الخلدونية والمكيافيلية وإشعاع فكر وسيط في المتوسط ـ عبد السلام انويكًة
في البحث والدراسة والنقاش العلمي والذاكرة..، يحضر ابن خلدون كأحد أعلام تراث عربي اسلامي وكوني شامخ، ويحضر كجرأة علمية وتحليلِ عَالِمٍ لا يزال مثار أسئلة بهيبة معبرة في حقول معرفيةٍ انسانيةٍ عدة ومتداخلة. ولعل هذا العلامة المؤرخ هو القرن الرابع عشر والعالم العربي الإسلامي ومجمل ما عرفه حوض المتوسط من تحولات على أكثر من صعيد، وهو التاريخ والعقل والذاكرة والذكاء والدهاء السياسي... أخذ العلم فتوفق وفاض علماً وطلب السياسة فاعتلى مناصب وتعرض لِما تعرض من حسدٍ وسجنٍ..، وارتحل شرقاً وغرباً وركب مخاطر بحر وقصد مصر والشام والقدس والحجاز... وعندما يذكر ابن خلدون تذكر مُقدمته التي اشتهر بها واشتهرت به، كعمل علمي أثار عناية كل فئات مجتمع البلاد العربية الإسلامية والعالم، فأحيط ولا يزال بكثير من الدراسة والبحث والجدل... هو تونسي مولداً (1332 م) بوسط أسري كان بأثر بليغ في تكوينه، بكيفية خاصة والده الذي كان محبا للأدب والعمل السياسي ما جعله أول أساتذته. وبقدر قيمة تميزات حياته ومنهجه وفلسفته في الحياة، بقدر ما كان بأثر في مجال تماساته تحديداً حوض المتوسط، من خلال ما كان عليه من إشعاع علمي وعلاقات ودرجة تواصل وتأثير بين أطراف وعاء بحري...
مؤلّف الكتاب الذي نتولى عرضه هو ياكوبو سكاراموتسي، وهو أحد المتخصصين الإيطاليين في الشأن الفاتيكاني، أي من طائفة الخبراء المعروفين باسم "الفاتيكانيست". والفاتيكانيست ليس إعلاميا معنيا بمتابعة الشأن الإخباري لكنيسة روما فحسب، بل هو أيضا متابع لسير أنشطة الحبر المقدّس ومراقب للتحولات الدينية وتداعياتها الاجتماعية، في ظل ما يربط إيطاليا وحاضرة الفاتيكان من تواشج. حيث يتناول كتابُ سكاراموتسي المعنون بعنوان رئيسي رمزي "الفاتيكان ورقصة التانغو" وآخر ثانوي توضيحي "الكنيسة في زمن البابا فرانسيس" واقعَ الكنيسة وتحدياتها في زمن البابا الحالي، وهي بحقّ كنيسة مأزومة لاحت أعراض ذلك جلية مع استقالة الحبر الأسبق وتخلّيه عن مهامه في أجواء درامية.
يعتبر الأرشيف العثماني أول أرشيف منظم في العالم الإسلامي،ويتميز –حسب ما ذهب إليه الباحث والمؤرخ المغربي عبد الرحيم بنحادَة[1] – بكونه مرآة صادقة لدولة شديدة المركزية مترامية الأطراف،ومتنوعا في طبيعته الكيفية والمجالية ما قد يجعله مفيدا في دراسة العلاقات بين ولايات الشمال إفريقي والمغرب من ناحية والباب العالي من جهة ثانية،ويمنحه قيمة تاريخية في معرفة الصدى الذي كان لبعض أحداث المغرب الأقصى في العاصمة استانبول.
شكَّلت المافيا إحدى أبرز ظواهر النفوذ والسيطرة والجريمة عبر مراحل تاريخ إيطاليا الحديث. وقد بلغت الظاهرة شأوا بعيدا إلى أن باتت جزءا لا يتجزأ من انشغالات الخطاب السياسي والقضائي والأمني، في التعبير عن أوضاع التوتر، أو الفساد، أو النفوذ غير المشروع. فقد ظهرت كلمة "مافيا" أوّل ما ظهرت سنة 1863، في كوميديا شعبية في صقلية بعنوان "مافيوزيو فيكاريا"، لاقى العرض حينها نجاحا منقطع النظير واستحسانا بين الناس. محاولة العثور عن أصل دلالي للكلمة باءت بالفشل إلى حدّ الراهن، رغم مساعي عدة لإعطائها تفسيرا مضبوطا ودقيقا. لكن وبشكل عام، تبقى كلمة مافيا متعددة الدلالة متغيرة المضمون، بحسب السياق والوضع ومقاصد الاستعمال. وهي على ما يوحي استعمالها في اللهجات العامية في جنوب إيطاليا شكلٌ من أشكال ممارسة القوة واستغلال النفوذ، وهي سلوكٌ سياسيٌّ مشين أيضا أو تكتّلٌ مصلحيّ فاسد، وبعبارة موجزة هي مظهر من مظاهر العمل غير القانوني واقتراف الجريمة بشكل منظّم. بات للكلمة حضور في الجدل السياسي، وفي التحقيقات القضائية، وفي العروض السينمائية أيضا، للحديث عن الأوساط المتنفذة في إيطاليا بشكل عام، وامتدّ ذلك إلى الولايات المتحدة منذ بداية توافد المهاجرين الإيطاليين نحو أمريكا....
تساءل الفيلسوف اليوناني سقراط، تساؤلا ظل صداه يتردد سنينا وقرونا طوالا. ترى كيف ينبغي أن نحيا؟ وفي السياق ذاته، تساءل علماء السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا وما يحيط بفلكيهما سؤالا آخر، وثيق الصلة بسؤال سقراط فحواه، كيف نحيا معا؟ أسئلة من هذا الحجم -تستلزم منا- أن نتأمل رؤانا في معنى، كيف نحيا معا داخل كل مركب بتمثلاته وتصوراته اسمه الثقافة الشعبية المغربية؟ وأن نحفر عميقا في البنى السوسيوثقافية للذات المغربية؛ بغية الكشف – ما أمكن – عن ذلك التمازج الثقافي الذي تنماز به هذه الذات في ارتباطها بمحيطها المتعدد المكونات والروافد.