صار الوقوف أمام البحر دأبها منذ دهر، لا تفارقه إلا لتعود إليه، تفتح ذراعيها وتجري نحوه كالمتأهبة لاحتضان هذا المدى المائي الأزرق الرحب الرهيب، تتعطر بأنفاسه وتتطهر من أدران الحياة بمائه العذب وترتق جراح نفسها برائحته النقية الطاهرة وتطهر جراحات روحها بملوحته. هي تدرك أن أعماق البحر نقية عفيفة لا تقبل الغرباء، تلفظهم وتتخلص من بقاياهم، تحافظ على نقائها وطهرها. تعلمت أن البحر عفيف وعنيف، تتخلص أحشاؤه من كل غريب. يكشف أسراره ويبسطها أمام الجميع، لا يأبه لعيون العابرين المتطفلين والفضوليين.
تجوب الشاطئ جيئة وذهابا. تتوقف أحيانا لتملأ رئتيها بالهواء الرطب، ثم تنحني لتخط بعض الحروف والتواريخ على الرمال الندية. تتأمل تلك الحروف والأرقام مليا، تدور حولها، تتفرسها من كل الجهات، تحاول قراءتها مقلوبة، تقف بينها والماء لتحميها من الموج المندفع. لا تريد لتلك الحروف أن تُمحى. لكن الماء مخادع، يتسرب بمكر يلتهم تلك الحروف بلطف وقسوة، يبدأ بقضمها شيئا فشيئا، يغور في النتوءات، لا تراه العين، يترك آثاره على حبات الرمل فتتلاشى تلك الحروف. ثم يتوغل بين الحروف فيُفنيها. ثم يعود القهقرى ليتطهر من جريمته ويتلاشى بين...

"ر- س" فنان مشهور، في النحت له صولات وجولات،قرأ كثيراً عن أشهر النحاتين،قلد بعضهم في البدايات ولكنه سرعان ما ثار على آخرين في النهايات، آخذهم على رسم الرؤوس تحديداً. ولكي ينفرد عنهم، انبرى ينحت تماثيل بديعة، يتفنن في تشكيلها، دون رأس، كان يقول: " كل شيء إلا الرأس، الرأس سبب كل النزاعات."
تنتابه حالات سهوم، ورؤى في النهار وهو ينحت.. مرة ظل مدة طويلة يشتغل على "جسد" أتعبه نحتُه، لم يسعفه في تشكيله غير شوق ممزوج بأصباغ حنين الشعراء، إلى أنِ استوى التمثال أخيراً على شكل جذع دون رأس، دون ذراعيْن، دون ساقين، وفي فورة التماهي مع التمثال الذي أرهقه أياماً، وقبل أن يكتمل على الصورة التي يعشق، يسمع صوتاً يهتف له في الصالة، اللكنة إسبانية لبيكاسو، قال له مُستنكراً :
"تمثالك! هل هو من المريخ ؟!.. أسبغ عليه صفات الكائن البشري، هذه نصيحتي لك".

- هل قررتَ أين ستدفن؟
- نعم، في المقبرة القديمة. هناك على الأقل سوق أسبوعي يؤنسني ضجيج باعته. أكره صمت المدافن لأنه يزيد الوضع بؤسا.
- ومن قال أنك ستشعر بالوحدة؟
بدا الأمر نكتة قبل شهر، أما الآن فهي تُجري معي الترتيبات اللازمة للرحيل. دنيا بنت كلب! ولأنني ابن ناس فبطن الأرض خير من ظهرها هذه الأيام. طمأنت جاراتها بأنها أعراض شيخوخة مزمنة، وأن ثلاثين عاما من العشرة تشهد على لحظات جنوني. تأوهت إحداهن وهي تسرد فجيعة الترمل. الوحدة سم زعاف ينهش قلبها منذ رحيله.
- من يذهب للموت برجليه؟
- أنا !
طرقت باب جلول الفأر، وجددت وصيتي للمرة العشرين بأن يضع أسفل اللحد حجارة مبلطة. إلى أن ينخر الدود عظامي فمن حقي الاستمتاع بنومة هادئة. وبعد أن ينصرف المشيعون يتولى بيديه اللئيمتين غرس نبتة صبار عند رأسي. أرجو أن ينغرز شوكها في لحوم السكارى والمشردين، ويخدش أكف الطامعات في خيوط كفني، لجلب الحبيب ورد المطلقة.

في الطريق إلى بيروت كان السيد صلاح محشورًا بين السائق والراكب البدين الذي يجلس على طرف المقعد الأمامي. كان صباحًا مدلهمًا، ولم يكن ثمة رفاهية انتظار ظروف سفر أفضل بسبب التزام العمل في بيروت.
كان المقعد الخلفي كذلك مكتظًا، فقد شغلته سيدة كهلة وثلاثة أطفال وصبية جميلة تبدو في بداية العشرينيات.
لم يكن صلاح وسيمًا، وكانت لحيته التي أطلقها منذ فترة بعد التزامه الديني تزيد عدم جاذبيته خصوصًا، وأنه لم يكن يحسن العناية بها.
بعد تجاوز الحدود السورية وبعد تمكنه من التكيف مع الوضع المزعج في مقعده، وبعد أن غط الأطفال الثلاثة في النوم، التقت عيناه بعيني الصبية العشرينية في المقعد الخلفي. أجال النظر بسرعة في المكان لكي يتأكد أن أحدًا لا يراقبه، فوجد السائق مشغولًا عنه بأغنية فيروز التي ترافقهم منذ تجاوزهم حاجز التفتيش. أما البدين فقد كان منهمكًا بطريقة منفّرة في تناول العدد الكبير من السندويشات التي يبدو أنه جلبها من منزله. ولم تكن السيدة الكهلة في المقعد الخلفي نائمة، ولكنها كانت تغالب النعاس الشديد.

كان صباحا مشرقا يعلن عن بداية صيف حار، رقصت كل الأجساد النائمة تحت أشعة شمس وهاجة مسحت بصفائها على كل الوجوه البئيسة والنعسانة. العم أحمد، يحب هذا اللقب كثيرا، يجعله يشعر بالفخر والهمة بين زملائه في العمل. استيقظ هذا الصباح وهو يبحث عن توازنه الذي افتقده بالأمس. طرد النوم من غرفته كالعادة واحتضن خيوط الشمس وسمح لها باختراق أعضائه النحيلة. التي قضى بها زمنا في وظيفته. هيأ فطوره، الذي رفض أن يغيره رغم نصائح ابنه الوحيد، الذي كان دائما يؤكد له على شرب الحليب حتى لا تصاب عظامه بالهشاشة. فطور بسيط لا يحتمل الجهد والعناء، يتكون من كسرة خبز وشاي محلى بشكل قوي. انه لا يتلذذ بشرب الشاي الا وهو يضيف القطعتين من السكر. كان دائما يقول لابنه الذي يعاتبه" المسافة التي أقطعها يوميا للعمل، تحتاج الى طاقة كبيرة."
فقد العم أحمد، في ذلك الصباح، بوصلته التي كانت تحركه بشكل آلي لكن بحماس. بوصلته التي كانت تدفعه الى الباب متوجها الى عمله. تعطلت هذا الصباح، وظل نظره الحزين متوجها صوب فطوره، ثم أشاح بوجهه عنه. ملأت الدموع مآقيه وهطلت كمطر مفاجئ في عز الخريف. ظل صامتا لا يتحرك حتى نسي الانتباه الى الساعة المعلقة على الحائط التي كانت اول...

لا أعرف لماذا ولا كيف فتحت عيني في الغرفة المظلمة لأجد رجلا قبالتي عند حافة الباب يرتدي قميصا أبيضا، مصفف الشعر بشكل لامع، ضامر البطن حاد الملامح ينظر إلي ويبتسم ابتسامة مريبة مفزعة تشل حركتي، وتجعلني مستسلمة تماما لما سيقع. يقترب مني قبل حتى أن أعي تماما ما يحصل، ثم يقترب ويقترب كشريط رعب الى أن يلصق وجهه بوجهي ويغرس أنفه بخدي ثم يعود منسحبا الى الوراء كشريط عكسي: كل الحركات السالفة الى الخلف ثم يختفي عند حافة الباب التي بدا في فيها أول وهلة.
أجمع قواي لأصرخ لا يوجد صوت.
أسعى جاهدة ثم يخرج الصوت فأصرخ ملء ما أستطيع، أستيقظ بخفقان رهيب في صدري مع إحساس بالاختناق ألتفت الى الساعة جانب السرير، الساعة تشير الى الثالثة ليلا أحس بارتياح على الأقل لم يكن الأمر سوى كابوس نجوت منه بمعجزة، الاستيقاظ من الكوابيس أشبه بفرصة للنجاة والظفر بحياة أخرى.
انهض من السرير، حلقي جاف أكثر من العادة مع إحساس بالغثيان أحاول التذكر إن كنت أخدت جرعة الدواء المسائية، أتجه إلى المطبخ يبدو ترتيب الأدراج غريبا عما أعرف لابد أني أعاني بعض التشويش بسبب النعاس، بحثت عن كأس ماء أجد واحدا بعد عناء أشرب واتجه الى المرحاض حافية.
شيء ما يلتصق بأسفل قدمي أمسح...

أتت مقبلة علي بجسدها الكثيف و نظراتها الحادة، وقالت لي بصوتها القاسي:
ماذا تفعلين هنا؟
ارتبكت وارتجفت مفاصلي وطار الكلام. قمت بسرعة لا ألوي على شيء، أطرد كل ما علق بي من ورق وأقلام. كانت تحيط بي من كل جانب كطفلة بين لعبها. اقتربت مني أكثر وقالت بعنف وصرخت حتى ارتجفت أركان الغرفة:
-ساعة وأنا أنتظر في المطبخ لوحدي، من سيغسل تلك الأواني المرمية هناك؟
-في الحال ياخالتي، كنت فقط أرتب أوراق عملي للغد.
وتهت بين الأوراق التي انتشرت في الغرفة وبين صوتها الذي سلط علي كالسيف الحاد.
تابعت بنفس القوة التي تمتلكها:
-المرأة هي البيت أولا، هي صورتها أمام الأهل والجيران.

ربما ستظنُّ وأنت تقرأ هذه السطور أنَّ مجنونا ما في مصح نفسيٍّ قد كتبها، أو أنها تخاريف عابث، لا يا عزيزي ما أقوله لك هو عين الحقيقة، كل ما في الأمر أن الأحداث النادرة تصبح سهلة التكذيب.
لم أك مولعا لا بالنظر إلى المرايا، ولا الحديث إليها حتى وقت قريب، لكن صدفة حدثت غيرت فجأة كل قناعاتي.
أتى ساعي البريد يحمل صندوقا كبيرا، تحقق من الاسم المكتوب:
-هذا الطرد لك أستاذ سامي، توقيعك أسفل ويمين الورقة إن سمحت.
انتبهت إلى عدم شرائي أي شيء على الشبكة، ولكن اسم المرسل إليه، كان يشير إليَّ دون لبس ومعه النسبة والعنوان، الغرابة في اسم المرسل: نرجس للمرايا.
لم آبه بالموضوع كثيرا، سندت الطرد إلى الحائط ونسيت الموضوع برمته مدة.
مساء الجمعة الماضي، خطر ببالي أن أنزع الورق المقوى عن الإرسالية، كانت المرآة عادية المظهر ولا تختلف عن غيرها.
ثبتُّها على حائط غرفة النوم مقابل سريري، بادرتني بالحديث:
-سنقضي أوقاتا ممتعة معا يا سامي.

تمهيد: ذات صباح، إتجهّت صوب شاطئ البحر، والسماء إن غطّتها الغيوم، فأشعة الشمس لا تخذلها وهي لا تكذب عندما تشرق. جئت حزينا وقلقي مورّد كالشفق الأحمر يصارع زرقة آفاق البحر الفصيح، الرحب، الطليق. ولكن بعد سويعات هنيئا للسماء بالصفاء. هنيئا للبحر بموجه الجديد يلطم موجا قديما. وأنا التائه والشريد، أشته أن يخلصني نور من بقايا ليلتي الكئيبة وعبق الندى في دمي. وحلمي يغازل المدى لم أقدر أن أحدق في شعاع الشمس وهي آتية تخترق ضباب هواجسي كما أني لم أقدر أن أحدّق في جثّة نورس جميل كالزهرة البرية لم تواره بعد الرمال.
،،،
وحينما جئت أتمشى على شاطئ البحر لم يحتو حزني ولا الصخور الجلمودية. فصمدت أمام رغبتي في الامتلاء بالوجود الفياض فتخَيّلتُ النورس مجسدا رمزيا في هيئة تحليق دائم ففي التخييل فنّ يقاوم العدم وكانت الريح تجمع الألوان في ريشة العقل المتعب بالجنون لتراقصني على هذه الأرض التي تتسع للجميع وشاطئها الذي يستقبل الغرباء في كل وقت وحين.
،،،
ذات نهار
سقطوا من علياء المقت الى الموت غرقا
تمزّق الأفق الرحب في وجهوهم
وحدثني البحر عن عود الأطيار والنوارس
وعن أسماك تبحر وتعود

عيناها لا تكفان عن ذرف الدموع. كنت أجلس قبالتها مباشرة، أصغي إلى وجيب قلبها فيتردد صداه في تلك الردهة الفسيحة في هذه البناية الصماء التي لا تستقبل إلا المواجع والآلام. تضيق وتتسع حسب انفعالات زائريها أو مغادريها، فتضج حتى لتخالها الآزفة قد أزفت، ثم تهدأ وتستكين وتصمت صمتا أشبه ما يكون بصمت المقابر وسكون القبور فيها.
وقع الأحذية فوق البلاط اللماع ذي الرائحة المقرفة الممزوجة بطعم الوجع والخوف والموت تقطع مساحات الصمت الذي يخيم بين الفينة والأخرى على هؤلاء القابعين المنتظرين في تهيب وتردد، فكل أزة باب قد تحمل خلفها وجعا، وكل صرخة مدوية تخترق الجدران قد تنبئ عن فجيعة.
في عينيها مساحة ممتدة من الحزن والألم اللذين يعتصران قلبها ويفتتان ما رُتق من بقايا روحها. حدقت في عينيها فإذا هما مثقلتان بهموم الدنيا، لم يكحلهما النعاس منذ دهر. وحيدة كانت تجلس رغم كثرة الجالسين يمينا وشمالا. تملأ رئتيها بين الفينة والأخرى هواء تسحبه بعمق وتنفثه آهات عنيفة. لم يكن يؤنسها سوى هاتفها الذي كانت تضاء شاشته لتقرأ رسالة أو تتفقد الوقت الذي أمعن في تعذيبها. هذا الزمن الذي يكاد يتوقف، تُشل حركته فيمعن في تعذيبنا ونمعن في تذكره وتتبع حركات عقارب ساعته...

قيل فى الآثر : " يظل الرجل الرجل حتى يقابل المرآة المرآة ويحبها .. "
ويحكى أن عنترة اصطدم يوما بحائط اليأس من وصل عبلة، فأخذ سيفه وفرسه وحزنه وأسرع فى الصحراء، لم يُعدّ النُهُر التى ظهر فى نهايتها القمر، ولا الليالى التى غابت فى بدايتها الشمس.. لكنه فجأة استشعر الجوع والعطش لجسد عبلة وقلبها، فنزل عن فرسه وألقى بسيفه على الأرض وبكى كما لم يبكِ يوما رجل، أو كما لم يبكِ يوما فارس، حتى توقف مطر قلبه وجفت عيونه، فصحب حزنه وعاد إلى خيام القبيلة فارسا من جديد.
لكن التاريخ يحفظ لنا – فى قلب الصحراء ورمالها- ذكرى ذاك اليوم البعيد.. عين ماء صافية رائقة كأنها عين من عيون الجنة.. كلما نزل عليها مسافر - أو مر بالقرب منها - اشتاق وحن حتى يتشقق قلبه ولو لم يكن محبا أو صاحب طريق.

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية