اقتصاديات الكلام ـ د.عبدالجبارالرفاعي
تسود المجتمعات العالقة في تاريخها، ومنها مجتمعنا، حالة من الشغف بالكلام، تصل لدى البعض حد الهذيان. إذ يتكلم الكل في كل شئ، فبعض الزعماء السياسيين يتحدث في: الفلسفة واللاهوت والفقه والتفسير والتاريخ والسياسة..الخ. بتكرار أسماء فلاسفة ومفكرين، لا يعرف عنهم في الغالب شيئا يتجاوز الاسم، وربما يتلفظ الاسم خطأ. وحين يشير الى معلومة تتصل بهم، غالبا ما يخطئ فيها، كما سمعت ذلك عدة مرات. وكأن السلطة السياسية تفوّض صاحبها؛ التحدث بكل شئ عن كل شئ، وكأن ما تراكم من معارف البشرية في تاريخ العلم المتواصل آلاف السنين، يُمنح فجأة سلة العلوم والمعارف والفنون والآداب؛ لمن أضحى متسيدا على كرسي السلطة، بوصفه "الرجل الضرورة"، حسبما كان يُصطلَح على صدام حسين، الذي يحلم بعض رجالنا بمحاكاته.
لم ينتفع سياسيونا، الذين عاش معظمهم في الغرب، ويفترض انهم تشبعوا بمناخات الديمقراطيات الحديثة في تلك البلدان، واكتشفوا شيئا من قيمة التخصص وأهميته في تطور الخبرة البشرية، وامتدادها عموديا، واتساعها أفقيا، لم ينتفعوا من خبرة العصر في ضرورة احترام الخبراء، والحذر من التعالُم والحذلقة الفارغة بمقامأهل العلم والخبراء، ومن المعلوم ان كافة المتحدثين في الفضائيات اليوم تتجه أحاديثهم لمختلف الناس، بمعنى انهم يتحدثون دائما في مقام أهل العلم والخبراء....
" إذا كانت الفلسفات المجردة تعتبر الذوق ملكة فطرية طبيعية ترتبط بالإنسان ، فإن رؤية سوسيولوجية بسيطة قام بها بورديو أدت به إلى الاعتراض ونقد هذه الفكرة ، فليس الذوق ملكة فطرية طبيعية عند الإنسان و ليس معطى طبيعيا في الذات الإنسانية ، بل إن الذوق عند الإنسان يرتبط بوسطه الاجتماعي ، فبالملاحظة و البحث السوسيولوجي الذي قام به ، تبين له أن عملية التذوق تتحدد انطلاقا من الموقع الذي يحتله الفرد داخل المجتمع ، و من ثمة فالتمييز في الأذواق و الألوان عملية تتطلب جهدا كبيرا في محاولة تحديد المعايير و الميكانيزمات المتاحة التي تحدد ذوق الفرد .
يعتبر موضوع الوعي الاجتماعي من الموضوعات السوسيولوجية ذات الأهمية القصوى فى حياة الأفراد والمجتمعات على السواء؛ فالوعى هو نتيجة للتفاعل بين أنفسنا وعالمنا المادى المحيط بنا، وهو يلعب دوراً هاماً فى التطور الاجتماعى، سواء كان هذا الدور إيجابياً أو سلبياً، فالأفكار التى توجد لدى الناس قد تساعد على تطور المجتمع أو قد تكون عائقاً أمام هذا التطور.
إنه لا ينبغي أن يحصر علم اجتماع الأديان في التأملات المحددة سابقا، إذ العديد من المسائل التي ينبغي طرحها والتي يلزم إثارتها، ليست سوى علاقات بين المنظومات الدينية الكبرى والجماعات العلمانية، كذلك الدور المنوط بهذه الأديان في إرساء علاقات اجتماعية بين البشر[i][1].
يمكن أن نلخص الصعوبة الإبيستيمولوجية، التي كانت تعترض الدراسة العقلانية للدين، في السؤال التالي: كيف نستطيع أن نتخذ الدين، باعتباره ظاهرة مقدسة، موضوعا للدراسة العقلانية؟ ألا تنطوي عملية دراسته على إلغاء خصوصيته كظاهرة مقدسة، على اعتبار أن الدراسة العقلانية، لن تستطيع القيام بدورها، إلا بعد "تدنيس" مواضيعها على أرضية التاريخ؟ بمعنى كيف يمكن بحث موضوع الدين، عقلانيا، وهو يقوم على أصل غير دنيوي؟ أليس في عملية نقله من مجال المقدس، إلى مجال المدنس، إلغاء له، كظاهرة خاصة ومتميزة، وإفراغ الدراسة من موضوعها؟
مقدمة
في كل مرة، ينتج الناس حدثا مخصوصا يتم استهلاكه بشكل دوري عبر وسائط إبلاغ المعلومة المختلفة، ولو شاء أحدنا أن يحصي الأحداث المندوبة للاستهلاك الجماهيري على امتداد سنة واحدة، لاستحال عليه الطريق وصُدت دونه الأبواب. وهي، فضلا عن كثرتها، تُخلق لتسلية الناس وإخمار عقولهم لعلها تميط وجوههم عن القذارات الاجتماعية المختلفة.
يعد مفهوم العائلة من المواضيع الاجتماعية التي اهتم بها البحث السوسيولوجي بالمغرب، وذلك نظرا لما تشكله "العائلة كمؤسسة أجتماعية تكتسي أهمية وظيفية وبعد أساسي داخل النظام الاجتماعي، وإضطلاعها بأدوار متعددة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، فالعائلة هي النواة الاولى للمجتمع ، فتطور العائلة أو الاسرة هو تطور للمجتمع بأكمله، ونظر لهذا العمق الذي يكتسيه موضوع العائلة من حيث بنيتها وشكلها ومضمونها وقيمها ووعيها و تكوينها، فقد انصب العديد من الباحثين المغاربة على دراسة بنية العائلة وتشكلها ونشأتها وأنماطها، وذلك من خلال تحليلات سوسيوتاريخية تتجه نحو فهم وتفسير نسق الاسرة وعلاقتها السببية بالنظام الاجتماعي. وأمام هذا التعدد الذي تعرفه بنية العائلة، فإن طرح السؤال يبقى ضرورة ملحة لتوسيع مجال الفهم، فكيف تتحدد بنية العائلة بالمغرب؟ ما هي مظاهرها وتجلياتها وأنماطها وتفاعلاتها مع النظام الاجتماعي؟
يستدعي مفهوم الدولة سيادة الاعتقاد القائل، بأن العنف هو الوسيلة الفعالة لانتزاع السلطة داخل مجتمع مكون من طبقات. فغياب هذه الأخيرة، يفضي إلى غياب كل أشكال العنف، بالتالي اندثار مفهوم الدولة الذي يخلع عن المجتمع كل حالات الاستقرار و الوحدة، و يؤدي إلى حالة نزاع و فوضى.
تطرح فكرة الحوار بين الفكر الديني المغلق والفكر النقدي، منذ البداية، سؤالين: هل يمكن اختصار الحقائق المختلفة والمتنوعة إلى حقيقة دينية مكتفية بذاتها؟ وهل الحقائق أبدية لا تقبل الاختبار ولا تلتفت إلى الممارسة؟ يحوّل الفكر المغلق الظواهر إلى «عمومية دينية» أحادية المصدر والتفسير، فإرادة الله قرّرت ما جاء وما سيجيء، وفي «كتاب الله» ما يجيب عن الأسئلة جميعاً. تختصر المعارف إلى معرفة دينية، ويتعيّن «الضمان الديني» بديلاً عن التجربة والاختبار، وتبدأ الأمور وتنتهي بـ»سلطة البلاغة»، التي تصيّر ما عداها نوافل لا تستحق التوقف. ومع أن الفكر المغلق يضع «المفرد الإنساني» خارج خطابه، مرحِّلاً مراجع الظواهر إلى خارجها، فهو يعود بشكل لا تنقصه المفارقة إلى «المفرد المؤمن» ويعيّنه «إرادة إلهية ثانية»، منتهياً إلى استبداد يساوي، رغم الخطابة الورعة، بين «الكلام المؤمن» والإرادة الإلهية. يفضي هذا التصور إلى «احتكار الحقيقة المطلقة»، موزعاً البشر على فئات ضالة وجماعة مؤمنة، تفرض الحق على الأرض.
من غرائب الصدف أو لنقل من غرائب صنائع ولاة الأمر المستبدين، أن يلقى المرء حتفه من الداء الذي حذر منه و ظل يدعو إلى استئصال شأفته، إنه داء متابعة الحكام المستبدين لرجالات العلم و مطاردتهم أينما حلوا و ارتحلوا، لا لجرم ارتكبوه و استحقوا بموجبه العقاب، و لا لقول تلفظوا به و لم يلاق هوى لدى الحاكم، و لا لمكتوب دبجوه و حمل في ثناياه ما يدينهم و يزج بهم في مهاوي التهلكة، بل فقط لأنهم تجرؤوا على تنوير العوام و توضيح الخير لهم و فضح الشر. و هذا لعمري أشد إيلاما على المستبد و أكثر فتكا بسلطته من غيره، كيف لا و "أخوف ما يخافه المستبدون من العلم أن يعرف الناس حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة أو أن يعرفوا النفس و عزها، و الشرف و عظمته، و الحقوق و كيف تحفظ، و الظلم و كيف يرفع، و الإنسانية و ما هي وظائفها، و الرحمة و ما هي لذاتها". الكواكبي ألف كتابه العمدة "طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد" و هو يمني النفس أن يرفع عن العوام جهلهم الذي هو مكمن دائهم و ما يعيشونه من ذل و هوان، لأنهم إذا جهلوا خافوا و إذا خافوا استسلموا. و الاستسلام أكثر ما يرغب فيه حاكم مستبد يرفل في النعيم حين يرفلون في البؤس و يسعد حين يتعسون. لأنه يدرك أنه لا "استعباد و لا اعتساف إلا مادامت الرعية حمقاء تخبط في ضلامة جهل و تيه و عماء....