كان بالإمكان أن يكون - هشام حراك
كان بإمكان احميدة أن يكون الدكتور احميدة لو أنه حقق أمنيته التي أفصح عنها للمدرسة، حين سألته عنها ذات يوم، وهو ما يزال تلميذا في قسم الشهادة الابتدائية.. كان بإمكان احميدة أن يكون الدكتور احميدة لو أنه لم يطرد، عامها، من المدرسة، ولو أنه تابع دراساته، وتخرج من كلية طب العيون، أو كلية طب الأفواه، أو كلية طب البهائم، أو كلية الطب، هكذا، حافية.. وكان بإمكان احميدة لو أنه خرج (أو تخرج) من بطن منتفخة –بفعل مرور تسعة أشهر- لامرأة متزوجة من رجل ذي بطن منتفخة.. على أية حال، كتب لاحميدة أن يكون، هكذا، حافيا، بدون "دكتور"، ولا "سي"، ولا هما معا: "السي الدكتور".. وما دامت القاعدة تقول إن كل الأبناء لا بد وأنهم من والديهم يرثون، فإن كل ما ورث احميدة، بشرة بيضاء من والدته، وجسدا نحيفا وقنينة حريق من والده، ثم كوخا من طوب وقصدير وحصيرا وفانوسا غازيا منهما معا.
***
يدخل احميدة إلى مقهى الدرب، مترنحا كالمعتاد، وفي يده قنينة حريق.. يتوقف، أسفل جهاز التلفاز المعلق على الحائط، بعد طول مقاومة لأجل إعادة التوازن إلى جسده المتمايل.. يقول بصوته المخمور، المتقطع، المدندن، والمتثاقل:
ـ أنا العالم، والعالم كله أنا.. أنا لست أنا، ولست أنا، هو أنا.. من أحبني، فهو أخي، ومن كرهني، فهو (منتظرا إجابة) حبيبي.. في رأيكم، من أكون أنا؟








