علم نفس التحليل العصبي : عودة فرويد ـ كات ماكغوان ـ ت : حمودة إسماعيلي
العودة الثانية لسيغموند فرويد : كما لو أن المحلل القديم على وشك أن يلقى بمزبلة التاريخ، ليقوم علماء الأعصاب بإعادة إحياء أبرز معطياته..
الحفلة بالطابق السفلي الخاص في مطعم فاخر بالهارلم، الذي يضم حدثا علميا، باهرا، حيث النساء متأنقات بفساتين السهرة، والرجال يضعون ربطات عنق باهظة. بالقرب من طاولة البار يقف بلحية ذقنه المشذبة، جو لودو، المعروف بأبحاثه الرائدة عن الخوف، كذلك الأمر بالنسبة لباقي فرقة الروك أند الرول من أصدقائه العلماء. رئيس الطهاة المشهور والذي بدوره يمتلك المطعم يلقي التحية على المدعويين بنفسه.
هذا التجمع الغير معتاد كانت له أسبابه الخاصة، حيث تم تنظيمه من طرف مؤسسة التحليل النفسي العصبي، بهدف ترويج فكرة أن مفاهيم التحليل النفسي كـالدوافع المكبوتة وبواعث اللاوعي، لا تزال ذات إفادة و صلة بعصرنا بالنسبة لدراسات الطب العصبي عن الدماغ. وإذا كان الأمر يبدو مفاجئا، إذن سنقول بأن : سيغموند فرويد، مؤسس طريقة التحليل النفسي، كان في الواقع قد انطلق ببداية مسيرته كطبيب أعصاب، حيث كان يقوم بتشريح الجهاز العصبي لجراد البحر. غير أن آواخر القرن التاسع عشر، لم تكن تعرف الأمر الكثير حول الدماغ، حتى أن أي فهم لسلوك الخلايا العصبية لايزال لغزا. فرويد سيتخلى عن مادته العلمية، لأجل تطوير منهج موضوعي يمكّنه من فهم العقل، حيث يقوم زبناؤه الأشقياء بالبوح...
كما تتلقفك الموّلدة لدى ولادتك، كذلك تتلقفك من جهة أخرى منظومة معرفية، تشمل اسمك، ديانتك، محيطك الثقافي الذي سيشكل ميولك واتجاهاتك الفكرية والنفسية. داخل كل أسرة هناك تحيّز معرفي، ذو أساس سيكولوجي : تعتقد كل أسرة، والأمر يرتبط بصيرورات أنثروبولوجية حول بقاء الجماعة الجينية، أنها أسرة تتميز عن باقي كل أسر العالم، من هنا يستقي أفراد الأسرة، خاصة منهم الأبناء، بنية نرجسية تشكل هويتهم الأسرية. بالتالي، ولا عيب في ذلك، ترى الأسرة في تمظهرها تميزا وجوديا. هنا، أين يقع الإشكال ؟
" انتظرونا أن ندرس اللاشعور قبل أن يقفل :
سادت في المجتمع ظواهر مقلقة من قبيل العنف المتفشي في المجتمع وداخل الأسرة وفي المدرسة، وساد الإحساس بالانزعاج وباللا أمن وانحراف في الأخلاق. كل ذلك هي أعراض انحراف واضطراب عاطفي عام ترتب عن فقدام مراقبة انفعالاتنا. يفرض هذا الوضع أن ينكب البحث خاصة في المجال السيكولوجي على تسليط الضوء على مكانة المشاعر والانفعالات في حياتنا وعلاقتها بالحياة المعرفية التي ظلت لسنوات طويلة خارج اهتمام السيكولوجية، مما جعل من الانفعالات، في جزء كبير منها على الأقل، غير خاضعة للدراسة العلمية وبالتالي غير مكتشفة.
"يمكننا الاعتماد على فرضية اللاوعي وأن نؤسس ممارسة متوجة بالنجاح والتي من خلالها سنؤثر على مجرى سيرورات الوعي"1[1]
في الطبيعة ليس هناك من عقاب و لا ثواب، بل هناك نتائج
يقود الحس بالمسؤولية بالضرورة إلى الحس بمراقبة الذات والمحيط، كونه يعزز لدى الفرد الميل إلى الانتباه للذات والمحيط، والرغبة في مراقبتهما وإدراكهما قصد الرفع من قدراته على تفسير ما يحدث له وما يحدث في محيطه. ذلك أن سلوك الإنسان يتأثر بالكيفية التي يفسر بها الأحداث والوزن الذي يعطيه لهذه العوامل أو تلك، حيث أن هناك من يعطي وزنا أكثر للعوامل المرتبطة بالظروف أو بالحظ في تفسير ما يقع له، ولا يعترف لنفسه إلا ببعض السلطات على ذلك. في حين أن هناك من له ميل إلى تفسير ما يحدث له بعوامل ذاتية ويشعر أن له مسؤولية في ذلك.
بهذا الحوار الذي أجري سنة 1974، يحذر جاك لاكان بشكل تنبؤي من الأخطار التي تتعلق بعودة الدين والعلموية : بالنسبة له يعتبر التحليل النفسي، المتراس المفترض ضد التوجسات المعاصرة. النقاش تضمن موضوعاً مدهشاً.
حوار أجرته الكاتبة والصحفية الفرنسية مادلين شابسال مع المحلل النفسي الفرنسي الشهير جاك لاكان، وتم نشره بجريدة الإكسبريس بتاريخ 31 ماي 1957 :
هيمنة الأحقاد التدميرية :
اهتم فرويد بمعالجة المعنى الخفي للإيمان الديني ضمن عدد من أبحاثه، لعل أهمها هي: «Totem et Tabou» «Moise et le monothéisme» «L’avenir d’une illusion». وبالنسبة إليه، فإن الخوض في هذا الموضوع يقتضي الرجوع الى المرحلة الطفولية لما تحمله من إحالات على ما نحن في صدد البحث فيه. لابد من الإشارة أولا، الى أن فرويد لم يقم فقط بمناقشة هذه القضية ضمن الأبحاث المذكورة أعلاه وغيرها المهتمة بنقده للحضارة الحالية، بل إننا لنجده يخوض في ذلك ابان دراسته حول ليوناردو دافينشي، بحيث يعلن فرويد في بحثه "ليوناردو دافينشي: دراسة في السيكولوجيا الجنسية" ما يلي: