أنفاس=1=
فتح باب البراكة ، وصفقه وراءه وهو يسب ويلعن في غضب شديدين ، كان يسير وحيدا في الزقاق ، يحسب خطواته وينصت إلى وقعها المتردد، يفكر في وجهته الجديدة .أدخل يديه في جيبه بحثا عن سيجارة فلم يجد شيئا ، بصق على الأرض في سخط يلعن ويسب الظروف التي أوصلته إلى حضن تلك المدينة ، فقبل سنوات كان ذا شأن كبير ، موظف في الوكالة البنكية الوحيدة بالمنطقة ، كان حلمه أن يصل يوما إلى مرتبة مدير ، لكن موته المهني كان يوم اختلس من رواتب بعض الوكلاء ليطرد بصفة نهائية ..كان يسير وصور الماضي تقض مضجعه ، تقتله.
وصل ساحة الشهداء ، لاح له من بعيد طابور طويل أمام الشباك الأوتوماتيكي للبنك، تساءل إذا ما كان قد انقضى شهر آخر ، أشاح بوجهه نحو الجهة الأخرى ، فبدت له مقاهي السوق البلدي غاصة ، فكر في شرب فنجان قهوة ، فتذكر أن الليلة التي قضاها بالأمس في بيت حادة ، كانت جد مكلفة ، وأجهزت على كل مدخراته . ضرب  الأرض بقدمه في غضب وقال :
لماذا لا يزدحم زقاق وهران مبكرا ؟
اتجه نحو حائط مؤسسة عمومية ، وأسند ظهره إلى مخدع هاتفي عمومي في انتظار أن تنشط حركة المارة.لاح له شرطي المرور يدخن في سهو قرب المدارة ، انطلق نحوه كالسهم ، سلم عليه وعاد وهو ينط من الفرح ، التفت إلى السيجارة التي أعطاه ، وقال في نفسه مازحا " لم أكن أتصور أن الصدقة تخرج من يد الشرطي بكل سهولة " عبر الشارع بحذر وعيناه زائغتان تبحثان عن مغفل قادم لسوق المدينة ، يفتتح به يومه البائس .

...

أنفاسعندما زحفت النملة الأولى متسلقة إصبع قدم محمود بن عبد الله الزبيري، رنا اليها وهو مستلق تحت الشجرة. داهمته ضحكة بلهاء مسترخية وهو يرى هذا المخلوق الضئيل يتسلق جسده الضخم. باسترخاء عذب مضغ مضغة القات ثم حركها في فمه، فشعر بمتعة رجلٍ يدغدغ ثديَ امرأة.
قال محمود بن عبد الله الزبيري لنفسه: آه. كم هم مساكين أولئك المحرومون من هذه الرعشة!
كانت الشمس تتخلل من ثغرات الأغصان، باعثة مع لذّات القات نوعاً من الخدر المنعش في جسد الرجل المُلقى بين الظل والشمس، ومن مقهى مجاور انساب صوت مغنية شرقية، ماتعاً، هابطاً به نحو سكونية خالدة.
كان يمتص مضغة القات ويعتصرها بشبقٍ عندما جاءت نملة اخرى تتبعها رفيقتها، وراحتا تتسلقان الأصابع نحو الجسد المُسجى.
كان صعود النملة الثالثة يدغدغه، وإذ قرضته بفهما المتناهي في الصغر، أحسّ وكأن شوكة صغيرة تخزّه.
قال محمود بن عبد الله: يا للنمل ما أحمقه!وبحركة بطيئة ناعسة حرّك أصابعه لنفض النملة أو يسحقها، غير أن النملة كانت أذكى من حركته. زاغت من مكانها وهبطت نحو باطن قدمه.
تسرّب الجدار الى خلايا الرجل المستلقي. كان منتشياً بالشمس والقات والصوت العذب المريح لكوكب الشرق. وبعث فيه الخدر رؤى وأحلام يقظة ملونة كقوس قزح. ورأى فيما رأى أنه يطير فوق الحقول والجبال حتى يصل الى مواطن النجوم، ورأى هذه النجوم وقد تحولت أزهاراً، وراح يقطفها ثم يزرعها في عُروته ويختال بها كالطاووس....

أنفاسحين فاه الشيخ بجملته غير المتوقعة إطلاقا, خيل إلى المريد أنه لم يسمع جيدا, فتلعثمت ساقاه تحت الجسد ولم يقوَ على الحراك.
كانت هناك مسافة..
هي المسافة الضرورية التي كانت وسوف تكون دوما بين الآمر والصادع بالأمر..
وبدا المكان رطبا..
وبين مجمرة من نحاس مهيأة لزغردة عود القماري, وبضع مخطوطات معتقة, جلس الشيخ وضاءا ناضحا بالمهابة ..
كان قد اصطفاه من بين المريدين, وأومأ إليه أن إئتني طوعا..فأتى يسابق خواطره..
بقلب واجف وخطى مرتبكة, دخل الى مخدع الأسرار حيث يلوذ الشيخ بجمرة المعاني..
في جلسته التي تستمطر الأحوال , لا هو باليقظ ولا المبحر في السبات..جفناه يرفان بتلك الحركات السريعة الفاضحة لأطوار شريط حلمي يمر خلف واجهة الجسد, بينما الكف تغازل حبات في حجم عقلة الأصبع لمسبحة أربعينية من خشب العرعر..
- رأيت أني أعودك, فكن مريضي.
فهل سمع المريد, لكن ذهنه لم يستوعب شراهة اللغة الداعية الى السقم؟
كان يعرف أنه مقبل على أمر جلل, كما يعرف أن الرؤيا زفرة من طاقة الغيب يمن بها الله واسع القدرة على من يصطفي من عباده..
رد بشكل لا يقبل أي التباس:
- شرف لي أن أكون مريضك, شيخي الجليل.
أنارت وجه الشيخ بسمة رضية..
وتقلصت المسافة الى الحدود الدنيا..
وفي الحال..
أحس المريد بمغص شديد يلوي أمعاءه, ورغبة في الهرولة باتجاه المرحاض, حيث يدفعه إسهال ماحق إلى إفراغ ماء الداخل..
R...

أنفاستتمنى الزواج مثل بقية مخلوقات الله كلها ، الزمن يتدفق مسرعا ليزيد عنوستها عنوسة ، فلم يطرق بابها عريس واحد يطلب يدها في أي يوم منذ وفاة والدها قبل ثلاث سنوات و نيف .. متوسطة الطول أقرب إلى السمرة منها إلى البياض ، جسمها منسق بإتقان فائق وملفوف كعود قصب السكر، لها وجه مشرق بض منحوت نحتا جميلا .. شعر كستنائي ناعم  معقوص من الخلف .. أنفها ناعم منمنم ظريف .. البيت صغير مرتب و نظيف ، جدرانه مطلية بلون أبيض لامع براق .
و قفت أمام النافذة منفذها الوحيد إلى العالم الخارجي المزدحم بالرجال .. رجال لا تعرف عنهم شيئا لكنها متشوقة لهم و تواقة لمعرفة عالمهم و الظفر بواحد منهم كزوج لها حتى لو كان أبله أو بنصف عقل ، في الوقت نفسه تخشاهم و تهابهم ، قلبها نصفان في صدرها نصف يحب وآخر يخاف ، الرجل هو خصمها المحبوب اللذيذ المخيف ، هذا ما ورثته عن أبيها ‘ لكن الظفر بوحش مفترس كاسر أفضل إليها من عنوسة تقتل جسدها و تزهق روحها في كل ساعة  ألف مرة ، كأن العنوسة موت من نوع آخر حي يتنفس يأكل و يمشي .. اعتمدت بكوعيها على حافة الشباك و ضمت كفيها إلى بعضهما واضعة ذقنها بينهما و قد التفا حول وجهها و أخذت ترنو ببصرها إلى بقايا قمر على شكل شريحة بطيخ تحيطه السماء و تحتضنه في صفحة الأفق .. فبدا كأنه رضيع في حجر أمه مما فتح شهيتها للأمومة و النوم في حضن رجل على سنة الله ورسوله .. ندت عنها تنهيدة طويلة عميقة محروقة...

أنفاسفي باحة البيت، استلقوا تحت مربع الشمس ساعة قبل أن يستيقظ الأب ويحملهم إلى الشاطئ. انتظروا ساعة أو أكثر حتى كاد أن يصيبهم القرف لكنهم ظلوا يتسلون بالزرقة التي تطل عليهم من فوق بكسل ريثما تتحرك عقارب النهار.
أصغرهم، والذي بالكاد تعلم النطق، سأل وهو ينظر في قلب السحب العابرة، إن كانت الغيوم أمواجا.. أوسطهم، والذي ذهب للشاطئ مرارا، أدرك أنها السماء. تساءل هو الآخر في تماه لذيذ.. إن كان الطيران عموديا يشبه سقطة من علو شاهق.. أكبرهم يدرك أن الأرض كروية الشكل. لذلك، فإن الطيران من جهة يشبه السقوط من جهة أخرى.
رأيتهم بالأمس خلف كومة البيوت الصغيرة، ينبشون في التراب المحاذي لسور المقبرة. وجدوا رصاصة فاتسعت عيونهم من الذهول.. أضرموا النار فلم تنفجر.. حفروا ثانية وبحذر أكبر وهم يشعرون بقيمة المنجم الذي اكتشفوه.. تواعدوا ألا أحد منهم سيبوح بالسر، ثم ما لبثوا أن انخرطوا في حرب وهمية وهم يختفون بين شواهد القبور، ويطلقون أصواتهم بحجم رنين الطلقات. مثل رسوم متحركة نهضوا من موتهم مرارا وأعادوا تسديد الطلقات وأعادوا النبش في التراب، ولم تكن لديهم سوى رصاصة واحدة حقيقية.. وأن تكون بحوزتهم فذلك يكفي لأن يخلق إحساسا مختلفا بأهمية الحروب.
انتهوا عند الدكان قرب البيت، حدثهم المحارب القديم عن البطولات الوهمية التي حققها، دون أن يجيبهم إن كان التراب خلف المقبرة يشكل مخزنا حقيقيا للأسلحة. لم يخبروه عن الرصاصة.....

أنفاسبيت صغير ضيق في مخيم جائع يسكنه خمسة أنفس .. أربعة منها آدمية وحمار . أب و زوجته و ابنه وابنته ، الأب يعمل عربجي .. حين تراه لا يمكن أن يخطر ببالك أبدا انه قدم من مكان آخر غير القبر أو من وسط كومة قمامة ، جسمه في غاية النحافة آيل للاندثار مغطى بجلد داكن خشن سوّده زمن اللجوء في مخيمات قطاع غزة وصدّعه .. عيناه غائرتان في رأسه كثقبين في كوخ سربله الدهر بالشحار.. شعره طويل كث متسخ بالغبار و السخام منكوش مثل القطن المنفوش غير مصفف ، رأسه كبيرة تنوء بحمله رقبة رفيعة مستديرة كالمسمار عروقها بارزة على الدوام و كأنها خيوط متقطعة في ثوب بال رث .. ظهره تقوس مثل مدخل قلعة قديمة حفظها الزمن من عبث الأيام و ويلاتها .. تلوح من وجهه نظرة مظلوم بائس في وجه دنيا غادرة فقدت الصدق و الطمأنينة والعدالة .
يستيقظ مع تهاليل صباح كل يوم .. يلف الوجود صمت كئيب مبين أفصح من الكلام و أعلى من الصراخ و اصدق من الكتب ..  يحدق في جنبات البيت المكون من فناء ضيق و غرفتين صغيرتين ومطبخ لا طعام فيه ، لها أسقف من الأسبست المليء بالثقوب كأنه يراه للمرة الأولى في حياته ، هو ضحية لخيانة امتدت خيوطها المنسوجة بإحكام منذ الماضي البعيد الذي قذفه عنوة إلى اللجوء في لحظة غدر و غفلة إلى الحاضر المكبل بحصار مجحف و أغلال محكمة التطويق لقلوب مطحونة و نفوس مكسورة .. يحدق في حماره الضعيف بإشفاق...

أنفاس يغوص في عينيها بشراهة . هي على ما يبدو قد لاحظت ذلك ، حتى أنها صارت مرتبكة بعض الشيء . . ذلك الارتباك الذي يتوارى وراء تعابير الوجه المختلفة. حين نظرت هي في عينيه لأول مرة تغيرت ملامح وجهها من قلق الانتظار إلى إسترخاء وترقب . ما الذي يدور في فكر كل واحد منهما. أتراهما الآن يتبادلان الإعجاب . ذهوله ناحيتها يدل أنه ذاب في كل شىء فيها، أما هي فلم تشكل دلائل واضحة سوى تلك النظرتين السريعتين اللتين رشقتاه بهما. وجهها مملوء بالخجل والاسئلة، بينما وجهه مملوء بالشراسة والمباغتة بتلك النظرات التي لم يقطعها إلا حينما يحدق في سقف المقهى. هناك غيري بالتأكيد من لاحظ أن هذين الاثنين يثيران الانتباه اليهما، خصوصا من جانبه هو، ومن المؤكد أيضا أن الأثنين لا يعرفان شعور بعضهما. قد يعتقد أنها غرمت به من خلال تلك النظرتين ، أو يعتقد أنها فقط حاولت معرفة سر نظراته المستمرة فيها. وقد تعتقد هي أنه هام فيها، أو تعتقد أنه مجرد عابث بنظر لكل النساء بنفس النظرات .
تنظر في ساعتها باستمرار. أتنتظر أحدا، ربما رؤيتها للساعة من قبيل العادة أو التسلية، وأنها لم تكن لتنتظر أي أحد. ولو كانت تنتظر أحدا، فمن يكون ، أيكون إحدى صديقاتها مثلا، أو زوجها، أو ربما حبيبها. إن كان انتظارها لزوجها فهو احتمال ضئيل ، فمن المفترض أنهما - هي وزوجها - يأتيان ويد كل واحد منهما تمسك بيد الآخر.. وأن يكونا حريصين على رسم الابتسامات...

أنفاسمرة أخرى؛ أفتح باب الغرفة المفضي إلى الممر المعتم، الذي تعبث به أضواء الشارع الخلفي، التي استعارت بهرجة عيد رأس السنة ولم تفلح، فبدت الأضواء المتسللة بألوانها.. شاحبة، متعبة. متسلقاً درجات تآكلت بفعل التقادم تنتهي بي إلى سطح الفندق حيث دورة المياه. لقد أصبح قدح الشاي الذي دفأت به صدري دلواً. للمرة الثانية تلفحني هذه البرودة، وتمتص كل ما اكتنزته من دفء في سريري بعد أن أحكمت تغليف جسدي. لم أتصور أن ليلة في بغداد يمكن أن تجعلني اهتز إلى هذا الحد. لم تتطابق عقارب الساعة على بعضها. لا زالت السيارات في شارع السعدون غير مكترثة بالوقت. أو ربما قد لا يعني رأس السنة لهؤلاء السواق شيئاً. لكن.. لماذا لم أساعد رائد والتزم بواجبه ما دامت ليلة رأس السنة ليلة لا تملك إيقاعاً لها في نفسي؟.. كما أني لا أستطيع الاستفادة منها بالذهاب إلى الموصل والعودة إلى الحلة. لماذا اقضيها هنا وحيداً؟!. لماذا أريد تجريدها من بهائها الذي اخترع لها؟.. هل أنا حاقد عليها….؟.

كان الإدرار المتدفق بقوة.. يوحي فعلاً بأنني قد شربت دلواً من الشاي، أما البخار برائحته النفاذة فقد أكد أن البرودة قد تجاوزت حدودها. لملمت جسدي وتركت الباب يئز ورائي واندفعت مهرولاً إلى الغرفة. الآن رائد يتلقى أوامر الدورة الاعتيادية من ضابط الخفر. كم حاول أن يرشيني!.
ـ سأجلب لك غداً ريوك؛ كاهي.. علبة حلويات.. استلم الواجب عني قد...

أنفاسالتقيت به بالصدفة كانت صلعته مدورة كالسكون فوق النون، كان يحمل بيده اليمنى تفاحة حمراء.. نظرت إلى التفاحة بين أصابعه،كانت كأنها عالقة بين فكي كماشة، فقد أمسك بها من خناقها .. لا اعرف لماذا تذكرت في لحظة خاطفة قول صديقي الشاعر الراحل محمد أبو الطيب "يدي على الجرح / هذا نهار وهذي صخور"..... مضى قطار عمر صديقي الشاعر قبل أن يمضي العام المنصرم.. عاد  إلى الله كملاك شعر وبسمة وسلام... أما هذا الممسك بالتفاحة، واضعا يده في جرحها، وكاتما نفسها بكل قوته،يكاد يخنقني أنا... من هو هذا الرجل الغريب، ولما هو في بلدتنا....  كنت أتساءل في قرارة نفسي..

يمتاز الرجل الأصلع بالفتحة الظاهرة على آخر قرعته...كانت الفتحة عبارة عن أثر لجرحٍ قديم، تقافزت فوق بياضه شعيرات متبقية على جلدة رأسه، كانت الشعيرات تقفز من مكان إلى مكان كما الحركات فوق وتحت الحروف في الكلمات..عندما قفزت من مكانها مع هبوب ريح خفيفة، شاهدتها ترتفع فبانت النتف الصغيرة المتبقية فوق جلدة رأسه المحروقة بأشعة شمس الصيف...فتحة على شكل حركة،وعند النظر من زاوية مختلفة تصبح على شكل كسرة،تتحرك وفق حركة الشفاه حين يبدأ كلامه، وتتحرك أيضا مع هبوب الرياح الحمسانية التي تهب على البلاد في الربيع،كأنها فيلم عن عاصفة رملية مثل عاصفة الصحراء الأمريكية....

لاحظت أن الحركات الساكنة فوق رأسه تصبح متحركة بتحرك الشفاه وباهتزاز الشعيرات العالقة فوق جلدة...

أنفاسهي سيارة تاكسي قديمة بقدم البؤس و الشقاء ، أليق مكان لها هو متحف أثري لحفظ كرامتها مثلما تحفظ القبور كرامة الموتى ، مترهلة حتى بدت عليها كل ملامح الشيخوخة بضعفها و تلفها ، لم يبق لها الدهرقطعة واحدة معافاة ، جلد الكراسي ممزق و بان منه الإسفنج و برز ، تقطعت أطرافه بأيدي عابثة من الركاب و الدهر ، حاولت أن افتح الشباك لكني فشلت لعدم وجود مقبض لإنزال الزجاج المغلق في هذا الجو الصيفي الساخن الحار ، الشمس تسقط على جسمي لتسلقه وتلسعه كما الزمن ، و فوق هذا كله فان ماكينة الشباك خربة كالأوطان المقهورة . ثرت في وجه السائق كالحصان الهائج : دوّر على حل يا أخي ، الشمس أهلكتني و أصبحت أذوب مثل الزبدة في المقلاة و أنضح بالعرق كالبئر المالح . أعطاني كماشة قديمة صدأة كأسلحة الهزيمة ومتسخة كي أحاول فتح النافذة الزجاجية و لكني لم أنجح ، فالكماشة لا تقبض على بروز حديدي بإحكام ، عدا عن ذلك فهي تنزلق و تملص كلما ضغطت عليها بقوة . قال السائق بفخر و شموخ بأن هذه السيارة تعمل منذ عهد والد جده الذي كان يشتغل عليها سائقا على خط غزة - القاهرة في منتصف القرن المنصرم ، كان يتحدث بعز و انتماء لسيارته العتيقة و كأنه ينتمي لقبيلة عبس العتيدة بما تحفل من سؤدد حتى بدا كأنه عنترة العبسي  نفسه ، و تابع القول بحزم و فخر : بعد موت والد جدي في حرب العدوان الثلاثي عمل عليها جدي بنفسه ، و عندما مات...

أنفاسالآن: المدينة هذا اليوم ما بين الظلام، يد الظلام تمسك بها بيد من حديد،  فتغرقها في السيل العرم من الفوضى، المدينة تبوح بوجعها، حيث حاصروها تجار الدم بالأوغاد، والحشاشين..
قطعوا عن طرقها الطرق، وعن سمائها السماء؛ الصوت يأتي منها يشبه نشيجا محموما، الناس تقول من هناك، بان الناس قد غابت عن هناك، الناس كلها مستغيثة:
- قد مزقوا ثوبها للمرة الألف، وتركوها بلا شبكة للموبايل، أو هاتف ارضي إذ عزلوها عن الشمس، منعوا فيها الصحف، والانترنيت، والرجولة، والخضار، ورائحة الأمل: اتصلتُ بمن بقي هناك، اتصلت بمن علق هناك.. اتصلت بآمالي الكبار وبحدسي تواصلت الأخبار، بالأخبار..
يقولون لي: بان ما بين دمار ودمار؛ دمارا أفظع من الدمار، وان ما بين رجل وآخر موتا حاضرا، وان ما بين موت وموت جيفا تنتشر ما بين الجثث وأصحابها، والموت صار الحاضر بين الأحياء، ما من موت يتخلص من الجيف، والجيف تحاصرها الفكرة، لأجل ان تبوح بالفطيسة بدلا من قداحها، ولكنه اليوم نفسه الذي تخظلت مسرة الخضرة الطازجة بالبارود، بعقوبُ يا قمراً كنت على ديالى، وفرسا عصية اللجام على خراسان، بعقوبُ يا آسرةُ التائبين عن تحريف التاريخ، ومفتاح الأجاص والزعرور إلى مواسم العطاء.. هل بعقوبُ أغنية المارد الذي أعطى وشاحه إلى المشمش والآلو بالو...

...

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية