في حضرة الموت - المصطفى سكم
يتماهى الجسد مع ظله، يبوح له باعتراف الوجدان المنفلت من حدود اليم، ما كان له أن يعشق القلنسوة لولا رائحة زبد البحر التي تفوح منها، زغاريد تملأ الفضاء ، يتموج فوقها نعش المرأة ، تبكي الجثة غربتها، حين ولدت ، عشقت ، أحبت وماتت. غربة الذات في انبثاقها ، مع ذاتها ، في وصالها وفي نعشها.
ترانيم المشيعين تذكر الذات بنبعها ، تكبر لله الذي يسكنها ، توحد بعاشقها الوحيد، تنتصب الذات فوق نعشها تبحث عن اتزانها على تموجات التشييع تنسل لتطل على شبح غربتها، يتراءى لها بين المشيعين، تكتوي بسؤال الوجود الميتافيزيقي كيف للغربة تلاحقها في موتها؟ والكينونة تتجرد من ماهيتها؟
عين تفيض جمالا قدسيا بها بحيرة بجع وسحر الموسيقى تحيي فيها شجن العشق، أحزان شتاء الانتظار، رومانسية الطفلة الثاوية فيها لحظات الانبهار باكتشاف ثورة الجسد..تتوحد مع ترانيم المشيعين في سيمفونية تكبر للعشق والخلود.
بين الهجران والنفي القسري عن دنيا الجسد والارتماء إلى حيث السمو و الحياة، تنشطر الذات في مفارقات التفكير والاعتقاد بازدواجية الحياة وانبعاث الذات في لحظات العدم ورعب اللاتناهي، كيف لا والطبيعة تخشى الفراغ، والطبيعة كامنة في الجسد بإشراطاتها المتوحشة.
أدعية تخترق الثرى تجفف دمع الجثة المتحجر في مقلة الزمن، تتوسل رحمة بذات يفترضون معاصيها المتراكمة امتداد العمر، تمثل ذواتهم في ذات منفلتة من التناهي، توحدهم بلحظات الأفول يغرقهم في يم التكبير و التوحيد، يمارسون طقوس التطهير الذاتي......





انتظر عائدا من يم كان قد اشتاق إليه مند زمن غابر،في ثناياه عثر على محياه المفقود،تحسس وجهه الملتوي في أعماق ذات مازالت تتشكل عبر صيرورة الزمن. كان الوجه قد غادر صاحبه ذات ليلة بعد أن انتشت ثملة بنبيذ عنب عرصة جدته،ليلة حولت الوجود لقناعات مشروخة تعيد البدايات الأولى للجزئيات ، تنفتح على جنيالوجيا الذات المهووسة بتراكمات القطائع الراجعة في تعاليها الدائم وسموها نحو اللاتناهي ، في شظاياه ضياع الفكر وتيه العقل وجنون المنطق.. يأتيها البحر ليأخذها معه،تأسرها أمواج الريبة ليل نهار، آه من مفارقات السؤال ومن تعايش نجوم الليل مع إشراق النهار . كيف للذات أن تقبل بتساكن عداء الأضداد وتمازج الانشطار ، سواد البياض وانسداد التراخي تمدد الانصهار المنسكب على مرايا الوجود.

-1-