظمة اتخذت من الديكتاتورية سدّا منيعاً لتطبع أنظمتها الثقافية، على أساس (بأنك تستطيع أن تقيد الناس بسلاسل أقوى من الحديد عن طريق أفكارهم هم أنفسهم- ميشيل فوكو)، صار المثقف يرى اقرانه منقسمين إلى جهتين متعاكستين في الاتجاه، الآخر إلى أقصى اليمين تطرفاً، واليسار إلى أقصى اليسار تطرفاً، فالقلق والأمل صنوان لعملة واحدة على الرغم من تعارضهما. قلقهم في التغيرات المتينة للمستحدثات التقنية التي تفرضها القاعدة التكنولوجية، والتي تسير قدما بلا تأخر لتكتسح كل ما حولها، وما كان قديما في الفكرة والاستخدام يجده قد تفتت إلى نتفٍ صغيرة، وربما باتت لا تعني أحدا ابد، (فالفكرة الجيدة لا تذهبها سوى الفكرة الأفضل) والقسم الثاني من المثقفين قد وجدوا أنفسهم أمام عاصفة قوية من الإقتلاعات العلمانية، والأجتثاثات...

أنفاستعرضت الأراضي الفلسطينية في العصور الوسطي مع الشام ومصر للعدوان الصليبي القادم من أوربا تحت مظلة الدين، وذلك في صورة حملات يقودها ملوك وأمراء أوربا لتخليص المقدسات المسيحية من شرور المسلمين. وقد اتخذت هذه الحملات من الصليب شعارا لها ليوهمون به الجميع أنهم جاءوا لنصرة المسيحية، بيد أن الحقيقة كانت عكس ذلك لأن هذه الحركة الصليبية كانت لها دوافع حقيقية عديدة جاءت مستترة تحت الدافع الديني الظاهري المعلن لهذه الحركة. ومن بين هذه الحملات تظهر بجلاء تلك الحملة الصليبية المعروفة بالحملة الصليبية الثالثة التي شهدت أعظم قادة العرب "صلاح الدين الأيوبي" وأشهر ملوك الغرب "ريتشارد قلب الأسد".
وخلال أحداث هذه الحملة دارت المفاوضات بين السلطان صلاح الدين الأيوبي والملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد لمدة عام كامل(1191-1192) وكان فارسها العادل الأيوبي. وفي الغالب ضاع موضوع المفاوضات في ثنايا أحداث الحملة، وبإلقاء الضوء على مائدة التفاوض الأيوبية الصليبية تتضح بعض الجوانب الهامة ومنها حقيقة فكرة المصاهرة السياسية التي اقترحها ريتشارد قلب الأسد لتزويج أخته من العادل الأيوبي شقيق صلاح الدين.
فقد أرسل ريتشارد في 20 أكتوبر 1191م / 29 رمضان 587 هـ برسول للعادل ومعه عرض بالمصاهرة يتمثل في اقتراح ريتشارد بأن يتزوج العادل من جوانا ملكة صقلية...

أنفاس- الألم الأول: حين تعلمت اللغة العربية الفصحى قراءة و كتابة، و تحت نير آلام فادحة و كأني أتعلم لغة الجن ! و ليس لغة آبائي و أجدادي، فالانتقال من الدارجة إلى الفصحى هو انتقال من عالم إلى آخر لا يمت للأول بصلة، و كان ذلك على يد معلمين أجلاء متحمسين بنشوة الاستقلال و جلاء قوات الاحتلال، و يحركهم اعتبار ذاتي رائع و فعالية ذاتية واضحة، و هما دعامة رسالة التعليم، خيل إلي باستمرار و كأني طائر في الحدائق  المعلقة وأصداء الطب و الفلك و الرياضيات و الفلسفة و الشعر و الموسيقى تملأ الدنيا...دنيا العربية. و صاحبني هذا الإحساس الخادع إلى مراحل متأخرة من تعليمي الثانوي، و بالضبط إلى أن بدأ اتصالي بالدرس الفلسفي. هنا بدأت أشعر و كأني نفس ذلك الطائر القديم و لكن بين يدي فلاح خشن ينزع ريش جناحيه و يهم بوضعه في قفص. و لم يكن ذلك أبدا بسبب صعوبات في النحو أو الصرف أو البلاغة أو العروض، أو بسبب ما بات مألوفا لدي حول كون اللغة عموما هي أداة سلطوية و كل اللغات فيها حدود لما يقال و يكتب، أي أننا لا نستطيع أن نقول (باللغة) أو نكتب كل ما نستطيع قوله و كتابته و أن الأمر يبلغ في العربية حدوده القصوى ، لا بل بسبب ما تستمر اللغة العربية في إتاحته من لهو الحديث و فارغه بشكل رهيب، و من إمكانيات فوق-عادية لسلب المجتمع(باللغة) و للركوع و الخنوع و الانحناء و...

أنفاس منذ أن رُبِطَت لاهوتيا مصائر شقّ واسع من أتباع المسيحية في البلاد العربية بالكنيسة الغربية، تكثّف العمل لإضعاف الأواصر التي ترتبط تلك الجماعات بالحضارة العربية الإسلامية. واشتدّت الإغراءات لإلحاقها، خدمة وولاء وتبعية بالكنيسة الغربية. ترافق ذلك المسعى مع الضّعف الذي دبّ في الكيان الحضاري العربسلامي. وربما يلحظ المراقب التاريخي أبرز تلك التحوّلات في ما صار ينعت به مسيحيو البلاد العربية بمسيحيي الشّرق، والنّعت ليس بريئا.
اختُلِقت لتلك الجماعات المجتثّة هويات وقوميات عدّة: آشورية وكلدانية وسريانية وفينيقية وقبطية، إلاّ أن تكون عربية. وصارت العناوين التي تعقد تحتها المؤتمرات واللّقاءات في الغرب، بشأن مناصرة المسيحية "المستضعفة"، وتطارح إشكالياتها وقضاياها، تحت مسمّيات "مسيحيو الشّرق"، مع تغييب متعمّد لنعت "المسيحيين العرب" أو "المسيحية العربية". وغالبا ما تنتهي خلاصة الحديث في تلك اللّقاءات إلى تصوير المسيحيين المشارقة كبش فداء، واتهام الإسلام أوّلا والعرب المسلمين ثانيا. والغريب أن المغرَّر بهم صدّقوا ذلك، وراحوا يتملّصون مما يربطهم بمهدهم الحضاري الشّامل والرحب. تذكّرني واقعة نفي الهويّة والتملّص منها بحكاية شائعة في الغرب الإسلامي -تروي أنّه سئل بغل عن والده -الحمار-، استحى من ذكره، فردّ قائلا: خالي...

أنفاسالكنيسة ومكارِه الحداثة
حين نشر الفيلسوف الأنجليزي برتراند راسّل (1872-1970) كتابه: "لماذا لست مسيحيّا" سنة 1957، وقد جمّع فيه مقالات نشرها في ما مضى بين 1925 و1954، كانت المسيحيّة تشهد تخلّفها عن مسايرة نسق حداثة المجتمعات الغربية. في الكتاب المذكور عالج راسّل المحاور التي جعلت المنظومة اللاّهوتية في الدّيني المسيحي، ولواحقها المؤسّسية السّلطوية، غير قابلة للتعايش مع العقلانية والدّيمقراطية، اللّتين تطبعان الفكر والمجتمعات الحديثة. ولئن عرض في تلك الفترة راسل المبرّرات التي تحول دون أن يكون المثقّف الحداثي مسيحيّا، فإنّ مشروعية طروحاته تبقى حاضرة التّرجمة في واقع تراجع المسيحيّة في الغرب.
ففي معطلع العام الماضي نشرت مجلّة "عالمَ الأديان" الفرنسيّة ملفّا خاصا عن الكاثوليكية في فرنسا، التي درج نعتها بمقولة الكاردينال لانجينيو سنة 1896 "فرنسا، البنت الكبرى للكنيسة"، بينت فيه أن تلك الرّيادة في الغرب، دبّ فيها تراجع مذهل، منذ الثّورة الفرنسية ومنذ إعلان قانون فصل الدّولة عن الكنيسة سنة 1905، وذلك لعدّة أسباب: منها النزوح عن الأرياف وثورة العوائد وتصاعد الفردانية، ويتواصل ذلك الانحدار بدون توقّف حتى الرّاهن.
مازالت ممارسة الشّعائر بشكل منتظم المقياس الأكثر رواجا في قياس التديّن، وفي الحالة الفرنسية تشهد انخفاضا لافتا، فهي لم تعن سوى 10% من...

أنفاسحاوره: أحمد الطراونة *
يرى أستاذ التاريخ في الجامعة الأردنية علي محافظة، أن التاريخ لا يعود ولا يمكن أن يعيد نفسه، مبررا ذلك بأن هنالك أمماً تنقرض وأخرى تتقدم وثالثة تخرج من الحضارة وتعود إليها أو يتوقف إسهامها في الإنسانية. ويضيف محافظة: من يقول إن التاريخ يعيد نفسه، ما يزال يعيش في الماضي ولم يعِ التاريخ والحاضر .
ويؤكد محافظة المولود في بلدة كفر جايز (إربد) سنة 1938، والحاصل على درجة دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة السوربون-باريس (1980) أن الوعي بشكل عام هو وعي سياسي، والوعي بالتاريخ هو جزء من الوعي السياسي، مضيفاً: حتى تعي التاريخ يجب أن تكون متعلما، بمعنى أن الوعي مرتبط بالتعلم، وبما أن التعليم في الوطن العربي كان متأخرا فإن الوعي بالتاريخ وغيره ظل متأخرا أيضاً .
تالياً حوار مع محافظة، حول علم التاريخ، وعلاقة المؤرخ بالمثقف والسياسي، ومدى قدرة الوعي بالتاريخ على فهم المستقبل.
الطراونة : إلى أي حد يمكن أن يكون المؤرخ مثقفا، أو العكس: أن يكون المثقف كالروائي أو المسرحي أو الشاعر ملمّاً بالتاريخ أو عارفا به؟
- من الخصائص الأساسية للمؤرخ أن يكون مثقفا إذا قصدنا بالثقافة الإلمام بمختلف العلوم الاجتماعية وبمختلف قضايا الأمة ومشكلاتها، خصوصا أن المؤرخ يحتاج بشكل مباشر إلى العلم بالجغرافيا والاجتماع والاقتصاد والآثار ومجمل العلوم التي لها...

أنفاسمن الواضح أن من أهم منجزات الصحوة البورجوازية "تصنيف العلوم وتبويبها",واستقلال بعضها عن البعض الاخر,وظهور علوم جديدة لها مباحثها ومناهجها.
وعلى ذلك فليس من المستغرب أن يشهد حقل المعرفة التاريخية الظاهرة نفسها,فيظهر التاريخ كعلم مستقل بذاته عن المعارف الأخرى,ويفيد منها في الوقت عينه,ويصبح "مصطلح التاريخ"_ الذي ظهر إبان بواكير بورجوازية ما قبل الاسلام- شائعا في عصر الصحوة البورجوازية بعد غيبة طويلة إبان العصور السابقة.وتلك ملاحظة بالغة الخطورة على ارتباط العلم بالبورجوازية ,ومن ثم صدق مقولة سوسيولوجية الفكر.
ونتلمس كذلك تأثيرات الصحوة في تقدير علم التاريخ- الذي كان ينظر الى مباحثه وموضوعاته قبل الصحوة نظرة استخفاف – وتبجيل المؤرخين باعتبار "بضاعتهم" "من العوامل المؤثرة في تيارات الحياة...وتؤدي دورا تربويا وسياسيا فعالا".ومعلوم أن ارتباط العلم بالحياة وتكريسه لخدمة أغراض عملية,سمة بارزة من سمات الفكر الليبر الى البورجوازي.وهذا ينفي الرأي القائل بأن "حاجة العرب الى العلم إنبثقت من الدين".
وتقود حقيقة سوسيولوجية نشأة علم التاريخ الإسلامي الى مناقشة آراء الدارسين بصدد تلك النشأة.وتكاد هذه الآراء جميعا تضرب في اتجاه واحد وهو النشأة العربية المحضة,وإن أشارت بعضها الى وجود تأثيرات أجنبية طفيفة.
يقول العلامة أحمد أمين "إن...

أ معلوم أن الجهود السابقة للثورات البورجوازية تمخضت عن تراكم إبستمولوجي تاريخي من حيث المادة والتقنية، فقد تنوعت موضوعات التاريخ، وتشعبت مباحثه، وتعددت أساليب روايته وطرائقها، وتباينت رؤى رواته بما يتمشى وطبيعة التطور السوسيولوجي.
وبديهي أن تفرز الصحوة البروجوازية بنزعتها الليبرالية في التفكير أعلاماً في حقل المعارف التاريخية، لإحداث النقلة في هذا الميدان، بما يواكب التطور الجديد. ولكن الانعطافات الفكرية الكبرى لا تحدث بين عشية وضحاها، فوفقاً لقوانين الجدل يتم التحول تدريجياً، ويظل الفكر السالف يمارس فعالياته إبان عمليات التحول حتى يتلاشى رويداً رويداً، في الوقت نفسه الذي يولد فيه الفكر الجديد ليحل تدريجياً محل القديم.
وإذا ما وضعنا في الاعتبار ما سبق تأكيده من أن نمط الإنتاج البورجوازي السائد بأبنيته الفوقية ـ بطبيعة الحال ـ ولد ولادة متعسرة لم يبرأ من عاهاتها تماماً، مما أعطى نفساً للنمط الإقطاعي الآفل، أدركنا سر استمرارية أغطيته الفكرية تترنح لفترة طويلة دون أن تموت.
في ضوء هذا التحليل يمكن القول: إن المعطيات السابقة لعصور ما قبل الصحوة بصدد الفكر التاريخي ظلت متواجدة في عصر الصحوة، وأن تجاوزها تم بعد تمثلها واستيعابها، وأن هذا التجاوز تم ببطء، لأن معطيات الماضي أصبحت موضوع أولئك الذين تجاوزوا تصور الماضين له.
نفصل ذلك
...

مفضلات الشهر من الدراسات التراثية

مفضلات الشهر من التاريخ