في ثقافتنا السَّائدة، يُنظر تقريباً إلى جميع أنواع "الاضطرابات النفسيّة" الفرديّة نظرةً شاذّة تستدعي العلاج الفوري، وتأتي جميع طُرق العلاج الكلاسيكيّة في الطّب أو الدّعم النفسيّ إمّا بوساطة عقاقير مُهدِّئة ومثبّطات أو في البحث عن آليات إعادة التّكييف والتّنميط والدّمج مع الواقع الاجتماعيّ..
فعلى سبيل المثال لو أُصيبَ أحدهم بمرض "الاكتئاب" اتُّهِمَ بتشويهه للواقع وعدم قدرته على الاندماج فيه، دون مُساءلة هذا "الواقع" نفسه فيما إذا كان مشوّهاً أساساً، وأنّ "المكتئبين" يستطيعون أن يروا الواقع أكثر وضوحاً من الآخرين وهذا هو سبب اكتئابِهم، وهنا يستطيع مفهوم (واقعيّة الاكتئاب) أن يقلب فهمنا للحالة المرضية رأساً على عقب، ويساعدنا في عملية استثمارها. كتب "ديستويفسكي" يوماً: "اللهم لا تحرمني معاناتي"!.

في كتابها المعنون (ممسوس بالنَّارwith fire Touched) عالجت "كي جاميسون" علاقة الإبداع الأدبي والموسيقى والفنّ التّشكيليّ باضطراب المزاج ثنائي القطب، من خلال دراسة السّير الموثّقة للمبدعين أدبياً "همنغواي" أو تشكيلياً كما في حالة "فان غوخ". كما أنّ عالمة اللسانيات الأمريكيّة الطّبيبة النفسيّة "نانسي أندرياسين" قاربت الموضوع من زاوية دراسة تركيب وخرطنة الدّماغ تشريحيّاً...

الملخص:
لقد توجهت اهتمامات عالم النفس ستاليسناس دوهين [i]Stanislas Dehaene، على وجه التحديد إلى تحليل ميكانيزمات فكرنا، استناداً إلى العلوم العصبية. أما هدفه من ذلك فهو فهم، دروب تفكيرنا الأكثر ذاتية وحميمية، بأكثر ما يمكن من الدقة العلمية. على هذا الأساس توجهت أسئلة محاوره بالتحديد إلى كشف بعض المفارقات الإبيستيمولوجية التي من شأنها أن تنجم عن التقاء حقل علم النفس بالحقول المعرفية والعلمية الأخرى التي يتوجه نحوها ستاليسناس دوهين، كالعوم العَرفَنِية Sciences cognitive والعلوم العصبية Neurosciences.

الكلمات المفتاحية: علم النفس؛ فلسفة؛ العلوم العَرفَنِيَّة؛ العلوم العصبية.

متن الحوار:

ترغب في إنشاء علم جديد للحياة الذهنية، لماذا؟

بداية ً، وحتى أسجل مقاربتي في تاريخ علم النفس الطويل أصلا: فهذا تعريفٌ سبق أن اقترحه أحد مؤسسيه إبان القرن التاسع عشر، ألا وهو وليام جيمس William James. إضافة إلى ذلك، أعتقد أن علم النفس يشكل أحد الحلقات الأساسية لعلم الحياة الذهنيةLa vie mentale. فهذا العلم العابر للتخصصات Pluridisciplinaire يأخذ على عاتقه تفسير كيفية تفكيرنا، استنادا إلى سلسلة من القوانين المتتالية، مع مراعات جوانب مختلفة من بيولوجيا الدماغ إلى البعد الثقافي. فالرهان ها هنا هو جعل قوانين علم النفس كونية Universelles كتلك الخاصة بالفيزياء. بالنسبة لي، فالفكر على الرغم من كونه ذاتي Subjective وحميمي Intime، إلا أنه قابل للدراسة...

1
المشاعرُ الإنسانية لا تنفصل عن الأُسُس الفكرية للعلاقات الاجتماعية ، لأن الإنسان والمجتمع كِيانان مُندمجان ومُتكاملان ، وهذا يعني أنهما يتمتَّعان بخصائص مُترابطة لا يُمكن الفَصْل بينها . وهذا التفاعل بين الإنسان والمجتمع يُحدِّد طبيعةَ السلوك الفردي والجماعي ، ويُثْبِت استحالةَ التفريق بين المشاعر والأفكار ، لأن المشاعر أفكار وِجدانية ، والأفكار مشاعر عقلانية ، والوِجدان لا يُصبح ماهيَّةً واقعيةً وحقيقةً اجتماعية وظاهرةً ثقافية ، إلا بإخضاعه لقواعد التفسير العقلاني ومركزيةِ البُنى الرمزية في اللغة . والعقلُ لا يُصبح نظامًا وجوديًّا قادرًا على مَنح الخَلاص لعناصر المجتمع ، إلا بإخضاعه للمضمون الإنساني والمُحتوى الشعوري . وإذا انفصلَ الشعور الإنساني عن العقل الواعي ، فإنَّ الإنسانَ سيُصبح آلةً ميكانيكيةً مُتوحِّشة وعَمياء . وكُل مبدأ عقلاني لا يَقوم على قاعدة شعورية أخلاقية سَيَؤُول إلى تَوَحُّش واستغلال ، وهذا يُؤَدِّي إلى القضاء على المُنجزات الحضارية ، وتدميرِ جوهر المجتمع ، وتحطيم شرعية وُجوده ، وإلغاء تاريخه ، والتَّشكيك في حاضره ومُستقبله . وكُل شُعور أخلاقي لا يَقُوم على مَنطق عقلاني ، سَيَؤُول إلى تصوُّر ذِهني هُلامي...

إدراكُ طبيعة العلاقات الاجتماعية يُحفِّز عمليةَ التفكير الإبداعي ، ويربطها بمعايير الحرية والتحرر التي تُحدِّد سُلوكَ الإنسان ، وتُنظِّم وظيفته المركزية في المجتمع . وهذه الوظيفةُ المركزية لَيست حركةً روتينية ، أو وسيلة لِكَسْب المَعَاش ، أو تحصيل حاصل ، وإنما هي انتقال حياتي عقلاني مُستمر من الوُجود إلى الوِجدان ، أي : مِن الذات المُجرَّدة التي تَشغَل حَيِّزًا في الزَّمان والمكان ( الزَّمَكان ) ، إلى الوَعْي بالذات والشُّعور بها . وكُل إنسان يُدرِك أنَّه لَم يَكُن مَوجودًا في هذا العَالَم ، ثُمَّ صارَ مَوجودًا فيه ، ومالكًا لشخصيته المُتميِّزة وسُلطته الاعتبارية وهُويته المعرفية ، ولكن لَيس كُل إنسان عارفًا بذاته ، ومُدرِكًا لأبعاد شخصيته ، وعَالِمًا بتفاصيل سُلطته ، وواعيًا بنِقاط قُوَّته ونِقاط ضَعفه ، وهذا لا يعني أن الإنسان جاهل ، بَل يَعني أنَّ معرفته محدودة ، ومُستوى وَعْيه مُنخفض ، وأنَّه لَم يَبذُل جُهدًا كافيًا لاكتشاف أعماق ذاته .

يعد هذا الكتاب الصادر سنة 1895 من صفوة الأعمال التي عنيت بسبر وتمحيص نفسية الجماهير، فبالرغم من أنه لم يلق قبولا وذيوعا واسعا حين صدوره، غير أن الأحداث الكبرى التي عرفتها بدايات القرن الموالي وفي مقدمتها صعود نجم الحركات التوتاليتارية قد صدقت نبوءة المؤلف إلى حد بعيد. ولكي نفهم مشمولات ومضامين الكتاب على نحو أوضح لا مناص من استحضار السياق العام الذي صاحب تأليفه، حيث فرضت الثورة الفرنسية التي قامت سنة 1789 متغيرا جديدا على ساحة الأحداث في فرنسا وعموم أوروبا ألا وهو بزوغ سطوة الجماهير كفاعل أساسي بعدما كانت مغيبة ومهمشة على مدار السنين التي سبقت الحدث الثوري المزلزل، حيث كانت السياسات الفردية والفوقية التي انتهجها الحكام والملوك هي المتحكم الرئيس في مجرى الأحداث.

يبحث أوشو في الحب والجنس والعلاقة بينها على أرضية فكرية هندوسية، ترى في الاستنارة المتواصلة والمتنامية وصولا إلى الخلاص والانعتاق هدفا أساسيا للحياة، وترتكز بشكل أساسي على مذهب التانترا الهندي القديم، وهو يسعى لتقديم هذا المذهب، الذي يعتبره أعلى أشكال الحب، وعلم ويوغا الحب، في صورة عصرية، يستطيع من خلالها الإنسان المعاصر أن يصل إلى شكل سليم وصحي من فهم الحب والجنس وعيشهما الفعلي البناء، الذي يمكّن هذا الإنسان من النمو الروحي والارتقاء الإنساني.
يرى أوشو أن ممارسة الجنس من دون حب هي عملية بائسة ولا تعطي شيئا سوى الاسترخاء الجسدي، ولكنها لا تقدم شيئا للإنسان على المستوين العقلي والروحي.
ولأن هذا يحدث اليوم في الغرب المتضخم جنسيا، فالناس باتوا هناك يذهبون إلى ما وراء الجنس طلبا لبديل يملأ فراغهم الحيوي، ولكنهم بدلا من طلب الأمور البناءة كالحب والتعاطف، فهم يذهبون إلى أشياء هدامة كالمخدرات، فالغرب قد دمر الجنس وجعله سخافة، وأفقده بهجته ومتعته، وحوله إلى ممارسة سطحية عديمة الفائدة.

1
إخراجُ الأنساق الاجتماعية مِن المُسلَّمات الافتراضية والأوهام المُتوارَثة ، يتطلَّب تحديد المفاهيم المركزية في المجتمع ، التي تَتحكَّم بطريقة تفكير الأفراد ، وتُسيطر على بِنية تَكوين الجماعة ، لأن السلوك نتيجة حتمية للفِكر ، والواقع المُعاش انعكاس لمُحتويات الذهن . والإشكاليةُ السائدة في المجتمعات الغارقة في ضجيج الشعارات بلا تطبيق عملي ، تكمن في الاهتمام بالجَعجعة وإهمال الطَّحْن ، لأنَّ الجَعجعة مَجَّانية ، لا تحتاج إلى تخطيط وجُهد ، أمَّا الطَّحْنُ فعملية صعبة ، تحتاج إلى جُهد وتعب ومُثابرة . وبما أن الناس عُمومًا يَميلون إلى الاستسهال والراحة وتجنُّب صُعود الجِبال، فإنَّهُم يَعشقون الأوهامَ اللذيذة التي تُريحهم وتُسعدهم ، ولو كانت الراحة مُؤقَّتة والسعادة خادعة . وهذا يدل على قِصَر النَّظَر ، والتخندق في اللحظة الآنِيَّة ، والغرق في الحاضر ، دُون التخطيط للمُستقبل . ولا يُمكن اقتحام المُستقبل بثقة إلا بالتَّخطيط ورسم السياسات الشاملة لكل مناحي الحياة ، لأنَّ المُستقبل منطقة عميقة وخطرة ، والسِّباحة في الأعماق تحتاج إلى مهارة وكفاءة وصبر وإصرار . وكما أن السابح في البحر أمام خِيَارَيْن لا ثالث لهما : إمَّا...

1
الحياةُ الاجتماعية المُتذبذبة بين اليقين والشَّك ، هي نِتاجٌ طبيعي لِعَجْزِ الإنسان عن إيجاد ذاته في زَحمة الأحداث والمشاعر ، وإخفاقِه في اكتشاف صَوته الخاص في ضجيج الأصوات المُشتَّتة والشِّعارات الرَّنانة ، ونتيجةٌ مُتوقَّعة لانفصالِ الفِعل الاجتماعي عن المعنى الحضاري ، وغِيابِ الوَعْي الجَمْعي عَن التفاصيل اليومية المُعاشة . وهذه الإشكالياتُ الخطيرة ساهمت في حِصار الإنسان ضِمن دائرة اجتماعية مُغلَقة ، بحيث صار معزولًا عن التأثُّر بالأحداث ، وعاجزًا عن التأثيرِ فِيها . وهذا يعني أنَّه صارَ مُتفرِّجًا على الأحداث المصيرية التي تمسُّ حياتَه وتُهدِّد وُجودَه ، دُون أيَّة قُدرة على المُشاركة في صُنع جَوهر الأحداث وصِياغة تفاصيلها . لقد قَبِلَ بلعب دَور الضَّحية ، ولم يعد قرارُه في يده ، وارتدى قِناعَ الصَّمْت الذي يُريحه ظاهريًّا ، ويُسعِده مُؤقَّتًا ، وهذه الرَّاحةُ خادعة لأنها تُشبِه راحة الفريسة قبل اصطيادها ، وهذه السِّعادةُ وهمية لأنها تُشبِه سعادةَ الحَالِم قبل أن يَستيقظ مِن نَومه ، ويجد نَفْسَه أمام كابوس الواقع .

العلاقةُ بين الحُلم الإنساني والفِعل الاجتماعي لا يُمكن اختزالها في أطوار تاريخية مُعيَّنة ، أوْ أُطُر جُغرافية مُحدَّدة، لأن الحُلم الإنساني هو صورة الوَعْي وجَوهر الحقيقة ، والفِعل الاجتماعي هو الوَعْي بالحقيقة ، وتطبيقها على أرض الواقع ، وهذا يعني أن ثنائية ( الحُلم الإنساني / الفِعل الاجتماعي ) عبارة عن علاقةٍ وجودية لا يُمكن تجنيسها، ونظامٍ حياتي مركزي عابر للزمان والمكان ، ومُتدفِّق في ذاكرة المجتمع بلا فواصل، لأن ذاكرة المُجتمع هي ذاكرة جَمعية لا فردية ، تَعتبر الماضي والحاضر والمستقبل كُتلةً واحدة ، تتحرَّك في المسار الحضاري بشكل تزامُني مع الشُّعور الإنساني ( الزمن والشُّعور يتحركان معًا في نَفْس اللحظة ) ، وأيضًا، تتحرَّك هذه الكُتلة الواحدة في البِنية المعرفية بشكل تعاقُبي مع القُدرة العقلانية ( الزمن والفِكر يجيء أحدهما بعد الآخَر ، ولا يتحركان معًا في نَفْس اللحظة ) .

1
العواطف الإنسانية التي تتحكَّم بالأنساق الاجتماعية ، تُمثِّل نظامًا وُجوديًّا مِن الرموز والإشارات . وتحليل هذا النظام المُركَّب يتطلَّب عودة الإنسان إلى أعماقه ، والبحث عن الأشياء التي ماتت فيه . والإشكاليةُ المركزية في المُجتمعات هي عدم الانتباه إلى تحوُّلات الإنسان الوجدانية ، لأنَّ النظام الاستهلاكي المُغلَق يَطحن المشاعرَ الإنسانية ، ويُصنِّف العواطفَ كمنظومة عبثية ، وتراكيب ساذجة ، ولحظات ضَعْف ، ويُكرِّس النَّزعةَ المادية المتوحشة في عَالَم مُوحِش . وهذا الضَّغْط الهستيري على وُجود الإنسان ومشاعره ، يُحوِّله إلى كِيان مُفرَغ مِن المَعنى، يَخجل مِن التَّعبير عن مشاعره ، ويَجعله آلةً ميكانيكية عَمياء ، ومقبرة متنقلة لا شيء فيها غَير طَعْم العَدَم ورائحة المَوت ، المَوت في الحياة .

لا يخفى على ذي النظر الحصيف، أن التواصل مبدأ أساسي في إرساء قواعد المجتمع الإنساني وتنظيمه، فهو تفاعل يبغي خلق وبناء جسور علائقية بين الذات وذات أخرى في نسق اجتماعي محدد.
فالنفس البشرية تخبئ أسرارا في بئر ذاتها، ولها قدرات هائلة في نسج خيوطها وربطها بالآخر، لخلق تواصل فعال وناجح، وإن كانت للفرد هذه القدرة على تفعيل مؤهلاته التواصلية فسيكون عضوا متميزا داخل مجموعة بعينها.
فالسعادة والنجاح والتميز هدف الجميع والطرق إليها شتى، ويعتمد الكثيرون في سعيهم إليها على الممارسة الروحية، بينما يبحث آخرون عن الإجابة في الدين أو في علم النفس، ومن بين أحدث وأشهر الأساليب النفسية الذي يعتقد روادها أنها تستخدم العلوم الحديثة لتحقيق التميز، هي البرمجة اللغوية العصبية.
سنسعى في هذا المقال، لتسليط الضوء على مجموعة من المحاور تخص الموضوع مع الإجابة عن مجموعة من التساؤلات من قبيل:

مفضلات الشهر من علم النفس

مفضلات الشهر من علم الاجتماع