مدينة .. يحرسها قمر من قصب - محمد بقوح
عدت من العمل متعبا . انتبهت إلى ما يشبه الجرس ، يرن في داخل رأسي . قلت أنا في حاجة إلى حمام ساخن . لم أتردد في النهوض و غسل أطرافي الجسدية . رأسي لا يزال كما هو .. فكرت في كتابة قصيدة من أجل النشر ."المتكلبون في مدينة القمر". قلت العنوان جميل ، غير أنه غير قوي كما أريده .ما أكثر الذين غيروا أفكارهم و سلوكياتهم و قيمهم من أجل أحلام...أحلام اللحظة لأشخاص فرادى ، يقودون سفينة المجتمع بأكمله إلى الهاوية ..حتى و إن ظلوا محافظين على وجوههم و جلودهم الآدمية . فهم تكلبوا لكن بطريقتهم الخاصة ..أي بأسلوب عصري جذاب ..جلست إلى مكتبي .بعد تحضير فنجان قهوة سوداء.شرعت في كتابة القصيدة قبل أن تطير من ذهني...
كتبت : تشربني الحروف سائلا أحمرا
و لن تسرقني
رياح مدينة القمر ،
التراب وطني
و الوطن كلمة يسكنها الغراب ..
و الوهن غذاب ..إن لم يركب موج البحر
و يدفئ الكوخ بشعلة صرخة
من جوف طفل
تسقط أقنعة القمر......
هذا الكرسي مفروش برصيف أسمنتي .هو كرسي ليس كجميع الكراسي .فكرت أكثر من مرة ، في غفلة النادل ، أن أكسر ما تبقى من شكله المهترئ ، لكن سيبدو ذلك عملا جنونيا .في الحقيقة هو يثير الرأفة ،أكثر مما يثير أي شيء آخر .لكن ، ما الذي يجعل كل من دخل إلى المقهى يسأل و يبحث ، بكل جدية و غير جدية ، عن الكرسي الأعرج...، و هو الاسم الذي عرف به عند الزبناء .فأنا لست أدري لماذا يتشبت هؤلاء به كل هذا التشبت ، رغم عيوبه الواضحة و البارزة حتى للعميان . إن هذا هو ما يستفزني أكثر في الموضوع .
انحسر الظلام شيئا فشيئا ، وتخلّله ضياء نهار جديد . وانبلج الصباح على غابة سفوح جبال سبل في يوم قاتم جدا . واستيقظت المخلوقات في هذه الغابة ، كل يسعى من أجل أمر ما في نفسه . كان يوما من أيّام الشتاء الباردة ، وقد انتشرت الغيوم الكثيفة الحالكة في السواد في أرجاء السماء الفسيحة ، تنتقل من مكان إلى آخر في الاتجاه الذي تحدده الرياح . كان الجوّ ينذر من هول أمر شديد ذي بأس سيقع قريبا ، ومن أحداث مؤلمة ستجري في حياة البعض من مقيمي هذه الغابة الكثيفة التي تقع في الشمال من قرية تركلان . انتشرت القرية ، وتناثرت أطرافها مع إنتشار وتناثر الحقول والمزارع والبساتين . وكان سكان القرية عبارة عن بضع عوائل أو يزيد من الفلاحين الذين يشتغلون في الزراعة وتربية الأبقار والماعز والأغنام والدواجن .
متعثراً في الإمساك بالهواء اللاهث من رئتيه ، ألقَى في وجهها بيمين الطلاق البائن ثم انهار فوق كرسيه المسند إلى الجدار. 
انتظار وراء انتظار ، انتظار يعمي البصيرة ، كأن الزمن رماد ينثره الهرج بسخرية سوداء . لم يبق سوى ساعة واحدة على بدء عرض المسرحية ، فصولها مرة و حامضة . تدور أحداثها حول التطبيع وإشاعته ، يكثر المخرج النظر إلى ساعة يده متأففا :" أوف " ممطوطة ممدودة و مؤرقة . يسرع الممثلون إلى التواجد و الاستعداد لبدء العرض و الدقائق تمر مرا دقيقة بعد دقيقة ، ها هم الممثلون وراء الكواليس يعدون أنفسهم وملابسهم للحظة البدء . بعض الممثلين بربطات عنق مزركشة مزوقة بألوان شتى ، مصنوعة في أمريكا ، و ربما في إسرائيل .. البعض منهم بأحذية لها بوز رفيع و بالبوية السوداء مطلية ، و أخرى ببوز عريض لامعة و براقة.. هنالك من هم بكوفية ربطت بإتقان و تؤدة مثبتتة بعقال مدّور فبدت رؤوسهم كالطبلة البلدية .. منهم من يرتدي جلابية طويلة تجر على الأرض لونها ابيض ناصع مثل البفتة . تمتد أمامهم كروش كبراميل النفط ، وأجساد ملظلظة مكتنزة باللحم والشحم ومترهلة .. مع قلة الهموم يزداد حجم البدن أحيانا ليمتلئ بالفجوات والتلال .
تمايل جسده على السرير .يزداد مذاق النوم حلاوة في أيام البرد القارس.هكذا فكر،قبل أن يرن جرس المنبه ،على يسار وسادته، للمرة الخامسة. وقف فجأة متعصبا . مفعول سهرة البارحة الخمرية ، في أفخم صالونات المدينة ، ما يزال ساريا في دواليب دمه . سار حافيا تجاه المرحاض . وجد هناك ماءا دافئا جاهزا .غسل بسرعة فائقة . فعاد إلى المطبخ . تناول وجبة الفطور. بعدها أفرغ كأس "بيرة" في جوفه الغائر . نظر إلى وجهه في المرآة . وجده وجه خفاش أشقر ، كما كان منذ زمن بعيد . وبعد لحظات ، أراد له أن يكون وجه طائر وديع ، يوزع البسمات على شجيرات هذه الغابة ، فكان له ذلك.الجو جد بارد .أفرغ كأسا ثانية في جوفه العطشان .تحولت أنيابه ،في رمشة عين ،إلى منقار بهي ، وقرناه الحادان انهارا انهيار جبل ثلجي في بياض إشراقة شمس . من عادته أن يعاملنا بكل احترام و تقدير، في وطن الورود والأشجار المغـتـالة ، والقـطيع المدجج بسلاح الخوف والصمت القاتل ، والنار المحاصرة في زنزانة النار ، تأكل ذاتها ،عند عتبات الحرف والغضب الوهاج... إن هذا الخفاش الأنيق ، ليس غريبا أن يعيش أكثر غربة و غرابة في مغارتنا ..مغارة جسد حي ، كله حيوية و نشاط ، ينتج كل طاقة البلد ..،بما فيها طاقة الخفافيش الذين يحكموننا ..،في غابة ،يكاد يشلها الصراع غير المجدي ،صراع يشبه دورة العجلة...
تركوه ملقى على سريره, بعد أن جَروه بعيدا هاشين عن جسده القتلة... من الذباب , ولكن بعد أن احترقت يداه وما تبقى من اللحم النتن....
في يوم من أيام الشتاء الباردة حيث الغيوم الكثيفة والأمطار الغزيرة جاءه عماه معا وأخذاه من القسم الداخلي . وقد قيل له بعبارة مقتضبة أن عليهم أن يذهبوا إلى القرية بسرعة . وما كان صاحبنا يجرأ أن يسأل عن السبب لما يعهد عليه عمه الكبير من جدية بالغة وصرامة قاسية ، إلا أنه توقع أن هناك ولا شك أمرا جللا قد حصل ، وإلا فما كان هناك من تبرير لأخذه إلى القرية في هذا الوقت المتأخر من الليل ، والمدارس مستمرة على الدوام ، ولا اجازة أو عطلة أو ما يتطلب التعطيل في هذه الأيام ولا التي تليها . لقد مضى أكثر الطريق - الذي لا يتعدى الخمسة عشر كيلومترا - بسكوت قاتل ، فلم ينبس أحد خلال ذلك ببنت شفة قط . وكان هذا السكوت القاتل يشجع على التسريح في الخيال ، وتوقع ما يمكن قد حصل من أمر مهم . وبعقله اليانع الذي لم يتعد ثلاث عشرة سنة أخذ يتفرس في الاحتمالات المختلفة . وكان مركز التفكير في كل مرة ينصب على والدته المريضة بالتدرن الرئوي منذ فترة ليست بالقصيرة .