تشهد سواحل العالم اليوم تدخلا بشريا بالغ الأنانية في نظامها الدقيق، بفعل العودة الملحمية التي يُدشنها إنسان العصر الحديث باتجاه البحر. فالاقتراب الذي بدا للبعض نوعا من المصالحة مع تاريخنا المائي، ومع ذاكرة الساحل التي تحفظ السجل الأقدم للإنسان العاقل، لم يكن اقترابا ذهنيا وثقافيا بقدر ما كان عودة ترفيهية واقتصادية، تكتسي يوما بعد آخر بُعدا تدميريا للمخلوقات الساحلية.
أصبح العيش على الساحل مليئا بالتحديات، وبحاجة لفهم متجدد لمختلف طرق العيش التي مارسها أسلافنا طوال مالا يقل عن مائتي ألف سنة، بدءا بالصيادين والبحارة القدامى، وصولا إلى المعماريين الهولنديين للأراضي المستصلحة.

في مؤلَّف بعنوان "المسلمون الجدد: المهتدون إلى الإسلام" صادرٌ عن منشورات لافورو الإيطالية، تناول عالم الاجتماع الإيطالي ستيفانو أَلِيافي بالبحث والتحليل ظاهرة التحول الديني إلى الإسلام في الغرب المعاصر. وهي ظاهرةٌ لافتةٌ تمسّ شرائح اجتماعية متنوعة. حيث يرصد الباحث مختلف أشكال الاهتداء، من الاهتداء البراغماتي بقصد الزواج، مرورا باهتداء "البزنس"، كما يطلق عليه، بغرض تيسير الأشغال والأعمال، إلى الاهتداء الروحي المتعطش إلى اليقين، وغيره من ضروب الاهتداء. والمفكر الفرنسي رينيه غينو –René Guénon- (1886-1951م)، الكاثوليكي المنشأ -تلقى تعميده بعد شهرين من مولده- أحد هؤلاء الذين سلكوا طريق الروح للولوج إلى عالم الإسلام، بعد مسار حافل بالتجوال بين مختلف أنواع التقاليد الروحية الكونية، المسيحية والهندوسية والطاوية والبوذية وغيرها، إلى أن انتهى به المطاف عند التقليد الروحي الإسلامي الذي وجد فيه ضالته. وطريق الروح طريق وعرٌ مليءٌ بالبروق الخادعة، كما وصف تشعّباتها أبو حامد الغزالي في "المنقذ": إن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأئمّة في المذاهب على كثرة الفرق وتباين الطّرق، بحرٌ عميقٌ غرق فيه الكثيرون، وما نجا منه إلاّ...

تقديم
مخلوقات ضعيفة ومضطهدة مختفية تحت تشادور أو برقع. تلكم هي الصورة الخالدة النمطية عن النساء العربيات التي تقترحها وسائل الإعلام الغربي، عن طريق الخلط باستخفاف بين السياقات والقوميات. هل ستكون إذن هاته النساء خارج التاريخ؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف نفسر النكوص الكبير الذي شهدته حقوقهن خلال العقود الأخيرة؟ عن هذين السؤالين وغيرهما سوف تجيب الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة من خلال مقالها الذي كان في الأصل محاضرة ألقتها الكاتبة يوم 05 مارس 2015 بمركز الدراسات الفلسطينية التابع لمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن. تعميما للفائدة، أقترح ترجمته من الفرنسية إلى العربية.

نص المقال
هذا شيء معروف جيدا: في الثقافة العربية كما في ثقافات كثيرة أخرى، تجسد المرأة الجنس الضعيف، الجنس الآخر، الجنس المختلف، الجنس الذي لا يرث شيئا من شيء، حتى من اسمه العائلي، الجنس الذي يمكن له أن يجلب الدناءة أو المهانة. استقبلت أسرتي (حدث) ميلادي بالدموع. كنت بنتا، الخامسة في الأسرة، قل خيبة الأمل الخامسة و، بالنسبة لأمي، الهزيمة الخامسة. إلى جانب زوجة عمي، التي أنجبت بنجاح عشرة بنين جمالهم يفوق الوصف، تبدو أمي في صورة المرأة المشؤومة. حاولت أن تظهر أكثر جمالا، أكثر ذكاء...

يندرج مؤلَّف الكاتب الإيطالي بييترانجيلو بوتافوكو ضمن مؤلفات المهتدين الجدد إلى دين الإسلام، وهو ليس كتابا كلاسيكيا عن رحلة اهتداء ديني، كما دأبت العديد من السِّير التي حبّرها لفيف من المتحولين نحو عالم الإسلام؛ بل هو مؤلَّف يروي كيف يرى المعتنق-المنتمي لهذا الدين، ابن الواقع الغربي العلماني، عالمَ الإسلام اليوم، الذي بات منتسبا إليه ومنفعلا بأحداثه وإلى حدّ ما معنيا بمصائره. فليس خطّ التحول نحو الإسلام في الغرب الحديث فاصلا سطحيا، لأناس حيارى وجدوا ضالتهم في سحر الشرق كما يروج عادة، بابتذال للظاهرة المركّبة وتسطيحها؛ بل هو دربٌ عسيرٌ وإدراك عميق، سلكته شريحة في الغرب منها قامات فكرية عالية لعلّ أبرزهم رينيه غينو وهنري كوربان وروجي غارودي. فأية مصاعب وأية تحديات يلقاها هذا "المهاجر الروحي" في طريقه؟ لا سيما في حقبة عاصفة يعيشها المهتدون الجدد، متّهَمين بموالاة أجندات أجنبية، أو محسوبين على دول مارقة وتنظيمات متطرفة عابرة للقارات، تجد ملجأ في فضاءات متوترة من العالم الإسلامي، ولا سيما في المشرق العربي، كما نرى اليوم في بلاد الشام وما جاورها.
إذ يدعو العنف المتفجر في البلاد العربية وبلاد الإسلام عامة، إلى تأمل فكري رصين...

يتعين إنشاء مؤسسة للتدبير، هذه المرة ليس المقصود تدبير المقاولات وإنما تدبير الخلاف..لا تقل مردودية تدبير الخلاف عن تدبير المقاولة، باعتبار أنّ المجتمع هو في نهاية المطاف مقاولة كبرى منتجة وقد تصبح في لحظات تاريخية ما عرضة للإفلاس..هنا الرأسمال الرمزي لا يقلّ أهمية عن الرأسمال المادي إن لم يكن هو الأصل في قيام العمران البشري..ينهار الاقتصاد ويستمر المجتمع يرعى على ذلك المخزون الثقافي بينما لا يستمر المجتمع مع فقد مخزونه الثقافي والرمزي، فماذا لو انهارت القيم الجماعية التي تشدّ عصب الاجتماع؟ الأمة التي تعجز عن إيجاد رابط متين بين الرأسمالين لن تستطيع أن تستمر في التّاريخ..
في الاختلاف ليس من الضروري أن يكون المختلف أقل أو أكثر استيعابا في نظرنا للمطالب وأقل أو أكثر استيفاء للمظان، فحين ينشأ الخلاف ويصبح له عجر وبجر فلا بدّ أن يحلّ التدبير..وإدارة الاختلاف لا تجري بين المتفقين على أصول أو هائمين في قواعد تفكير موحدة أو أذواق متماثلة، بل إنّ موضوع إدارة الاختلاف هو تباين الآراء واختلاف الأذواق..فالتّوحد ليس هو الاشتراك..ففي الاشتراك تظهر الشراكة كبديل حتمي..يتعين النظر أيضا إلى الاختلاف كواقع يجري على الجميع..هو مختلف عنّي لأنني...

يُعدّ كتاب الباحث الإيطالي فرانشيسكو سترازاري من الدراسات القليلة التي تناولت أوضاع المسيحيين في الوقت الراهن في بلدان الخليج العربي، وهو يندرج ضمن اهتمامات الباحث بالمسائل الأمنية والتعايش الديني بين المسلمين والمسيحيين. فقد أصدر في الشأن عددا من المؤلفات منها: "صوب الأرجنتين لمعرفة البابا برغوليو" 2013، و"الكنائس في أكرانيا والقوقاز بعد 1989" 2011، و"المسيحيون بين الأصولية والحرب في بلاد الرافدين" 2010. والكتاب المخصص لشؤون المسيحيين في الخليج العربي يأتي بشكل عام ضمن مناخ يسود فيه تخوّف على مصائر الأقليات المسيحية في البلاد العربية من الأكثرية المسلمة. ولذلك وجب التنبه إلى ضرورة التعاطي مع المسيحية في الخليج العربي ضمن منطق مغاير، بوصفها مسيحية مهاجرة عابرة ووافدة وليست مسيحية أصيلة، حتى لا تُحشَر ضمن منطق الأكثرية والأقلية.
يستهلّ الباحث بحثه بتقديم عام بقلم جورج إميل عيراني الأستاذ في الجامعة الأمريكية في الكويت، يستعرض من خلاله الخاصيات التاريخية والسياسية لمجمل بلدان الخليج، مبرزا الأوضاع الاقتصادية الجيدة التي ساهمت في جذب المسيحيين وغيرهم نحو هذه البلدان. إذ يفوق عدد المهاجرين في بلدان الخليج 15 مليونا، وتبلغ...

 تنبعث فكرة الإصلاح بالبلاد المغاربية خلال القرن التاسع عشر، من عدة اعتبارات فرضت نفسها كقوة ضاغطة حتمت صناعة حل شامل لما هو عليه الوضع بالمنطقة يومها. وقد تجلت هذه الاعتبارات الضاغطة فيما هو داخلي وآخر خارجي، أ كدت بوقعها ضرورة تفعيل هذا الإصلاح. فانتشار الازمات الداخلية المتمثلة في العاملين البشري والطبيعي كالثورات التي ارتفعت الى حد تهديد وجود السلطة الحاكمة والتي كان لها الأثر البالغ فيما آلت إليه الأحوال المغاربية زمنئذ، لعل أبرزها تلك التي قادها الثائر "بوبكر امهاوش" مطلع القرن التاسع عشر بالمغرب، حيث استطاع هذا الشخص أن يجمع تحالفا مهما بالنسبة للقبائل الأطلسية مشكلا بذلك تهديدا خطيرا للسلطة المركزية[1]؛ توازيها حدة في البلاد التونسية ثورة "علي ابن غداهم" 1864م التي جرت على البلاد ويلات التطاحن والصراعات إثر السياسات المغرمية التي انتهجها البايات الحسينيين[2].
ينضاف الى هذا العامل البشري أخر طبيعي أبى إلا أن يزيد المنطقة جروحا الى جروحها، فالجوائح والمصاغب التي كانت تعصف بالبلدان المغاربية من حين لآخر جعلت المنطقة تحت رحمة الطبيعة، فكان من أهمها الطاعون الذي آلم بالبلاد التونسية أواخر القرن الثامن عشر سنة 1784م،...

شهدت الأبحاث الأكاديمية في الغرب خلال العقود الأخيرة تبلور منهج دراسي لافت، لقي حظوة بين العديد من الباحثات والدارسات ممن ينتمين إلى الأوساط الدينية عُرف باسم "اللاهوت النسوي". تعلّق بمعالجة قضايا المرأة في كافة تشعباتها التاريخية والدينية والمؤسساتية، بوصف ذلك اللاهوت تأملا لنساء مسيحيات في سياق الدين والحياة في ضوء الإنجيل. صاغت رائداته العديد من الرؤى المعرفية والدينية بقصد بناء تصورات جديدة في معالجة قضايا المرأة. فبعد حضور دوني في الكنيسة امتدّ قرونا، لم تسنح الفرصة للتنديد بحياة القهر التي ترزح تحت وطأتها المرأة، سوى مع مطلع ستّينيات القرن الماضي. حيث شكّل الكتاب المرجعي لفاليريا غولدستاين 1960، "أنا مرأة وأدرُس اللاّهوت"، قطعا مع اللاّهوت الرّجالي وتدشينا لمرحلة جديدة عُرِفت باسم اللاّهوت النّسوي. ومنذ ذلك العهد تناسلت المؤلفات والأبحاث حتى غدت تيارا شائعا له أنصاره داخل الأوساط الدينية وخارجها. كتاب تيريزا فوركادس "اللاهوت النسوي" الذي نتولى عرضه هو متابعة تاريخية وتحليلية لتطورات ذلك المسار الفكري، من تأليف إحدى المنشغلات بهذا اللاهوت، وهي راهبة ودارسة لاهوت تحمل شهادتي دكتوراه في اللاهوت والطب. عُرِفت تيريزا...

تمرّ هذه الأيام الذكرى الخمسون لتأسيس جماعة "سانت إيجيدو" الكاثوليكية، وهي المنظمة التي أعادت للكنيسة حضورها السياسي الناعم في العديد من القضايا الدولية. فيوم أطلّت الجماعة في الساحة الإيطالية في السابع من فبراير 1968، كانت عبارة عن فصل جديد من فصول الأصولية المسيحية التي تمور بها الساحة الدينية في أوروبا والأمريكتين. في تلك الحقبة كان قد ألمّ بالمحرك الديني الرئيس في روما، شيء من العطل وباتت تعوزه المبادرة التاريخية، جراء غلبة الطابع التقليدي والمحافظ عليه. تلخّص ذلك العطل في عدم قدرة الكنيسة على التلاؤم مع تحولات الناس، على غرار تواصل تحريمها للطلاق، وموقفها المناهض لمساواة المرأة مع الرجل في الترقي الكهنوتي، وهو ما لا يزال جاثما على صدر الكنيسة حتى اليوم. لم تجد كنيسة روما سبيلا للخروج من مأزق التأقلم مع الحداثة سوى التعجيل بعقد مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) في محاولة لمواءمة رسالة الدين مع روح العصر والبحث عن مصالحة مع الزمن، بقصد الإمساك بمجريات الواقع الديني الذي بدأ ينفرط عقده وما عاد للبابا سلطان عليه.

عقِب اعتلاء البابا المستقيل جوزيف راتسينغر كرسي البابوية سنة 2005، بدأ معه تحذير من مخاطر تحوّل الكنيسة إلى مؤسسة دنيوية ربحية، على غرار غيرها من المؤسسات اللاهثة وراء تحقيق النفع المادي. وقد لخّص هرم القيادة الكاثوليكية موقفَه حينها في كتاب حِواري بعنوان "نور العالم"، عدّ فيه ما يجري هو حصيلة مسار سقيم انساق للتأقلم مع الثقافة اللائكية والتصالح مع روح العصر دون مراعاة خصوصية الكنيسة. فقد حالت صلابة راتسينغر الدغمائية دون أن يلوذ الرجل بالصمت، تقديرا منه أن ليس بوسع المرء أن يخدم الله والمال تبعا لما يرد في الإنجيل (متّى6: 24).
في الأثناء توالت الأصوات المحذّرة من الخط الدنيوي الذي بات متسرّبا داخل الكنيسة. وجاء ذلك من المقرَّبين من دوائر القرار في حاضرة الفاتيكان على غرار جان فرانكو سفيدركوسكي النائب الأسبق لرئيس تحرير صحيفة "أوسرتفاتوري رومانو" اللسان الرسمي للفاتيكان، وهو ما ورد بليغا وموجزا في كتابه "عودة رجالات الكنيسة" الصادر قبيل استقالة راتسينغر، والذي عدّد فيه المسائل العاجلة؛ وبالمثل من المتابعين العلمانيين للشأن الفاتيكاني على غرار فرانشيسكو بيلوزو مؤلف كتاب "مصرف البابا" الصادر أواخر العام الفائت، والذي...

نادرة هي المؤلفات التي باح فيها الكاتب الإيطالي أومبرتو إيكو بما يختلج في صدره بشأن تجربته الدينية وتصوراته الوجودية -مع أنه غزير الكتابة-، مثلما رشح من تلك المحاورة الثنائية مع الكردينال كارلو ماريا مارتيني، التي نُشِرت تباعا على صفحات "مجلة ليبيرال" الإيطالية، على مدار سنة تقريبا، من مارس 1995 إلى يناير 1996. لم تنتظم المحاورة ضمن الطريقة المعهودة باعتماد أسئلة تقابلها أجوبة، بل جاءت بعرض مسائل متعلقة بالشأن الديني، يتناولها كِلا الطرفين، كلّ من منظوره، بالتحليل والمناقشة. وقد حظيت المواضيع المثارة حينها بمتابعة واسعة، ما دفع بالمجلة إلى الإقدام على نشرها في كتيب بعنوان: "في ما يعتقد من لا يعتقد؟"، صدر في عدة طبعات آخرها خلال العام الحالي، كما تُرجم إلى ست عشرة لغة. وإن يكن إيكو من بين أكثر الكتّاب الإيطاليين حظا في الترجمة إلى العربية، جنب بازوليني ومورافيا، فإن موقفه من الكاثوليكية ومن الدين عامة بقي غائما لدى القراء العرب، ربما من هذا الباب أردنا تسليط بعض الضوء على هذا الجانب الخفي لديه.
جاء الحوار بين الأديب والكردينال في كنف التقدير المتبادل رغم الاختلاف البين بينهما، في التصورات والتوجهات، أحدهما يقف على أرضية...

مفضلات الشهر من الدراسات التراثية

مفضلات الشهر من التاريخ